ص 477
في هذه السنة خلع على الأمير أبي العباس بن المقتدر بالله وقلد أعمال مصر والمغرب وعمره أربع سنين واستخلف له على مصر مؤنس الخادم وهذا أبو العباس هو الذي ولي الخلافة بعد القاهر بالله ولقب الراضي بالله
وخلع أيضا على الأميرعلي بن المقتدر وولي الري ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر
وفيها أحضر بدار عيسى رجل يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد مشعبذا في قول بعضهم وصاحب حقيقة في قول بعضهم ومعه صاحب له فقيل إنه يدعي الربوبية وصلب هو وصاحبه ثلاثة أيام كل يوممن بكرة إلى انتصاف النهار ثم يؤمر بهما إلى الحبس
وسنذكر أخباره واختلاف الناس فيه عند صلبه
وفيها في صفر عزل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان عن الموصل وقلد يمن الطولوني المعونة بالموصل ثم صرف عنها في هذه السنة واستعمل عليها تحرير الخادم الصغير
وفيها خالف أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان على المقتدر فسير إليه
مؤنسا المظفر وعلى مقدمته بني بن نفيس خرج إلى الموصل منتصف صفر ومعه جماعة من القواد وخرج مؤنس في ربيع الأول
فلما علم أبو الهيجاء بذلك قصد مؤنسا مستأمنا من تلقاء نفسه وورد معه إلى بغداد فخلع المقتدر عليه
وفيها توفي دميانة أمير الثغور وبحر الروم وتقلد مكانه ابن بلك
ذكر قتل الأمير أبي نصر أحمد بن إسماعيل الساماني وولاية ولده نصر
ص 477
وفي هذه السنة قتل الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر
وكان مولعا بالصيد فخرج إلى فربر متصيدا فلما انصرف أمر بإحراق ما اشتمل عليه عسكره وانصرف
فورد عليه كتاب نائبه بطبرستان وهو أبو العباس صعلوك وكان يليها بعد وفاة ابن نوح بها يخبره بظهور الحسن بن علي العلوي الأطروش بها وتغلبه عليها وأنه أخرجه عنها فغم ذلك أحمد وعاد إلى معسكره الذي أحرقه فنزل عليه فتطير الناس من ذلك
وكان له أسد يربطه كل ليلة على باب مبيته فلا يجسر أحد أن يقربه فأغفلوا إحضار الأسد تلك الليلة فدخل إليه جماعة من غلمانه فذبحوه على سريره وهربوا وكان قتله ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثمائة فحمل إلى بخارى فدفن بها ولقب حينئذ بالشهيد
وطلب أولئك الغلمان فأخذ بعضهم فقتل وولى الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر بن أحمد وهو ابن ثمان سنين وكانت ولايته سنة وثلاثة وثلاثين يوما
وكان موته في رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ولقب بالسعيد وبايعه أصحاب أبيه ببخارى بعد دفن أبيه
وكان الذي تولى ذلك أحمد بن محمد بن الليث وكان متولي أمر بخارى فحمله على عاتقه وبايع له الناس ولما حمله خدم أبيه ليظهر للناس خافهم وقال أتريدون أن تقتلوني كما قتلتم أبي فقالوا لا إنما نريد أن تكون موضع أبيك أميرا
فسكن روعه واستصغر الناس نصرا واستضعفوه وظنوا أن أمره لا ينتظم مع قوة عم أبيه الأمير إسحاق بن أحمد وهو شيخ السامانية وهو صاحب سمرقند وميل الناس بما وراء النهر سوى بخارى إليه وإلى أولاده وتولى تدبير دولة السعيد نصر بن أحمد أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني فأمضى الأمور وضبط المملكة واتفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه
ومع هذا فإن أصحاب الأطراف طمعوا في البلاد فخرجوا من النواحي على ما نذكره
فممن خرج عن طاعته أهل سجستان وعم أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد بسمرقند وابناه منصور وإلياس ابنا إسحاق ومحمد بن الحسين بن مت وأبو الحسن بن يوسف
