الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
77

ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين

الجزء السادس 11 عنصر صفحة 440
ذكر خلع المقتدر وولاية ابن المعتز ص 440

وفيه هذه السنة اجتمع القواد والقضاة والكتاب مع الوزير العباس بن الحسن على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتز وأرسلوا إلى ابن المعتز في ذلك فأجابهم على أن لا يكون فيه سفك دم ولا حرب فأخبروه باجتماعهم عليه وأنهم ليس لهم منازع ولا محارب

وكان الرأس في ذلك العباس بن الحسن ومحمد بن داود بن الجراح وأبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضي ومن القواد الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف بن صوارتكين ثم أن الوزير رأى أمره صالحا مع المقتدر وأنه على ما يحب فبدا له في ذلك فوثب به الآخرون فقتلوه

وكان الذي تولى قتله منهم الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف ولحقوه وهو سائر إلى بستان له فقتلوه في طريقه وقتلوا من معه فاتكا المعتضدي وذلك في العشرين من ربيع الأول وخلع المقتدر من الغد وبايع الناس لابن المعتز وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة ظنا منه أن المقتدر يلعب هناك بالكرة فيقتله فلم يصادفه لأنه كان هناك فبلغه قتل الوزير وفاتك فركض دابته فدخل الدار وغلقت الأبواب فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر

وأحضروا ابن المعتز وبايعوه بالخلافة وكان الذي يتولى أخذ البيعة له محمد بن سعيد الأزرق وحضر الناس والقواد وأصحاب الدواوين سوى أبي الحسن بن الفرات وخواص المقتدر فإنهم لم يحضروا ولقب ابن المعتز المرتضى بالله واستوزر محمد بن داود بن الجراح وقلد علي بن عيسى الدواوين

وكتب الكتب إلى البلاد من أمير المؤمنين المرتضى بالله أبي العباس عبد الله بن المعتز بالله ووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر التي كان مقيما فيها لينتقل هو إلى دار الخلافة فأجابه بالسمع والطاعة وسأل الإمهال إلى الليل وعاد الحسين بن حمدان بكرة غد إلى دار الخلافه فقاتله الخدم والغلمان والرجالة من وراء الستور عامة النهار فانصرف عنهم إلى آخر النهار فلما جنه الليل سار عن بغداد بأهله

وكل ماله إلى الموصل لا يدري لم فعل ذلك ولم يكن بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن وغريب الخال وحاشية الدار فلما هم المقتدر بالإنتقال عن الدار قال بعضهم لبعض لا نسلم الخلافة من غير أن نبلى عذرا ونجتهد في دفع ما أصابنا فاجمع رأيهم على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتز بالحرم يقاتلونه فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديات وغير ذلك وركبوا في السميريات وأصعدوا في الماء فلما رآهم من عند ابن المعتز هالهم كثرتهم واضطربوا وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم وقال بعضهم لبعض إن الحسين بن حمدان عرف ما يريد أن يجري فهرب من الليل وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر

وهذا كان سبب هربه ولما رأى ابن المعتز ذلك ركب ومعه وزيره محمد بن داود وهربا وغلام له ينادي بين يديه يا معشر العامة ادعوا لخليفتكم السني البربهاري

وإنما نسب هذه النسبة لأن الحسين بن القاسم بن عبيد الله البربهاري كان مقدم الحنابلة والسنة من العامة ولهم فيه اعتقاد عظيم فأراد استمالتهم بهذا القول

ثم إن ابن المعتز ومن معه ساروا نحو الصحراء ظنا منهم أن من بايعه من الجند يتبعونه فلم يلحقه منهم أحد فكانوا عزموا أن يسيروا إلى سر من رأى بمن يتبعهم من الحند فيشتد سلطانهم

فلما رأوا أنهم لم يأتهم أحد رجعوا عن ذلك الرأي واختفى محمد بن داود في داره ونزل ابن المعتز عن دابته ومع غلامه يمن وانحدر إلى دار أبي عبد الله بن الجصاص فاستجار به واستتر أكثر من بايع ابن المعتز ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد وثار العيارون والسفل ينهبون الدور

وكان ابن عمرويه صاحب الشرطة ممن بايع ابن المعتز فلما هرب جمع ابن عمرويه أصحابه ونادى بشعار المقتدر يدلس بذلك فناداه العامة يا مرائي يا كذاب فهرب واستتر وتفرق أصحابه فهجاه يحيى بن علي بأبيات منها

( بايعوه فلم يكن عند الأز % وك إلا التغيير والتخبيط )

( رافضيون بايعوا أنصب الأم % ة هذا لعمري التخليط )

( ثم ولى من زعقة ومحامو % ه ومن خلفهم لهم تضريط )

وقلد المقتدر تلك الساعة الشرطة مؤنسا الخازن وهو غير مؤنس الخادم وخرج بالعسكر وقبض على وصيف بن صوارتكين وغيره فقتلهم

وقبض على القاضي أبي عمر وعلي بن عيسى

والقاضي محمد بن خلف وكيع ثم أطلقهم

وقبض على القاضي المثنى أحمد بن يعقوب فقتله لأنه قيل له بايع المقتدر فقال لا أبايع صبيا فذبح

وأرسل المقتدر إلى أبي الحسن بن الفرات وكان مختفيا فأحضره واستوزره وخلع عليه

وكان في هذه الحادثة عجائب

منها أن الناس كلهم أجمعوا على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتز فلم يتم ذلك بل كان على العكس من إرادتهم وكان أمر الله مفعولا ومنها أن ابن حمدان على شدة تشيعه وميله إلى علي عليه السلام وأهل بيته يسعى في البيعة لابن المعتز على انحرافه عن علي وغلوه في النصب إلى غير ذلك

ثم أن خادما لابن الجصاص يعرف بسوسن أخبر صافيا الحرمي بأن ابن المعتز عند مولاه ومعه جماعة فكبست دار ابن الجصاص وأخذ ابن المعتز منها وحبس إلى الليل وعصرت خصيتاه حتى مات

ولف في زلي وسلم إلى أهله وصودر ابن الجصاص على مال كثير

وأخذ محمد بن داود وزير ابن المعتز وكان مستترا فقتل

ونفي علي بن عيسى إلى واسط فأرسل إلى الوزير ابن الفرات يطلب منه أن يأذن له في المسير إلى مكة فأذن له في ذلك

فسار إليها على طريق البصرة وأقام بها

وصودر القاضي أبو عمر على مائة ألف دينار

وسيرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل ثم إلى بلد فلم يظفروا به فعادوا إلى بغداد

فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء بن حمدان وهو الأمير على الموصل يأمره بطلبه فسار إليه إلى بلد ففارقها الحسين إلى سنجار وأخوه في أثره فدخل البرية فتبعه أخوه عشرة أيام فأدركه فاقتتلوا فظفر أبو الهيجاء وأسر بعض أصحابه وأخذ منه عشرة آلاف دينار وعاد عنه إلى الموصل ثم انحدر إلى بغداد

