الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
88

ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة

الجزء السادس 3 عنصر صفحة 502
ص 502

في هذه السنة ضمن حامد بن العباس أعمال الخراج والضياع الخاصة والعامة والمستحدثة والفراتية بسواد بغداد والكوفة وواسط والبصرة والأهواز وأصبهان

وسبب ذلك أنه لما رأى أنه قد تعطل عن الأمر والنهي وتفرد به علي بن عيسى شرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي

واستأذن المقتدر في الانحدار إلى واسط ليدبر أمر ضمانه الأول فأذن له في ذلك فانحدر إليها واسم الوزارة عليه وعلي بن عيسى يدبر الأمور

وأظهر حامد زيادة ظاهرة في الأموال وزاد زيادة متوفرة فسر المقتدر بذلك وبسط يده حامد في الأعمال حتى خافه علي بن عيسى

ثم إن السعر تحرك ببغداد فثارت العامة والخاصة لذلك واستغاثوا وكسروا المنابر وكان حامد يخزن الغلال وكذلك غيره من القواد ونهبت عدة من دكاكين الدقاقين فأمر المقتدر بإحضار حامد بن العباس فحضر من الأهواز فعاد الناس إلى شغبهم فأنفذ حامد لمنعهم فقاتلوهم وأحرقوا الجسرين وأخرجوا المحبسين من السجون ونهبوا دار صاحب الشرطة ولم يتركوا له شيئا

فأنفذ المقتدر جيشا مع غريب الخال فقاتل العامة فهربوا من بين يديه ودخلوا الجامع بباب الطاق فوكل بأبواب الجامع وأخذ كل من فيه فحبسهم وضرب بعضهم وقطع أيدي من يعرف بالفساد

ثم أمر المقتدر من الغد فنودي في الناس بالأمان فسكنت الفتنة

ثم إن حامدا ركب إلى دار المقتدر في الطيار فرجمه العامة ثم أمر المقتدر بتسكينهم فسكنوا وأمر المقتدر بفتح مخازن الحنطة والشعير التي لحامد ولأم المقتدر وغيرهما وبيع ما فيهما فرخصت الأسعار وسكن الناس فقال علي بن عيسى للمقتدر إن سبب غلاء الأسعار إنما هو ضمان حامد لأنه منع من بيع الغلال في البيادر وخزنها

فأمر بفسخ الضمان عن حماد وصرف عماله عن السواد

وأمر علي بن عيسى أن يتولى ذلك فسكن الناس واطمأنوا

وكان أصحاب حامد يقولون إن ذلك الشغب كان بوضع من علي بن عيسى

ذكر أمر أحمد بن سهل ص 503

في هذه السنة ظفر الأمير نصر بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر بأحمد بن سهل ونحن نذكر حاله من أوله كان هذا أحمد بن سهل من كبار قواد الأمير إسماعيل بن أحمد وولده أحمد بن إسماعيل وولده نصر بن أحمد

وقد تقدم من ذكر تقدمه على الجيوش في الحروب ما يدل على علو منزلته

وهو أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن جبلة بن كامكار بن يزدجر بن شهريار الملك

وكان كامكار دهقانا بنواحي مرو وإليه ينسب الورد الكامكاري وهو الشديد الحمرة وهو الذي يسمى بالري القصراني وبالعراق والجزيرة والشام الجوري

ينسب إلى قصران وهي قرية بالري وإلى مدينة جور وهي من مدن فارس وكان لأحمد إخوة يقال لهم محمد والفضل والحسين قتلوا في عصبية العرب والعجم بمرو

وكان أحمد خليفة عمرة بن الليث على مرو فقبض عليه عمرو ونقله إلى سجستان فحبسه بها

فرأى وهو في السجن كأن يوسف النبي عليه السلام على باب السجن فقال له ادع الله أن يخلصني ويوليني فقال له قد أذن الله في خلاصك لكنك لا تلي عملا برأسك

ثم ان أحمد طلب الحمام فأدخل إليها فأخذ النورة فطلى بها رأسه ولحيته فسقط شعره وخرج من الحمام ولم يعرفه أحمد فاختفى فطلبه عمرو فلم يظفر به ثم خرج من سجستان نحو مرو فقبض على خليفة عمرو واستولى عليها واستأمن إلى إسماعيل بن أحمد ببخارى فأكرمه وقدمه ورفع قدره وكان عاقلا كتوما لأسراره

فلما عصى الحسين بن علي سير إليه أحمد فظفر به على ما ذكرناه وضمن له الأمير نصر أشياء لم يف له بها فاستوحش من ذلك فأتاه يوما بعض أصحاب أبي جعفر صعلوك فحادثه فأنشده أحمد بن سهل وقد ذكر حاله وأنهم لم يفوا له بما وعدوه

( ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني % يمينك فأنظر أي كفيك تبدل )

( وفي الناس إن رثت حبالك واصل % وفي الأرض عن دار العلا متحول )

( إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته % على طرف الهجران إن كان يعقل )

( وتركب حد السيف من أن تضيمه % إذا لم يكن عن شفرة السيف مرحل )

( إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد % إليه بوجه آخر الدهر تقبل )

قال فعلمت أنه قد أضمر المخالفة فلم تمض إلا أيام حتى خالفه بنيسابور واستولى عليها وأسقط خطبة السعيد نصر بن أحمد وأنفذ رسولا إلى بغداد يخطب له أعمال خراسان

وسار من نيسابور إلى جرجان وبها قراتكين فحاربه واستولى عليها وأخرج قارتكين عنها

ثم عاد إلى خراسان وقصد مرو فاستولى عليها وبنى عليها سورا وتحصن بها

فأرسل إليه السعيد نصر الجيوش مع حمويه بن علي من بخارى فوافى مرو الروذ فأقام بنواحيها ليخرج إليه أحمد بن سهل منها فلم يفعل

ودخل بعض أصحاب أحمد عليه يوما وهو يفكر بعد نزول حمويه عليه فقال له صاحبه لا شك أن الأمير مشغول القلب لهذا الخطب فما هو رأي الأمير فقال ليس بي ما تظن ولكن ذكرت رؤيا رأيتها في حبس سجستان وذكر قول يوسف الصديق عليه السلام إنك لا تلي عملا برأسك قال فقلت له ان القوم يغتنمون سلمك ويعطونك ما تريد فإن رأيت أن يتوسط الحال فعلنا فأنشد

( سأغسل عني العار بالسيف جالبا % على قضاء الله ما كان جالبا )

ولما رأى حمويه أنه لا يخرج إليه من مرو عمل الحيلة في ذلك فجعل يقول قد أدخلت ابن سهل في جحر فأر وسددت عليه وجوه الفرار وأشباه هذا من الكلام ليغضب أحمد فيخرج فلم يفعل ذلك

فحينئذ أمر حمويه جماعة من ثقات قواده فكاتبوا أحمد بن سهل سرا وأظهروا له الميل ودعوه إلى الخروج من مرو ليسلموا إليه حمويه فأجابهم إلى ذلك لما في نفسه من الغيظ على حمويه

فخرج من مرو نحو حمويه فالتقوا على مرحلة من مرو الروذ في رجب سنة سبع وثلاثمائة

فانهزم أصاحب أحمد وحارب هو إلى أن عجزت دابته فنزل عنها واستأمن فأخذ أسيرا وأنفذوه إلى بخارى فمات بها في الحبس في ذي الحجة من سنة سبع وثلاثمائة وكان الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد يقول لا ينبغي لأحمد بن سهل أن يغيب عن باب السلطان فإنه إن غاب أثار شغلا عظيما كأنه كان يترسم فيه ما فعل فهكذا ينبغي أن تكون فراسة الملك

ذكر عدة حوادث ص 505

في هذه السنة وقع حريق بالكرخ من بغداد فاحترق فيه كثير من الدور والناس

وفيها قلد إبراهيم بن حمدان ديار ربيعة وقلد بني بن نفيس شهرزور فامتنعت عليه فاستمد المقتدر فسير إليه جيشا فحصرها ولم يفتحها وقلد القتال بالموصل وأعمالها

وفيها أوقع ثمال متولي الغزو في البحر بمراكب للمهدي العلوي صاحب أفريقية وقتل جماعة ممن فيها وأسر خادما له

وفيها انقض كوكب عظيم فاشتد ضوؤه وعظم وتفرق ثلاث فرق وسمع عند انقضاضه مثل صوت الرعد الشديد ولم يكن في السماء غيم

وفيها كانت فتنة بالموصل بين أصحاب الطعام وبين الأساكفة واحترق سوق الأساكفة وما فيه

وكان الوالي على الموصل وأعمالها العباس بن محمد بن إسحاق بن كنداج وكان خارجا عن البلد فسمع بالفتنة فرجع ليوقع بأهل الموصل فعزموا على قتاله وحصنوا البلد وسدوا الدروب

فما علم بذلك ترك قتالهم وأمر الأعراب بتخريب الأعمال فصاروا يقطعون الطريق على الجسر وفي الميدان ويقاسمونه فخرب البلد

فبلغ الخبر إلى الخليفة فعزله سنة ثمان وثلاثمائة

واستعمل بعده عبد الله بن محمد الفتان وكان عفيفا صارما كف الأعراب عن بلده

وفيها توفي أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصل صاحب المسند بها

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.