والحسين بن علي المروروذي ومحمد بن جيد وأحمد بن سهل وليلى بن نعمان صاحب العلويين بطبرستان ووقعة سيمجور مع أبي الحسن بن الناصر وقراتكين وماكان بن كالي وخرج عليه اخوته يحيى ومنصور وإبراهيم أولاد أحمد بن إسماعيل وجعفر بن أبي جعفر وابن داود ومحمد بن إلياس ونصر بن محمد بن مت ومرداويج وشمكير ابنا زيار
وكان السعيد مظفرا منصورا عليهم
ذكر أمر سجستان
ص 479
ولما قتل الأمير أحمد بن إسماعيل خالف أهل سجستان على ولده نصر وانصرف عنها سيمجور الدواتي فولاها المتقدر بالله بدرا الكبير
فأنفذ إليها الفضل بن حميد وأبا يزيد خالد بن محمد المروزي
وكان عبيد الله بن أحمد الحيهاني ببست والرخج وسعد الطالقاني بغزنة من جهة السعيد نصر بن أحمد فقصدهما الفضل وخالد وانكشف عنهما عبيد الله وقبضا على سعد الطالقاني وأنفذاه إلى بغداد واستولى الفضل وخالد على غزنة وبست ثم اعتل الفضل وانفرد خالد بالأمور وعصي على الخليفة فأنفذ إليه دركا أخا نجح الطولوني فقاتله فهزمه خالد وسار خالد إلى كرمان فأنفذ إليه بدر جيشا فقاتلهم خالد فجرح وانهزم أصحابه وأخذ هو أسيرا فمات فحمل رأسه إلى بغداد
ذكر خروج إسحاق بن أحمد وابنه إلياس
ص 479
وفي هذه السنة وهي إحدى وثلاثمائة خرج على السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل عم أبيه إسحاق بن أحمد بن أسد وابنه إلياس وكان إسحاق بسمرقند لما قتل أحمد بن إسماعيل وولي ابنه نصر بن أحمد فلما بلغه ذلك عصي بها وقام ابنه إلياس بأمر الجيش وقوي أمرهما فساروا نحو بخارى فسار إليه حمويه بن علي في عسكر وكان ذلك في شهر رمضان فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم إسحاق إلى سمرقند ثم جمع وعاد مرة ثانية فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم إسحاق أيضا وتبعه حمويه إلى سمرقند فملكها قهرا واختفى إسحاق طلب حمويه ووضع عليه العيون والرصد فضاق بإسحاق مكانه فأظهر نفسه واستأمن إلى حمويه فأمنه وحمله إلى بخارى فأقام بها إلى أن مات
وأما ابنه إلياس فإنه سار إلى فرغانة وبقي بها إلى أن خرج ثانيا
ذكر ظهور الحسن بن علي الأطروش
ص 479
وفيها استولى الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على طبرستان وكان يلقب بالناصر
وكان سبب ظهوره ما نذكره
وقد ذكرنا فيما تقدم عصيان محمد بن هارون على أحمد بن إسماعيل وهربه منه وغير ذلك ثم أن الأمير أحمد بن إسماعيل استعمل على طبرستان أبا العباس عبد الله بن محمد بن نوح فأحسن فيهم السيرة وعدل فيهم وأكرم من بها من العلويين وبلغ في الإحسان إليهم وراسل رؤساء الديلم وهاداهم واستمالهم
وكان الحسن بن علي الأطروش قد دخل الديلم بعد قتل محمد بن زيد وأقام بينهم نحو ثلاثة عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويقتصر منهم على العشر ويدافع عنهم ابن حسان ملكهم فأسلم منهم خلق كثير واجتمعوا عليه وبنى في بلادهم مساجد
وكان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل قزوين
وسالوس وغيرهما وكان بمدينة سالوس حصن منيع قديم فهدمه الأطروش حين أسلم الديلم والجيل
ثم إنه جعل يدعوهم إلى الخروج معه إلى طبرستان فلا يجيبونه إلى ذلك إلا حسان بن نوح فاتفق أن الأمير أحمد عزل ابن نوح عن طبرستان وولاها سلاما فلم يحسن أهلها وهاج عليه الديلم فقاتلهم وهزمهم واستقال عن ولايتها فعزله الأمير أحمد وأعاد إليها ابن نوح فصلحت البلاد معه ثم أنه مات بها واستعمل عليها أبو العباس محمد بن إبراهيم صعلوك فغير رسوم ابن نوح وأساء السيرة وقطع عن رؤساء الديلم ما كان يهديه إليهم ابن نوح فانتهز الحسن بن علي الفرصة وهيج الديلم عليه ودعاهم إلى الخروج معه فأجابوه وخرجوا معه