فلما كان فوق تكريت أدركه أخوه الحسين فبيته فقتل منهم قتلى

وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداد وأرسل الحسين إلى ابن الفرات وزير المقتدر يسأله الرضا عنه

فشفع فيه إلى المقتدر بالله ليرضى عنه وعن إبراهيم بن كيغلغ وابن عمرويه صاحب الشرطة وغيرهم فرضي عنهم

ودخل الحسين بغداد فرد عليه أخوه ما أخذ منه

وأقام الحسين ببغداد إلى أن ولي قم فسار إليها وأخذ الجرائد التي فيه أسماء من أعان على المقتدر فغرقها في دجلة وبسط ابن الفرات العدل والإحسان وأخرج الإدرارات للعباسيين والطالبيين وأرضى القواد بالأموال ففرق معظم ما كان في بيوت الأموال

ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط من مثلها ويفعل فيه مثل فعل صاحبها ص 443

كان سليمان بن الحسن بن مخلد متصلا بابن الفرات وبينهما مودة وصداقة فوجد الوزير كتب البيعة لإبن المعتز بخط سليمان لاتصال كان لمحمد بن دواد بن الجراح وقرابة بينهما فلم يظهر عليها المقتدر وأخفاها عنه

وأحسن ابن الفرات إلى سليمان وقلده الأعمال فسعى سليمان بابن الفرات إلى المقتدر وكتب بخطه مطالعة تتضمن ذكر أملاك الوزير وضياعه ومستغلاته وما يتعلق بأسبابه

وأخذ الرقعة ليوصلها إلى المقتدر فلم يتهيأ له ذلك وحضر دار الوزير وهي معه وسقطت من كمه فظفر بها بعض الكتاب فأوصلها إلى الوزير فلما قرأها قبض على سليمان وجعله في زوق وأحدره إلى واسط ووكل به هناك وصادره ثم أراد العفو عنه

فكتب إليه نظرت أعزك الله في حقك علي وجرمك إلي فرأيت الحق موفى على الجرم وتذكرت من سالف خدمتك ما عطفني عليك وثناني إليك وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت وأجمل ما ألفت

وأطلق له عشرة آلاف درهم وعفا عنه واستعمله وأكرمه

ذكر ولاية أبي مضر أفريقية وهربه إلى العراق وما كان من أمره ص 443

في هذه السنة مستهل شهر رمضان ولى أبو مضر زيادة الله بن أبي العباس بن عبد الله أفريقية بعد قتل أبيه فانعكف على اللذات والشهوات وملازمة الندماء والمضحكين وأهمل أمور المملكة وأحوال الرعية

وأرسل كتابا يوم ولى إلى عمه الأحول على لسان أبيه يستعجله في القدوم عليه ويحثه على السرعة فسار مجدا ولم يعلم بقتل أبي العباس فلما وصل قتله وقتل من قدر عليه من أعمامه وأخوته واشتدت شوكة أبي عبد الله الشيعي في أيامه وقوي أمره وكان الأحول قبالته فلما قتل صفت له البلاد ودانت له الأمصار والعباد

فسير إليه زيادة الله جيشا مع إبراهيم بن أبي الأغلب وهو من بني عمه بلغت عدتهم أربعين ألفا سوى من انضاف إليه فهزمه أبو عبد الله الشيعي على ما نذكره آنفا فلما اتصل بزيادة الله خبر الهزيمة علم أنه لا مقام له لأن هذا الجمع هو آخر ما انتهت قدرته إليه فجمع ما عز عليه من أهل ومال وغير ذلك وعزم على الهرب إلى بلاد الشرق وأظهر للناس أنه قد جاء خبر الهزيمة أبي عبد الله الشيعي

وأمر بإخراج رجال من الحبس فقتلهم

وأعلم خاصته حقيقة الحال وأمرهم بالخروج معه فأشرا عليه بعض أهل دولته بأن لا يفعل ولا يترك ملكه وقال له إن أبا عبد الله لا يجسر عليك

فشتمه ورد عيله رأيه وقال أحب الأشياء إليك أن يأخذني من يدي

وانصرف كل واحد من خاصته وأهله يتجهز للمسير معه وأخذ ما أمكنه حمله

وكانت دولة آل الأغلب بإفريقية قد طالت

مدتها وكثرت عبيدها وقوى سلطانها

وسار عن أفريقية إلى مصر في سنة ست وتسعين ومائتين واجتمع معه خلق عظيم فلم يزل سائرا حتى وصل طرابلس فدخلها فأقام به تسعة عشر يوما ورأى بها أبا العباس أخا أبي عبد الله الشيعي وكان محبوسا بالقيروان حبسه زيادة الله فهرب إلى طرابلس

فلما رآه أحضره وقرره هل هو أخو أبي عبد الله فأنكر وقال أنا رجل تاجر

قيل عني إنني أخو أبي عبد الله فحبستني فقال له زيادة الله أنا أطلقك فإن كنت صادقا في أنك تاجر فلا نأثم فيك وإن كنت كذبا وأنت أخو أبي عبد الله فليكن للصنيعة عندك موضع وتحفظنا فيمن خلفنا وأطلقه

وكان من كبار أهله وأصحابه إبراهيم بن أبي الأغلب فأراد قتله وقتل رجل آخر كانا قد عرضا أنفسهما على ولاية القيروان فعلما ذلك وهربا إلى مصر وقدما على العامل بها وهو عيسى النوشري فتحدثا معه وسعيا بزيادى الله وقالا له إنه يمني نفسه بولاية مصر فوقع ذلك في نفسه وأراد منعه من دخول مصر إلا بأمر الخليفة من بغداد فوصل زيادة الله ليلا وعبر الجسر إلى الجيزة قهرا فلما رأى ذلك النوشري لم يمكنه منعه فأنزله بدار ابن الجصاص ونزل أصحابه في مواضع كثيرة فأقام ثمانية أيام ورحل يريد بغداد فهرب عنه بعض أصحابه وفيهم غلام له وأخذ منه مائة ألف دينار فأقام عند النوشري فأرسل النوشري إلى الخليفة وهو المقتدر بالله يعرفه حال زيادة الله وحال من تخلف عنه بمصر فأمره برد من تخلف عنه إليه مع المال ففعل

وسار زيادة الله حتى بلغ الرقة وكتب إلى الوزير وهو ابن الفرات يسأله في الإذن له لدخول بغداد فأمره بالتوقف فبقي على ذلك سنة فتفرق عنه أصحابه وهو مع هذا مدمن الخمر واستماع الملاهي

وسعى به إلى المقتدر

وقيل له يرده إلى المغرب يطلب بثأره

فكتب إليه بذلك وكتب إلى النوشري بانجاده بالرجال والعدد والأموال من مصر ليعود إلى المغرب فعاد إلى مصر فأمره النوشري بالخروج إلى ذات الحمام ليكون هناك إلى أن يجتمع إليه ما يحتاج من الرجال والمال ففعل ومطله فطال مقامه وتتابعت به الأمراض

وقيل بل سمه بعض غلمانه فسقط شعر لحيته فعاد إلى مصر وقصد البيت المقدس فتوفي بالرملة ودفن بها فسبحان الحي الذي لا يموت ولا يزول ملكه

ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب أحد

وكانت مدة ملكهم مائة سنة واثنتي عشرة سنة

وكانوا يقولون إننا نخرج إلى مصر والشام ونربط خيلنا في زيتون فلسطين فكان زيادة الله هو الخارج إلى فلسطين على هذه الحال لا على ما ظنوه

ذكر ابتداء الدولة العلوية بإفريقية ص 444

هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها وطالت مدتها فإنها ملكت إفريقية هذه السنة وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة فنحاج أن نستقصي ذكرها فنقول أول من ولي منهم أبو محمد عبيد الله فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

ومن ينسب هذا النسب يجعله عبد الله بن ميمون القداح الذي ينسب إليه القدحية وقيل هو عبد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

وقد اختلف العلماء في صحة نسبه فقال هو وأصحابه القائلون بإمامته إن نسبه صحيح على ما ذكرناه ولم يرتابوا فيه

وذكر كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى موافقتهم أيضا ويشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضي

( ما مقامي على الهوان وعندي % مقول صارم وأنف حمي )

( ألبس الذل في البلاد الأعادي % وبمصر الخليفة العلوي )

( من أبوه أبي ومولاه مولا % ي إذا ضامني البعيد القصي )

( لف عرقي بعرقه سيد الن % اس جميعا محمد وعلي )

( إن ذلي بذلك الجد عز % وأوامي بذلك الربع ري )

وإنما لم يودعها في بعض ديوانه خوفا ولا حجة بما كتبه في المحضر المتضمن القدح في أنسابهم فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا على أنه قد ورد ما يصدق ما ذكرته وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر بن الباقلاني فأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي والد الشريف الرضي يقول له قد عرفت منزلتك منا وما لا نزال عليه من الاعتداد بك بصدق الموالاة منك وما تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه ويكون ولدك على ما يضادها وقد بلغنا أنه قال شعرا وهو كذا وكذا

فياليت شعري على أي مقام ذل أقام وهو ناظر في النقابة والحج وهما من أشرف الأعمال ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا وأطال القول فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك وأحضر ولده وقال له في المعنى فأنكر الشعر فقال له أكتب خطك إلى الخليفة بالاعتذار واذكر فيه أن نسب المصري مدخول وأنه مدع في نسبه فقال لا أفعل فقال أبو تكذبني في قولي فقال ما أكذبك ولكني أخاف من الديلم وأخاف من المصري من الدعاة في البلاد فقال أبوه أتخاف ممن هو بعيد عنك وتراقبه وتسخط من هو قريب وأنت بمرأى منه ومسمع وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك

وتردد القول بينهما ولم يكتب الرضى خطه فجرد عليه أبوه وغضب وحلف أنه لا يقيم معه في بلد

فآل الأمر إلى أن حلف الرضى أنه ما قال هذا الشعر واندرجت القصة على هذا

ففي امتناع الرضي من الأعتذار ومن أن يكتب طعنا في نسبهم مع الخوف دليل قوي على صحة نسبهم وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين في نسبه فلم يرتابوا في صحته وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح

وعدا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديا

وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده وكتب فيه جماعة من العلويين وغيرهم أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي غير صحيح فمن كتب فيه من العلويين المرتضى وأخوه الرضي وابن البطحاوي وابن الأزرق العلويين ومن غيرهم ابن الأكفاني وابن الخرزي وأبو العباس الأبيوردي وأبو حامد والكشفلي والقدوري والصيمري وأبو الفضل النسوي وأبو جعفر النسفي وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة

وزعم القائلون بصحة نسبه إن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفا وتقية ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقول وزعم الأمير عبد العزيز صاحب تاريخ إفريقية والمغرب إن نسبه معروف في اليهودية ونقل فيه عن جماعة من العلماء

وقد استقصى ذكر إبتداء دولتهم وبالغ وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنة في نسبه وما عداه فقد أحسن فيما ذكر قال لما بعث الله تعالى سيد الأولي والآخرين محمدا عظم ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وقريش وسائر العرب لأنه سفه أحلامهم وعاب أديانهم وآلهتهم وفرق جمعهم فاجتمعوا يدا واحدة عليه فكفاه الله كيدهم ونصره عليهم فأسلم منهم من هداه الله تعالى

فلما قبض نجم النفاق وارتدت العرب وظنوا أن الصحابة يضعفون بعده

فجاهد أبو بكر رضي الله عنه في سبيل الله فقتل مسيلمة

ورد الردة وأذل الكفر ووطأ جزيرة العرب وغزا فارس والروم فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقص الإسلام

فاستخلف عمر بن الخطاب فأذل فارس والروم وغلب على ممالكها فدس عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله ظنا منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام فولى بعده عثمان فزاد في الفتوح واتسعت مملكة الإسلام فلما قتل وولي بعده أمير المؤمنين علي قام بالأمر أحسن قيام

فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة وتشكيك ضعفة العقول في دينهم بأمور قد ضبطها المحدثون وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه فكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد

وأبو شاكر ميمون بن ديصان صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة

وغيرهما

فألقوا إلى من وثقوا به

أن لكل شيء من العبادات باطنا وأن الله تعالى لم يوجب على أوليائه ومن عرف من الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك ولا حرم عليهم شيئا وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات

وإنما هذه قيود للعامة ساقطة عن الخاصة وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي ليستروا أمرهم ويستميلوا العامة

وتفرق أصحابهم في البلاد وأظهروا الزهد والعبادة يغرون الناس بذلك وهم على خلافه

فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة

وكان أصحابه قالوا له إنا نخاف الجند فقال لهم إن أسلحتتهم لا تعمل فيكم فلما ابتدأوا في ضرب أعناقهم قال له أصحابه ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا فقال إذا كان قد أراد الله فما حيلتي وتفرقت هذه الطائفة في البلاد وتعلموا الشعبذة

والنار نجيات والزور والنجوم والكيمياء فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم وعلى العامة بإظهار الزهد

ونشأ لابن ديصان ابن يقال له عبد الله القداح علمه الحيل وأطلعه على أسرار هذه النحلة فحذق وتقدم

وكان بنواحي كرخ وأصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين ويلقب بدندان يتولى تلك المواضع وله نيابة عظيمة وكان يبغض العرب ويجمع مساويهم فسار إليه القداح وعرفه من ذلك

ما زاد به محله وأشار عليه أن لا يظهر ما في نفسه إنما يكتمه ويظهر التشيع والطعن على الصحابة فإن الطعن فيهم طعن في الشريعة فإن بطريقهم وصلت إلى من بعدهم فاستحسن قوله وأعطاه مالا عظيما ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب فسيره إلى كور الأهواز والبصرة والكوفة وطالقان وخراسان وسلمية من أرض حمص وفرقه في دعاته وتوفي القداح ودندان وإنما لقب القداح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها

فلما توفي القداح قام بعده ابنه أحمد في مقامه وصحبه إنسان يقال له رستم بن الحسين بن حوشب بن دادان النجار من أهل الكوفة فكانا يقصدان المشاهد

