ذكر أمر الحسين بن حمدان
ص 487
في هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر وسبب ذلك أن الوزير علي بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة وهو يتولاها فدافعه فأمره بتسليم البلاد إلى عمال السلطان فامتنع
وكان مؤنس الخادم غائبا بمصر لمحاربة عسكر المهدي العلوي صاحب أفريقية فجهز الوزير رائقا الكبير في جيش وسيره إلى الحسين بن حمدان
وكتب إلى مؤنس يأمره بالسير إلى ديار الجزيرة لقتال الحسين بعد فراغه من أصحاب العلوي
فسار رائق إلى الحسين بن حمدان وجمع لهم الحسين نحو عشرين ألف فارس وسار إليهم فوصل إلى الحبشة وهم قد قاربوها
فلما رأوا كثرة جيشه علموا عجزهم عنه لأنهم كانوا أربعة آلاف فارس فانحازوا إلى جانب دجلة ونزلوا بموضع ليس له طريق إلا من وجه واحد
وجاء الحسين فنزل عليهم وحصرهم ومنع الميرة عنهم من فوق ومن أسفل فضاقت عليهم الأقوات والعلوفات
فأرسلوا إليه يبذلون له أن يوليه الخليفة ما كان بيده ويعود عنهم فلم يجب إلى ذلك ولزم حصارهم وأدام قتالهم إلى أن عاد مؤنس من الشام
فلما سمع العسكر بقربه قويت نفوسهم وضعفت نفوس الحسين ومن معه فخرج العسكر إليه ليلا وكبسوه فانهزم وعاد إلى ديار ربيعة وسار العسكر فنزلوا على الموصل وسمع مؤنس خبر الحسين فجد مؤنس في المسير نحوه واستصحب معه أحمد بن كيغلغ
فلما قرب منه راسله الحسين يعتذر وترددت الرسل بينهما فلم يستقر حال
فرحل مؤنس نحو الحسين حتى نزل بإزاء جزيرة ابن عمر
ورحل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده وتفرق عسكر الحسين عنه وصاروا إلى مؤنس
ثم إن مؤنسا جهز جيشا في أثر الحسين مقدمهم بليق ومعه سيما الجزري وجنى الصفواني فتبعوه إلى تل فافان فرأوها خاوية على عروشها قد قتل أهلها وأحرقها
فجدوا في اتباعه فأدركوه فقاتلوه فانهزم من بقي معه من أصحابه وأسر هو ومعه ابنه عبد الوهاب وجميع أهله وأكثر من صحبه وقبض أملاكه
وعاد مؤنس إلى بغداد على الموصل والحسين معه فأركب على جمل هو وابنه وعليهم البرانس واللبود الطوال وقمصان من شعر أحمر وحبس الحسين وابنه عند زيدان القهرمانة
وقبض المقتدر على أبي الهيجاء بن حمدان وعلى جميع اخوته وحبسوا
وكان قد هرب بعض أولاد الحسين بن حمدان فجمع جمعا ومضى نحو آمد فأوقع بهم مستحفظها وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد
ذكر بناء المهدية
ص 488
في هذه السنة خرج المهدي بنفسه إلى تونس
وقرطاجنة وغيرهما يرتاد موضعا على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة
وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد على دولته ومن أجله بنى المهدية فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهدية وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصل بزند فبناها وجعلها دار ملكه وجعل لها سورا محكما وأبوبا عظيمة وزن كل مصراع مائة قنطار وكان ابتداء بنائها يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة
فلما ارتفع السور أمر راميا يرمي بالقوس سهما إلى ناحية المغرب فرمى سهمه فانتهى إلى موضع المصلى فقال إلى موضع هذا يصل صاجب الحمار يعني أبا يزيد الخارجي لأنه كان يركب حمارا وكان يأمر الصناع بما يعملون
ثم أمر أن ينقر دار صناعة في الجبل تسع مائتي شيني وعليها باب مغلق
ونقر في أرضها اهراء للطعام ومصانع للماء وبنى فيها القصور والدور
فلما فرغ منها قال اليوم أمنت على الفاطميات يعني بناته وارتحل عنها
ولما رأى اعجاب الناس بها وبحصانتها كان يقول هذا لساعة من نهار وكان كذلك لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة وعاد ولم يظفر
ذكر عدة حوادث
ص 488
فيها أغارت الروم على الثغور الجزرية وقصدوا حصن منصور وسبوا من فيه وجرى على الناس أمر عظيم وكانت الجنود متشاغلة بأمر الحسين بن حمدان
وفيها عاد الحجاج وقد لقوا من العطش والخوف شدة وخرج جماعة من العرب على أبي حامد ورقاء بن محمد المرتب على الثعلبية لحفظ الطريق فقاتلهم وظفر بهم وقتل جماعة منهم وأسر الباقين وحملهم إلى بغداد فأمر المقتدر بتسليمهم إلى صاحب الشرطة ليحسبهم فثارت بهم العامة فقتلوهم وألقوهم في دجلة
وفيها ظهر بالجامدة إنسان زعم أنه علوي فقتل العامل بها ونهبها وأخذ من دار الخراج أموالا كثيرة ثم قتل بعد ظهوره بيسير وقتل معه جماعة من أصحابه وأسر جماعة
وفيها ظهرت الروم وعليهم الغثيط فأوقعوا بجماعة من مقاتلة طرسوس والغزاة فقتلوا منهم نحو ستمائة فارس ولم يكن للمسلمين صائفة
وفيها خرج مليح الأرمني إلى مرعش فعاث في بلدها وأسر جماعة ممن حولها وعاد
وفيها وقع الحريق ببغداد في عدة مواضع فاحترق كثير منها
وفيها توفي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي صاحب كتاب السنن بمكة ودفن بين الصفا والمروة والحسن بن سفيان النسوي
وفيها توفي أبو بكر محمد بن عينونة بنصيبين وكان يتولى أعمال الخراج والضياع بديار ربيعة ولما توفي ولي ابنه الحسن مكانه
وفيها توفي أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي
وفيها توفي يموت بن المزرع العبدي وهو ابن أخت الجاحظ توفي بدمشق وحج بالناس هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.