ذكر عزل الخاقاني عن الوزارة ووزارة علي بن عيسى
ص 472
في هذه السنة ظهر للمقتدر تخليط الخاقاني وعجزه في الوزارة فأراد عزله وإعادة أبي الحسن بن الفرات إلى الوزارة فمنعه مؤنس الخادم عن ابن الفرات لنفوره عنه لأمور منها إنفاذ الجيش إلى فارس مع غيره وإعادته إلى بغداد وقد ذكرناه
فقال للمقتدر متى أعدته ظن الناس أنك إنما قبضت عليه شرها في ماله والمصلحة أن تستدعي علي بن عيسى من مكة وتجعله وزيرا فهو الكافي الثقة الصحيح العمل المتين الدين
فأمر المقتدر بإحضاره فأنفذ من يحضره فوصل إلى بغداد أول سنة إحدى وثلاثمائة وجلس في الوزارة
وقبض على الخاقاني وسلم إليه فأحسن قبضه ووسع عليه وتولى علي بن عيسى ولازم العمل والنظر في الأمور ورد المظالم وأطلق من المكوس شيئا كثيرا بمكة وفارس وأطلق المواخير
والمفسدات بدوبق
وأسقط زيادات كان الخاقاني قد زادها للجند لأنه عمل الدخل والخرج فرأى الخرج أكثر فأسقط أولئك وأمر بعمارة المساجد والجوامع وتبييضها وفرشها بالحصر وإشعال الأضواء فيها وأجرى للأئمة والقراء والمؤذنين أرزاقا
وأمر بإصلاح البيمارستانات وعمل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية
وقرر فيها فضلاء الأطباء وأنصف المظلومين وأسقط ما زيد في خراج الضياع
ولما عزل الخاقاني أكثر الناس التزوير على خطه بمسامحات وإدرارات
فنظر علي بن عيسى في تلك الخطوط فأنكرها وأراد إسقاطها فخاف ذم الناس ورأى أن ينفذها إلى الخاقاني ليميز الصحيح من المزور عليه فيكون الذم له
فلما عرضت تلك الخطوط عليه قال هذه جميعها خطى وأنا أمرت بها
فلما عاد الرسول إلى علي بن عيسى بذلك قال والله لقد كذب ولقد علم المزور من غيره ولكنه اعترف بها ليحمده الناس ويذموني وأمر بها فأجيزت وقال الخاقاني لولده يا بني هذه ليست خطى ولكنه أنفذها إلي وقد عرف الصحيح من السقيم ولكنه أراد أن يأخذ الشوك بأيدينا ويبغضنا إلى الناس وقد عكست مقصوده
ذكر خلاف سجستان وعودها إلى طاعة أحمد بن إسماعيل الساماني
ص 473
وفي هذه السنة أنفذ الأمير أبو نصر أحمد بن إسماعيل الساماني عسكرا إلى سجستان ليفتحها ثانية وكانت قد عصت عليه وخالف من بها
وسبب ذلك أن محمد بن هرمز المعروف بالمولى الصندلي كان خارجي المذهب وكان قد أقام ببخارى وهو من أهل سجستان وكان شيخا كبيرا
فجاء يوما إلى الحسين بن علي بن محمد العارض يطلب رزقه فقال له علي إن الأصلح لمثلك من الشيوخ أن يلزم رباطا يعبد الله فيه حتى يوافيه أجله فغاظه ذلك
فانصرف إلى سجستان والوالي عليها منصور بن إسحاق فاستمال جماعة من الخوارج ودعا إلى الصفار وبايع في السر لعمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث
وكان رئيسهم محمد بن العباس المعروف بابن الحفار وكان شديد القوة فخرجوا وقبضوا على منصور بن إسحاق أميرهم وحبسوه في سجن أرك وخطبوا لعمرو بن يعقوب وسلموا إليه سجستان فلما بلغ الخبر إلى الأمير أحمد بن إسماعيل سير الجيوش مع الحسين بن علي مرة ثانية إلى زرنج في سنة ثلاثمائة فحصرها تسعة أشهر فصعد يوما محمد بن هرمز الصندلي إلى السور وقال ما حاجتكم إلى أذى شيخ لا يصلح إلا للزوم رابط يذكرهم بما قاله العارض ببخارى
واتفق أن الصندلي مات فاستأمن عمرو بن يعقوب الصفار
وابن الحفار إلى الحسين بن علي وأطلقوا عن منصور بن إسحاق وكان الحسين بن علي يكرم ابن الحفار ويقربه فواطأ ابن الحفار جماعة على الفتك بالحسين فعلم الحسين ذلك
وكان ابن الحفار يدخل على الحسين لا يحجب عنه فدخل إليه يوما
وهو مشتمل على سيف فأمر الحسين بالقبض عليه وأخذه معه إلى بخارى
ولما انتهى خبر فتح سجستان إلى الأمير أحمد استعمل عليها سيمجور الدواتي وأمر الحسين بالرجوع إليه فرجع ومعه عمرو بن يعقوب وابن الحفار وغيرهما
وكان عوده في ذي الحجة سنة ثلاثمائة
واستعمل الأمير أحمد منصورا ابن عمه إسحاق على نيسابور وأنفذه إليها وتوفي ابن الحفار
ذكر طاعة أهل صقلية للمقتدر وعودهم إلى طاعة المهدي العلوي
ص 474
قد ذكرنا سنة سبع وتسعين ومائتين استعمال المهدي علي بن عمر على صقلية فلما وليها كان شيخا لينا فلم يرض أهل صقلية بسيرته فعزلوه عنهم وولوا على أنفسهم أحمد بن قرهب فلما ولى سير سرية إلى أرض قلورية فغنموا منها وأسروا من الروم وعادوا وأرسل سنة ثلاثمائة ابنه عليا إلى قلعة طبرمين المحدثة في جيش وأمره بحصرها وكان غرضه إذا ملكها أن يجعل بها ولده وأمواله وعبيده فإذا رأى من أهل صقلية ما يكره امتنع بها
فحصرها ابنه ستة أشهر ثم اختلف العسكر عليه وكرهوا المقام فأحرقوا خيمته وسواد العسكر وأرادوا قتله فمنعهم العرب
ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر فأجابوه إلى ذلك فخطب له بصقلية وقطع خطبة المهدي
وأخرج ابن قرهب جيشا في البحر إلى ساحل أفريقية فلقوا هناك أسطول المهدي ومقدمه الحسن بن أبي خنزير فأحرقوا الأسطول وقتلوا الحسن وحملوا رأسه إلى ابن قرهب
وسار الأسطول الصقلي إلى مدينة سفاقس فخربوها وساروا إلى طرابلس فوجدوا فيها القائم بن المهدي فعادوا ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر ثم أخرج مراكب فيها جيش إلى قلورية فغنم جيشه وخربوا وعادوا وسير أيضا أسطولا إلى أفريقية فخرج عليها أسطول المهدي فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه
ولم يستقم بعد ذلك لابن قرهب حال وأدبر أمره وطمع فيه الناس وكانوا يخافونه وخاف منه أهل جرجنت وعصوا أمره وكاتبوا المهدي
فلما رأى ذلك أهل البلاد كاتبوا المهدي أيضا وكرهوا الفتنة وثاروا بابن قرهب وأخذوه أسيرا سنة ثلاثمائة وحبسوه وأرسلوه إلى المهدي مع جماعة من خاصته فأمر بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير فقتلوا واستعمل على صقلية أبا سعيد موسى بن أحمد وسير معه جماعة كثيرة من شيوخ كتامة فوصلوا إلى طرابنش وسبب إرسال العسكر معه أن ابن قرهب كان قد كتب إلى المهدي يقول له إن أهل صقلية يكثرون الشغب على أمرائهم ولا يطيعونهم وينهبون أموالهم ولا يزول ذلك إلا بعسكر يقهرهم ويزيل الرياسة عن رؤسائهم ففعل المهدي ذلك
فلما وصل معه العسكر خاف منه أهل صقلية فاجتمع عليه أهل جرجنت وأهل المدينة وغيرهما فتحصن منهم أبو سعيد وعمل على نفسه سورا إلى البحر وصار المرسي معه فاقتتلوا فانهزم أهل صقلية وقتل جماعة من رؤسائهم وأسر جماعة
وطلب أهل المدينة الأمان فأمنهم إلا رجلين هما أثارا الفتنة فرضوا بذلك وتسلم الرجلين وسيرهما إلى المهدي بأفريقية وتسلم المدينة وهدم أبوابها وأتاه كتاب المهدي يأمره بالعفو عن العامة
ذكر وفاة عبد الله بن محمد صاحب الأندلس وولاية عبد الرحمن
ص 475
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأموي صاحب الأندلس في ربيع الأول وكان عمره اثنتين وأربعين سنة
وكان أبيض أصهب ربعة يخضب بالسواد
وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا
وخلف أحد عشر ولدا ذكرا أحدهم محمد المقتول قتله في حد من الحدود وهو والد عبد الرحمن الناصر
ولما توفي ولي بعده ابنه هذا محمد واسمه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحاكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي وأمه أم ولد تسمى مرتة وكان عمره لما قتل أبوه عشرين يوما
وكانت ولايته من المستطرف لأنه كان شابا وبالحضرة أعمامه وأعمام أبيه فلم يختلفوا عليه
وولي الإمارة والبلاد كلها وقد اختلف عليهم قبله وامتنع حصون بكورة ريه وحصن ببشتر فحاربها حتى صلحت البلاد بناحيته
وكان من بطليطة أيضا قد خالفوا فقاتلهم حتى عادوا إلى الطاعة ولم يزل يقاتل المخلفين حتى أذعنوا له وأطاعوه نيفا وعشرين سنة فاستقامت البلاد وأمنت في دولته ومضى لحال سبيله
ذكر عدة حوادث
ص 476
في هذه السنة عزل عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن فارس وكرمان واستعمل عليها بدر الحمامي وكان بدر يتقلد أصبهان واستعمل بعده على أصبهان علي بن وهسوذان الديلمي
وفيها ورد الخبر إلى بغداد ورسول من عامل برقة وهي من عمل مصر وما بعدها بأربع فراسخ لمصر وما وراء ذلك من عمل المغرب بخبر خارجي خرج عليهم وأنهم ظفروا به وبعسكره وقتلوا منهم خلقا كثيرا ووصل على يد الرسول من أنوفهم وآذانهم شيء كثير
وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد
وفيها كلبت الكلاب والذئاب بالبادية فأهلكت خلقا كثيرا وفيها ولي بشر الأفشيني طرسوس
وفيها قلد مؤنس المظفر الحرمين والثغور
وفيها انقضت الكواكب انقضاضا كثيرا إلى جهة المشرق
وفيها مات اسكندروس بن لاون ملك الروم وملك بعده ابنه واسمه قسطنطين وعمره اثنتا عشرة سنة
وفيها توفي عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين وكان مولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين وفيها توفي أحمد بن علي الحداد وقيل سنة تسع وتسعين ومائتين وهو الصحيح
وفيها توفي أحمد بن يعقوب ابن أخي العرق المقرئ والحسين بن عمر بن أبي الأحوص وعلي بن طيفور النسوي وأبو عمر القتات
وفيها في ربيع الآخر توفي يحيى بن علي بن يحيى المنجم المعروف بالنديم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.