وكان باليمن رجل اسمه محمد بن الفضل كثير المال والعشيرة من أهل الجند يتشيع فجاء إلى مشهد الحسين بن علي يزوره فرآه أحمد ورستم يبكي كثيرا

فلما خرج اجتمع به أحمد وطمع فيه لما رأى من بكائه وألقى إليه مذهبه فقبله وسير معه النجار إلى اليمن وأمره بلزوم العبادة والزهد ودعاء الناس إلى المهدي وأنه خارج في هذا الزمان باليمن فسار النجار إلى اليمن ونزل بعدن بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى وأخذ في بيع ما معه

وأتاه بنو موسى وقالوا له فيم جئت فقال للتجارة قالوا لست بتاجر وإنما أنت رسول المهدي وقد بلغنا خبرك ونحن بنو موسى ولعلك قد سمعت بنا فانبسط ولا تحتشم فإنا أخوانك فاظهر أمره وقوى عزائمهم وقرب أمر المهدي فأمره بالاستكثار من الخيل والسلاح وأخبرهم أن هذا أوان ظهور المهدي ومن عندهم يظهر

واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق فساروا إليه فكثر جمعهم وعظم بأسهم وأغاروا على من جاورهم وسبوا وجبوا الأموال وأرسل إلى من بالكوفة من ولد عبد الله القداح هدايا عظيمة

وكانوا أنفذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف بالحلواني والآخر يعرف بأبي سفيان وقالوا لهما إن المغرب أرض بور فاذهبا فاحرصا حتى يجيء صاحب البذر

فسارا فنزل أحدهما بأرض كتامة ببلد يسمى مرمجنة والأخر بسوق حمار

فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما وحملوا إليهما الأموال والتحف فأقاما سنين كثيرة وماتا وكان أحدهما قريب الوفاة من الآخر

ذكر ارسال أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب ص 449

كان أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء

وقد سار إلى ابن حوشب النجار وصحبه بعدن وصار من كبار أصحابه وكان له علم وفهم ودهاء ومكر

فلما أتى خبر وفاة الحلواني وأبي صفيان إلى ابن حوشب قال لأبي عبد الله الشيعي إن ارض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك فبادر فإنها موطأة ممهدة لك فخرج أبو عبد الله إلى مكة وأعطاه ابن حوشب مالا وسير معه عبد الله بن أبي ملاحف

فلما قدم أبو عبد الله مكة سأل عن حجاج كتامة فأرشد إليهم فاجتمع بهم ولم يعرفهم قصده وجلس قريبا منهم

فسمعهم يتحدثون بفضائل أهل البيت فأظهر استحسان ذلك وحدثهم بما لم يعلموه

فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته والانبساط معه فأذن لهم في ذلك فسألوه أين مقصدك فقال أريد مصر ففرحوا بصحبته

وكان من رؤساء الكتاميين بمكة رجل اسمه حريث الجميلي وآخر اسمه موسى بن مكاد فرحلوا وهو لا يخبرهم بغرضه وأظهر لهم العبادة والزهد فازدادوا فيه رغبة وخدموه وكان يسألهم عن بلادهم وقبائلهم وعن طاعتهم لسلطان افريقية فقالوا ماله علينا طاعة وبيننا وبينه عشرة أيام

قال أفتحملون السلاح قالوا هذا شغلنا

ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر فلما أراد وداعهم قالوا له أي شيء تطلب بمصر قال اطلب التعليم بها

قالوا إذا كنت تقصد هذا فبلادنا أنفع لك ونحن أعرف بحقك ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم بعد الخضوع والسؤال فسار معهم

فلما قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره فرغبوا في نزوله عندهم واقترعوا فيمن يضيفه منهم ثم رحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين فسأله قوم منهم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه

فقال لهم أين يكون فج الأخيار فتعجبوا من ذلك ولم يكونوا ذكروه له

فقالوا عند بني سليان فقال إليه نقصد ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم فأرضى بذلك الجميع

وسار إلى جبل يقال له انكجان وفيه فج الأخيار فقال هذا فج الأخيار وما سمي إلا بكم ولقد جاء في الآثار

أن للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان قوم مشتق اسمهم من الكتمان فإنهم كتامة وبخروجكم من هذا الفج يسمى فج الأخيار

فتسامعت القبائل وصنع من الحيل والمكيدات والنارنجيات ما أذهل عقولهم

وأتاه البربر من كل مكان وعظم أمره إلى تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر وسلم من القتل مرارا وهو في كل ذلك لا يذكر اسم المهدي فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله فلم يتركه الكتاميون يناظرهم

وكان اسمه عندهم أبا عبد الله المشرقي

وبلغ خبره إلى إبراهيم أحمد بن الأغلب أمير أفريقية فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن أمره فصغره وذكر له أنه يلبس الخشن ويأمر بالخير والعبادة فسكت عنه

ثم أنه قال للكتاميين أنا صاحب البدر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحواني فازدادت محبتهم له وتعظيمهم لأمره

وتفرقت كلمة البربر وكتامة بسببه فأراد بعضهم قتله فاختفى ووقع بينهم قتال شديد واتصل الخبر بإنسان اسمه الحسن بن هارون وهو من أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه ودافع عنه

ومضيا إلى مدينة ناصرون فأتته القبائل من كل مكان وعظم شأنه وصارت الرياسة للحسن بن هارون وسلم إليه أبو عبد الله أعنة الخيل وظهر الاستتار وشهر الحروب فكان الظفر له فيها وغنم الأموال

وانتقل إلى مدينة ناصرون وخندق عليها فزحفت قبائل البربر إليها فاقتتلوا ثم اصطلحوا ثم أعادوا القتال

وكان بينهم وقائع كثيرة ظفر بهم وصارت إليه أموالهم فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة

ذكر ملكه مدينة ميلة وانهزامه ص 450

فلما تم لأبي عبد الله ذلك زحف إلى مدينة ميلة فجاءه منها رجل اسمه الحسن بن أحمد فأطلعه على غرة البلد فقاتل أهله قتالا شديدا وأخذ الأرباض فطلبوا منه الأمان ودخل مدينة ميلة وبلغ الخبر أمير أفريقية وهو حينئذ إبراهيم بن أحمد فنفذ ولده الأحول في اثني عشر ألفا وتبعه مثلهم فالتقيا فاقتتل العسكران فانهزم أبو عبد الله وكثر القتل في أصحابه وتبعه الأحمل وسقط ثلج عظيم حال بينهم

وسار أبو عبد الله إلى جبل إنكجان فوصل الأحول إلى مدينة ناصرون فأحرقها وأحرق مدينة ميلة ولم يجد بها أحدا

وبنى أبو عبد الله بانكجان دار هجرة فقصده أصحابه

وعاد الأحول إلى أفريقية فسار أبو عبد الله بعد رحيلهم فغنم ما رأى مما تخلف عنهم وأتاه خبر وفاة إبراهيم فسر به

ثم أتاه خبر قتل أبي العباس وولده وولاية زيادة الله واشتغاله باللهو واللعب فاشتد سروره