وقصدهم صعلوك فالتقوا بمكان يسمى نوروز وهو على شاطئ البحر على يوم من سالوس فانهزم ابن صعلوك وقتل من أصحابه نحو أربعة آلاف رجل
وحصر الأطروش الباقين ثم أمنهم على أموالهم وأنفسهم وأهليهم فخرجوا إليه فأمنهم وعاد عنهم إلى آمل
وانتهى إليهم الحسن بن القاسم الداعي العلوي وكان ختن الأطروش فقتلهم عن آخرهم لأنه لم يكن أمنهم ولا عاهدهم
واستولى الأطروش على طبرستان وخرج صعلوك إلى الري وذلك سنة إحدى وثلاثمائة ثم سار منها إلى بغداد
وكان الأطروش قد أسلم على يده من الديلم الذين هم وراء أسفيدروذ إلى ناحية آمل وهم يذهبون مذهب الشيعة
وكان الأطروش زيدي المذهب شاعرا مفلقا ظريفا علامة إماما في الفقه والدين كثير المجون حسن النادرة
حكي عنه أنه استعمل عبد الله بن المبارك على جرجان وكان يرمي بالابنة فاستعجزه الحسن يوما في شغل له وأنكر عليه فقال أيها الأمير أنا أحتاج إلى رجال أجلاد يعينوني
فقال قد بلغني ذلك وكان سبب صممه أنه ضرب على رأسه بسيف في حرب محمد بن زيد فطرش وكان له من الأولاد الحسن وأبو القاسم والحسين فقال يوما لابنه الحسن يا بني ههنا شيء من الغراء نلصق به كاغدا فقال لا إنما ههنا بالخاء فحقدها عليه ولم يوله شيئا وولى ابنيه أبا القاسم والحسين
وكان الحسن ينكر تركه معزولا ويقول أنا أشرف منهما لأن أمي حسنية وأمهما أمة وكان الحسن شاعرا وله مناقضات مع ابن المعتز ولحق الحسن بابن أبي الساج فخرج معه يوما متصيدا فسقط عن دابته فبقي راجلا فمر به ابن أبي الساج فقال له اركب معي على دابتي
فقال أيها الأمير لا يصلح بطلان على دابة
ذكر القرامطة وقتل الجنابي
ص 481
في هذه السنة قتل أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي كبير القرامطة قتله خادم له صقلبي في الحمام فلما قتله استدعى رجلا من أكابر رؤسائهم وقال له السيد يستدعيك فلما دخل قتله ففعل ذلك بأربعة نفر من رؤسائهم واستدعى الخامس فلما دخل فطن لذلك فأمسك بيد الخادم وصاح فدخل الناس وصاح النساء وجرى بينهم وبين الخادم مناظرات ثم قتلوه
وكان أبو سعيد قد عهد إلى ابنه سعيد وهو الأكبر فعجز عن الأمر فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان وكان شهما شجاعا وسيرد من أخباره ما يعلم به محله
ولما قتل أبو سعيد كان قد استولى على هجر والإحساء والقطيف والطائف وسائر بلاد البحرين
وكان المتقدر قد كتب إلى أبي سعيد كتابا لينا في معنى من عنده من أسرى المسلمين ويناظره ويقيم الدليل على فساد مذهبه ونفذه مع الرسل فلما وصل إلى البصرة بلغهم خبر موته فأعلموا الخليفة بذلك فأمرهم بالمسير إلى ولده فأتوا أبا طاهر بالكتاب فأكرم الرسل وأطلق الأسرى ونفذهم إلى بغداد وأجاب عن الكتاب
ذكر مسير جيش المهدي إلى مصر
ص 482
في هذه السنة جهز المهدي العساكر من أفريقية وسيرها مع ولده أبي القاسم إلى الديار المصرية فساروا إلى برقة واستولوا عليها في ذي الحجة
وساروا إلى مصر فملك الإسكندرية والفيوم وصار في يده أكثر البلاد وضيق على أهلها
فسير إليها المقتدر بالله مؤنسا الخادم في جيش كثيف فحاربهم وأجلاهم عن مصر فعادوا إلى المغرب مهزومين
ذكر عدة حوادث
ص 482
وفي هذه السنة كثرت الأمراض الدموية بالعراق ومات بها خلق كثير وأكثرهم بالحربية فإنها أغلقت بها دور كثيرة لفناء أهلها
وفيها توفي جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ببغداد والقاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي الثقفي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.