وكان الأحول قد جمع جيشا كثيرا أيام أخيه أبي العباس ولقي عبد الله فانهزم الأحول وبقي الأحول قريبا منه يقاتله ويمنعه من التقدم

فلما ولي أبو مضر زيادة الله أفريقية أحضر الأحول وقتله كما ذكرنا ولم يكن أحولا وإنما كان يكسر عينه إذا أدام النظر فلقب به فلما قتل انتشرت حينئذ جيوش أبي عبد الله في البلاد وصار أبو عبد الله يقول المهدي يخرج في هذه الأيام ويملك الأرض

فيا طوبى لمن هاجر إلي وأطاعني

ويغري الناس بأبي مضر ويعيبه

وكان كل من عند زيادة الله من الوزراء فلا يسوءهم أن يظفر أبو عبد الله لا سيما مع ما كان يذكر لهم من الكرامات التي للمهدي من إحياء الموتى ورد الشمس من مغربها وملكه الأرض بأسرها

وأبو عبد الله يرسل إليهم ويسحرهم ويعدهم

ذكر سبب اتصال المهدي عبيد الله بأبي عبد الله الشيعي ومسيره إلى ص 451

لما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنهم من ولد عقيل بن أبي طالب وهم مع هذا يسترون ويسرون أمرهم ويخفون أشخاصهم

وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم فتوفي وخلف ولده محمدا

وكان هو الذي يكاتبه الدعاة في البلاد

وتوفي محمد وخلف أحمد والحسين

فسار الحسين إلى سليمة من أرض حمص وله بها ودائع وأموال من ودائع جده عبد الله القداح ووكلاء وغلمان وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلغلغ

وكان الحسين يدعي أنه الوصي وصاحب الأمر والدعاء باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن فتزوجها ولها ولد من الحداد يماثلها في الجمال فأحبها وحسن موقعها معه وأحب ولدها وأدبه وعلمه فتعلم العلم وصارت له نفس عظيمة وهمة كبيرة

فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذي كان بسلمية وهو الحسين مات ولم يكن له ولد فعهد إلى ابن اليهودي الحداد وهو عبيد الله وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل وأين الدعاة وأعطاه الأموال والعلامات

وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته وأنه الإمام والوصي

وزوجه ابنة عمه أبي الشلغلغ وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلوي وغيره

وجعل لنفسه نسبا وهو عبيد الله بن الحسين بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وبعض الناس يقولون وهم قليل أن عبيد الله هذا من ولد القداح

وهذه الأقوال فيها ما فيها

فياليت شعري ما الذي حمل أبا عبد الله الشيعي وغيره ممن قام في إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا هذا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودي وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده دينا يثاب عليه قال فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له أنك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة وتلقى محنا شديدة

فتوفي الحسين وقام بعده عبيد الله وانتشرت دعوته وبذلك الأموال خلاف ما تقدم

وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه وأنهم ينتظرونه

وشاع خبره عند الناس أيام المكتفي فطلب فهرب هو وولده أبو القاسم نزار الذي ولي بعده وتلقب بالقائم وهو يومئذ غلام وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب وذلك أيام زيادة الله

فلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزي التجار

كان عامل مصر حينئذ عيسى النوشري فأتته الكتب من الخليفة بصفته وحليته وأمر بالقبض عليه وعلى كل من يشبهه

وكان بعض خاصة عيسى متشيعا بالإنصراف فخرج من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة فأوسع النفقة على صحبه فأخبر المهدي وأشار عليه فلما وصل الكتاب إلى النوشري فرق الرسل في طلب المهدي وخرج بنفسه فلحقه فلما رآه لم يشك فيه فقبض عليه ونزل ببستان ووكل به فلما حضر الطعام دعاه ليأكل فأعلمه أنه صائم فرق له وقال له أعلمني بحقيقة حالك حتى أطلقك فخوفه بالله تعالى وأنكر حاله ولم يزل يخوفه ويتلطفه فأطلقه وخلى سبيله

وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته فقال لا حاجة لي في ذلك ودعا له وقيل أنه أعطاه في الباطن مالا حتى أطلقه فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم فندم على إطلاقه وأراد إرسال الجيش وراءه ليردوه

وكان المهدي لما لحق أصحابه رأى ابنه أبا القاسم قد ضيع كلبا كان له يصيد به وهو يبكي عليه فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه

فرجع المهدي بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده فرآهم النوشري فسأل عنهم فقيل إنه فلان

وقد عاد بسبب كذا وكذا

فقال النوشري لأصحابه قبحكم الله أردتم أن تحملوني على قتل هذا حتى آخذه فلو كان يطلب ما قال أو كان مريبا لكان يطوي المراحل ويخفي نفسه ولا كان رجع في طلب كلب وتركه

وجد المهدي في الهرب فلحقه لصوص بموضع يقال له الطاحونة فأخذوا بعض متاعه

وكانت عنده كتب وملاحم لآبائه فأخذت فعظم أمرها عليه فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان وانتهى المهدي وولده إلى مدينة طرابلس

وتفرق من صحبه من التجار

وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله الشيعي فقدمه المهدي إلى القيروان ببعض ما معه وأمره أن يلحق بكتامة

فلما وصل أبو العباس إلى القيروان وجد الخبر قد سبقه إلى زيادة الله بخبر المهدي فسأل عنه رفقته فأخبروا أنه تخلف بطرابلس وأن صاحبه أبا العباس بالقيروان فأخذ أبو العباس وقرر فأنكر وقال إنما أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل فحبسه وسمع المهدي فسار إلى قسطيلة

ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بأخذه وكان المهدي قد أهدى له واجتمع به فكتب العامل يخبره أنه قد سار ولم يدركه

فلما وصل المهدي إلى قسطيلة ترك قصد أبي عبد الله الشيعي لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ

فعلم أنه إذا قصد أخاه تحققوا الأمر وقتلوه فتركه وسار إلى سجلماسة

ولما سار من قسطيلة وصل الرسل في طلبه فلم يوجد ووصل إلى سجلماسة وفأقام بها وفي كل ذلك عليه العيون في طريقه

وكان صاحب سجلماسة رجلا يسمى اليسع بن مدرار فأهدى له المهدي وواصله فقربه اليسع وأحبه فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أنه الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي فقبض عليه وحبسه

فلم يزل محبوسا حتى أخرجه أبو عبد الله الشيعي على ما نذكره

ذكر استيلاء أبي عبد الله على أفريقية وهرب زيادة الله أميرها ص 454

قد ذكرنا من حال أبي عبد الله ما تقدم

ثم أن زيادة الله لما رأى استيلاء أبي عبد الله على البلاد وأنه قد فتح مدينة ميلة

ومدينة سطيف وغيرهما

أخذ في جمع العساكر وبذل الأموال

فاجتمعت إليه عساكر عظيمة

فقدم عليهم إبراهيم بن خنيش وهو من أقاربه وكان لا يعرف الحرب فبلغت عدة جيشه أربعين ألفا وسلم إليه الأموال والعدد

ولم يترك بأفريقية شجاعا إلا أخرجه معه

وسار إليه فانضاف إليه مثل جيشه

فلما وسل قسطينة الهواء وهي مدينة قديمة حصينة نزل بها وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله فقتل في طريقه كثيرا من أصحاب أبي عبد الله

وخاف أبو عبد الله منه وجميع كتامة

وأقام بقسطينة ستة أشهر وأبو عبد الله متحصن في الجبل

فلما رأى إبراهيم أبا عبد الله لا يتقدم إليه بادر وزحف بالعساكر المجتمعة إلى بلد اسمه كرمة فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا اختارها ليختبر نزوله فوافاها بالموضع المذكور

فلما رأى إبراهيم الخيل قصد إليها بنفسه ولم يصحبه إليها أحد من جيشه

وكانت أثقال العسكر على ظهور الدواب لم تحط ونشبت الحرب واقتتلوا قتالا شديدا واتصل الخبر بأبي عبد الله فزحف بالعساكر فوقعت الهزيمة على إبراهيم ومن معه فجرح وعقر فرسه وتمت الهزيمة على الجيش جميعه وأسلموا الأثقال بأسرها فغنمها أبو عبد الله وقتل منهم خلقا كثيرا

وتم أمر إبراهيم إلى القيروان فشاشت بلاد أفريقية وعظم أمر أبي عبد الله واستقرت دولته وكتب أبو عبد الله كتابا إلى المهدي وهو في سجن سجلماسة يبشره وسير الكتاب مع بعض ثقاته فدخل السجن في زي قصاب يبيع اللحم فاجتمع به وعرفه ذلك

وسار أبو عبد الله إلى مدينة طبنة فحصرها ونصب عليها الدبابات ونقب برجا وبدنة فسقط السور بعد قتال شديد وملك البلد

فاحتمى المقدمون بحص البلد فحصرهم فطلبوا الأمان فأمنهم وأمن أهل البلد

وسار إلى مدينة بلزمة وكان قد حصرها مرارا كثيرة فلم يظفر بها فلما حصرها الآن ضيق عليها وجد في القتال ونصب عليها الدبابات ورماها بالنار فأحرقها وفتحتها بالسيف وقتل الرجال وهدم الأسوار

واتصلت الأخبار بزيادة الله فعظم عليه وأخذ في الجمع والحشد

فجمع عسكرا عدتهم اثنا عشر ألفا وأمر عليهم هارون بن الطبني

فسار واجتمع معه خلق كثير وقصد مدينة دار ملوك وكان أهلها قد أطاعوا أبا عبد الله فقتل هارون أهلها وهدم الحصن

ولقيه في طريقه خيل لأبي عبد الله كان قد أرسلها ليختبروا عسكره فلما رآها العسكر اضطربوا وصاحوا صيحة عظيمة وهربوا من غير قتال فظن أصحاب أبي عبد الله أنها مكيدة

فلما ظهر أنها هزيمة استدركوا الأمر ووضعوا السيف فما يحصى من قتلوا

وقتل هارون أمير العسكر

وفتح أبو عبد الله مدينة تيجس صلحا فاشتد الأمر حينئذ على زيادة الله وأخرج الأموال وجيش الجيوش وخرج بنفسه إلى محاربة أبي عبد الله فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين

فقال له وجوه دولته إنك تغرر بنفسك فإن يكن عليك لا يبقى لنا ملجأ والرأي أن ترجع إلى مستقر ملكك وترسل الجيوش مع من تثق إليه فإن كان الفتح لنا فنصل إليك وإن كان غير ذلك فتكون ملجأ لنا ورجع ففعل ذلك وسير الجيش وقدم عليه رجلا من بني عمه يقال له إبراهيم بن أبي الأغلب وكان شجاعا وبلغ أبا عبد الله الخبر وكان أهل باغاية قد كاتبوه بالطاعة فسار إليهم فلما قرب منها هرب عاملها إلى الأربس فدخلها أبو عبد الله وترك بها جندا وعاد إلى إنكجان

ووصل الخبر إلى زيادى الله فزاده غما وحزنا فقال له إنسان كان يضحكه يا مولانا لقد عملت شعرا فعسى تجعل من يلحنه وتشرب عليه وأترك هذا الحزن

فقال ما هو فقال المضحك للمغنين غنوا شعر كذا وقولوا بغد فراغ كل بيت

( اشرب واسقينا % من القرب يكفينا )

فلما غنوا طرب زيادة الله وشرب وانهمك في الأكل والشرب والشهوات

فلما رأى ذلك أصحابه ساعدوه على مراده

ثم إن أبا عبد الله أخرج خيلا إلى مدينة مجانة فافتتحها عنوة وقتل عاملها وسير عسكرا آخر إلى مدينة تيفاش فملكها وأمن أهلها

وقصد جماعة من رؤساء القبائل أبا عبد الله يطلبون منه الأمان فأمنهم وسار بنفسه إلى مسكيانة ثم إلى تبسة ثم إلى مدبرة فوجد فيها أهل قصر الأفريقي ومدينة مرمجنة ومدينة مجانة واخلاطا من الناس قد التجؤوا إليها وتحصنوا فيها وهي حصينة فنزل عليها وقاتلها فأصابه علة الحصى وكانت تعتاده فشغل بنفسه وطلب أهلها الأمان فأمنهم بعض أهل العسكر ففتحوا الحصن فدخلها العسكر ووضعوا السيف وانتهبوا

وبلغ ذلك أبا عبد الله فعظم عليه

ورحل فنزل على القصرين من قمودة وطلب أهلها الأمان فأمنهم

وبلغ إبراهيم بن أبي الأغلب أمير الجيش الذي سيره زيادة الله أن أبا عبد الله يريد أن يقصد زيادة الله برقادة ولم يكن مع زيادة الله كبير عسكر فخرج من الأربس ونزل دردمين

وسير أبو عبد الله سرية إلى دردمين فجرى بينهما وبين أصحاب زيادة الله قتال فقتل من أصحاب أبي عبد الله جماعة وانهزم الباقون

واستبطأ أبو عبد الله خبرهم فسار في جميع عساكره فلقي أصحابه منهزمين فلما رأوه قويت قلوبهم ورجعوا وكروا على أصحاب إبراهيم وقتلوا منهم جماعة وحجز الليل بينهم

ثم سار أبو عبد الله إلى قسطيلة فحصرها فقاتله أهلها ثم طلبوا الأمان فأمنهم وأخذ ما كان لزيادة الله فيها من الأموال والعدد ورحل إلى قفصة فطلب أهلها الأمان فأمنهم

ورجع إلى باغاية فترك بها جيشا وعاد إلى جبل إنكجان

فسار إبراهيم بن أبي الأغلب في جيشه إلى باغاية وحصرها

فبلغ الخبر أبا عبد الله فجمع عسكره وسار مجدا إليها ووجه اثني عشر ألف فارس وأمر مقدمهم أن يسير إلى باغاية فإن كان إبراهيم قد رحل عنها فلا يجاوز فج العرعار

فضى الجيش وكان أصحاب أبي عبد الله الذين في باغاية قد قاتلوا عسكر إبراهيم قتالا شديدا فلما رأى صبرهم عجب هو وأصحابه منهم فأرعب ذلك قلوبهم

ثم بلغهم قرب العسكر منهم فعاد إبراهيم بعساكره فوصل عسكر أبي عبد الله فلم يروا أحدا فنهبوا ما وجدوا وعادوا ورجع إبراهيم بن الأربس

ولما دخل فصل الربيع وطاب الزمان جمع أبو عبد الله عساكره فبلغت مائتي ألف فارس وراجل واجتمع نم عساكر زيادة الله بالأربس مع إبراهيم ما لا يحصى وسار أبو عبد الله أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين فالتقوا واقتتلوا أشد قتال وطال زمانه وظهر أصحاب زيادة الله

فلما رأى ذلك أبو عبد الله اختار من أصحابه ستمائة رجل وأمر أصحابه أن يأتوا عسكر زيادة الله من خلفهم فمضوا لما أمرهم في الطريق الذي أمرهم بسلوكه

واتفق أن إبراهيم فعل مثل ذلك فالتقى الطائفتان فاقتتلوا في مضيق هناك

فانهزم أصحاب إبراهيم ووقع الصوت في عسكره بكمين أبي عبد الله وانهزموا وتفرقوا وهرب كل قوم إلى جهة بلادهم

وهرب إبراهيم وبعض من معه إلى القيروان وتبعهم أصحاب أبي عبد الله يقتلون ويأسرون وغنموا الأموال والخيل والعدد ودخل أصحابه مدينة الأربس فقتلوا بها خلقا عظيما

ودخل كثير من أهلها الجامع فقتل فيه أكثر من ثلاثة آلاف ونهبوا البلد وكانت الوقعة أواخر جمادى الآخرة وانصرف أبو عبد الله إلى قمودة فلما وصل خبر الهزيمة إلى زيادة الله هرب إلى الديار المصرية وكان من أمره ما تقدم ذكره

ولما هرب زيادة الله هرب أهل مدينة رقادة على وجوههم في الليل إلى القصر القديم وإلى القيروان

وسوسة ودخل أهل القيروان رقادة ونهبوا فيها وأخذ القوي الضعيف ونهبت قصور بني الأغلب وبقي النهب ستة أيام ووصل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان فقصد قصر الإمارة واجتمع إليه أهل القيروان ونادى مناديه بالأمان وتسكين الناس

وذكر لهم أحوال زيادة الله وما كان عليه حتى أفسد ملكه وصغر أمر أبي عبد الله الشيعي ووعدهم أن يقاتل عنهم ويحيمي حريمهم وبلدهم وطلب منهم المساعدة بالسمع والطاعة والأموال فقالوا إنما نحن فقهاء وعامة وتجار وما في أموالنا ما يبلغ غرضك وليس لنا بالقتال طاقة

فأمرهم بالانصراف

فلما خرجوا من عنده وأعلموا الناس بما قاله صاحوا به أخرج عنا فما لك عندنا سمع ولا طاعة وشتموه فخرج عنهم وهم يرجمونه

ولما بلغ أبا عبد الله هرب زيادة الله كان بناحية سبيبة ورحل فنزل بوادي النمل وقدم بين يديه عروبة بن يوسف

وحسن بن أبي خنزير في ألف فارس إلى رقادة فوجدوا الناس ينهبون ما بقي من الأمتعة والأثاث فأمنوهم ولم يتعرضوا لأحد

وتركوا لكل واحد ما حمله فأتى الناس إلى القيروان فأخبروه الخبر ففرح أهلها

وخرج الفقهاء ووجوه البلد إلى لقاء أبي عبد الله فلقوه وسلموا عيه وهنأوه بالفتح فرد عليهم ردا حسنا

وحدثهم وأعطاهم الأمان فأعجبهم ذلك وسرهم

وذموا زيادة الله وذكروا مساويه فقال لهم ما كان إلا قويا وله منعة ودولة شامخة وما قصر في مدافعته ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع فأمسكوا عن الكلام ورجعوا إلى القيروان

ودخل رقادة يوم السبت مستهل رجب من سنة ست وتسعين ومائتين فنزل ببعض قصورها وفرق دورها على كتامة ولم يكن بقي أحد من أهلها فيها وأمر فنودي بالأمان فرجع الناس إلى أوطانهم وأخرج العمال إلى البلاد وطلب أهل الشر فقتلهم

وأمر أن يجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغير ذلك

فاجتمع كثير منه وفيه كثير من الجواري لهن مقدار وحظ من الجمال فسأل عمن كان يكفلهن فذكر له إمرأة صالحة كانت لزيادة الله

فأحضرها وأحسن إليها وأمرها بحفظهن وأمر لهن بما يصلحهن ولم ينظر إلى واحدة منهن ولما حضرت الجمعة أمر الخطباء بالقيروان والرقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا وأمر بضرب السكة وأن لا ينقش عليها اسم ولكنه جعل مكان الإسم من وجه بلغت حجة الله ومن الوجه الآخر تفرق أعداء الله

ونفش على السلاح عدة في سبيل الله ووسم الخيل عن أفخاذها الملك لله

وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن والقليل من الطعام الغليظ

ذكر مسير أبي عبد الله إلى سحلماسة وظهور المهدي ص 459

لما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد أفريقية أتاه أخوه أبو العباس محمد ففرح به وكان هو الكبير

فسار أبو عبد الله في رمضان من السنة من رقادة واستخلف على أفريقية أخاه أبا العباس

وأبا زكي وسار في جيوش عظيمة فأهتز المغرب لخروجه وخافته زناتة وزالت القبائل عن طريقه وجاءته رسلهم ودخلوا في طاعته فلما قرب من سجلماسة وانتهى خبره إلى اليسع بن مدرار أمير سجلماسة أرسل إلى المهدي وهو حبسه على ما ذكرناه يسأله عن نسبه وحاله وهل إليه قصد أبو عبد الله فحلف له المهدي أنه ما رأى أبا عبد الله ولا عرفه وإنما أنا رجل تاجر

فاعتقله في داره وحده وكذلك فهل بولده أبو القاسم وجعل عليهما الحرس

وقرر ولده أيضا فما حال عن كلام أبيه وقرر رجالا كانوا معه وضربهم فلم يقروا بشيء وسمع أبو عبد الله ذلك فشق عليه فأرسل إلى اليسع يتلطفه وأنه لم يقصد الحرب وإنما له حاجة مهمة عنده ووعده الجميل فرمى الكتاب وقتل الرسل

فعاوده بالملاطفة خوفا على المهدي ولم يذكر له فقتل الرسل أيضا فأسرع أبو عبد الله في السير ونزل عليه فخرج إليه اليسع وقاتله يومه ذلك وافترقوا فلما جنهم الليل هرب اليسع وأصحابه من أهله وبنى عمه وبات أبو عبد الله ومن معه في غم عظيم لا يعلمون ما صنع بالمهدي وولده

فلما أصبح خرج إليه أهل البلاد وأعلموه بهرب اليسع فدخل هو وأصحابه البلد وأتوا المكان الذي فيه المهدي فاستخرجه واستخرج ولده فكانت في الناس مسرة عظيمة كادت تذهب بعقولهم فأركبهما ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما وأبو عبد الله يقول للناس هذا مولاكم وهو يبكي من شدة الفرح حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له فنزل فيه

وأمر بطلب اليسع فطلب فأدرك فأخذ وضرب بالسياط ثم قتل

فلما ظهر المهدي أقام بسجلماسة أربعين يوما وسار إلى أفريقية وأحضر الأموال من إنكجان فجعلها أحمالا وأخذها معه

ووصل إلى رقادة العشر الأخير من ربيع الآخر من سنة سبع وتسعين ومائتين

وزال ملك بني الأغلب وملك بني مدرار الذين منهم اليسع وكان لها ثلاثون ومائة سنة منفردين بسجلماسة

وزال ملك بني رستم من تاهرت ولهم ستون ومائة سنة تفردوا بتاهرت وملك المهدي جميع ذلك

فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه وولده خلفه فسلموا عليه فرد جميلا وأمرهم بالانصراف ونزل بقصر من قصور رقادة

وأمر يوم الجمعة بذكر اسمه في الخطبة في ابلاد وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين

وجلس بعد الجمعة رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة وأحضروا الناس بالعنف والشدة ودعوهم إلى مذهبهم فمن أجاب أحسن إليه ومن أبى حبس فلم يدخل في مذهبهم إلا بعض الناس وهم قليل وقتل كثير ممن لم يوافقهم على قولهم

وعرض عليه أبو عبد الله جواري زيادة الله فاختار منهن كثيرا لنفسه ولولده أيضا وفرق ما بقي على وجوه كتامة

وقسم عليهم أعمال أفريقية ودون الدواوين وجبى الأموال واستقرت قدمه ودانت له أهل البلاد واستعمل العمال عليها جميعها فاستعمل على أرض جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير فوصل إلى مازر عاشر ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومائتين

فولى أخاه على جرجنت وجعل قاضيا بصقلية إسحاق بن المنهال وهو أول قاض تولى بها للمهدي العلوي وبقي ابن أبي خنزير إلى سنة ثمان وتسعين

فسار في عسكره إلى دمشق فغنم وسبى وأحرق وعاد فبقي مدة يسيرة وأساء السيرة في أهلها فثاروا به وأخذوه وحبسوه وكتبوا إلى المهدي بذلك واعتذروا فقبل عذرهم واستعمل عليهم علي بن عمر البلوي فوصل آخر ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين

ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي وأخيه أبي العباس ص 460

في سنة ثمان وتسعين ومائتين قتل أبو عبد الله الشيعي قتله المهدي عبيد الله

وسبب ذلك أن المهدي لما استقامت له البلاد ودانت له العباد وباشر الأمور بنفسه وكف يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس دخل أبا العباس الحسد وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي والأخذ والعطاء

فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه ويتكلم فيه وأخوه ينهاه ولا يرضى فعله فلا يزيده ذلك إلا لجاجا

ثم أنه أظهر أبا عبد الله على ما في نفسه وقال له ملكت أمرا فجئت بمن أزالك عنه وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك ولم يزل حتى أثر في قلب أخيه فقال يوما للمهدي لو كنت تجلس في قصرم وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم لأني عارف بعاداتهم لكان أهيب لك في أعين الناس

وكان المهدي سمع شيئا مما يجري بين أبي عبد الله وأخيه فتحقق ذلك غير أنه رد ردا لطيفا

فصار أبو العباس يشير إلى المقدمين بشيء من ذلك فمن رأى منه قبولا كشف له ما في نفسه وقال ما جازاكم على ما فعلتم

وذكر لهم الأموال التي أخذها المهدي من إنكجان وقال هلا قسمها فيكم وكل ذلك يتصل بالمهدي وهو يتغافل وأبو عبد الله يداري ثم صار أبو العباس يقول إن هذا ليس الذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه لأن المهدي يختم بالحجة ويأتي بالآيات الباهرة

فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس منه إنسان من كتامة يقال له شيخ المشايخ

فواجه المهدي بذلك وقال إن كنت المهدي فأظهر لنا آية فقد شككنا فيك فقتله المهدي

فخافه أبو عبد الله وعلم أن المهدي قد تغير عليه فاتفق هو وأخوه ومن معهما على الاجتماع عند أبي زاكي وعزموا على قتل المهدي واجتمع معهم قبائل كتامة إلا قليلا منهم

وكان معهم رجل يظهر أنه منهم وينقل ما يجري إلى المهدي ودخلوا عليه مرارا فلم يجسروا على قتله

فاتفق أنهم اجتمعوا ليلة عند أبي زاكي فلما أصبحوا لبس أبو عبد الله ثوبه مقلوبا ودخل على المهدي فرأى ثوبه فلم يعرفه به

ثم دخل عليه ثلاثة أيام والقميص بحاله فقال له المهدي ما هذا الأمر الذي أذهلك عن إصلاح ثوبك فهو مقلوب منه ثلاثة أيام فعلمت أنك ما نزعته

فقال ما علمت بذلك إلا ساعتي هذه

قال أين كنت البارحة والليالي قبلها فسكت أبو عبد الله فقال أليس بت في دار أبي زاكي قال بلى قال ومن الذي أخرجك من دارك قال خفت قال وهل يخاف الإنسان إلا من عدوه فعلم أن أمره ظهر للمهدي فخرج وأخبر أصحابه وخافوا وتخلفوا عن الحضور

فذكر ذلك للمهدي وعنده رجل يقال له ابن القديم كان من جملة القوم وعنده أموال كثيرة من أموال زيادة الله فقال يا مولاي إن شئت أتيتك بهم

ومضى فجاء بهم

فعلم المهدي صحة ما قيل عنه فلاطفهم وفرقهم في البلاد

وجعل أبا زاكي واليا على طرابلس وكتب إلى عاملها أن يقتله عند وصوله

فلما وصلها قتله عاملها وأرسل رأسه إلى المهدي فهرب ابن القديم فأخذ فأمر المهدي بقتله فقتل وأمر المهدي عروبة ورجالا معه أن يرصدوا أبا عبد الله وأخاه أبا العباس ويقتلوهما

فلما وصلا إلى قرب القصر حمل عروبة على أبي عبد الله فقال لا تفعل يا بني فقال الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك فقتل هو وأخوه وكان قتلهما في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي فقيل إن المهدي صلى على أبي عبد الله وقال رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك

وثارت فتنة بسبب قتلهما وجرد أصحابهما السيوف فركب المهدي وأمن الناس فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم

وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيه خلق كثير فخرج المهدي وسكن الفتنة وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة

ولما استقامت الدولة للمهدي عهد إلى ولده أبي القاسم نزار بالخلافة

ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا وقالوا هذا هو المهدي ثم زعموا أنه نبي يوحى إليه وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت

وزحفوا إلى مدينة ميلة فبلغ ذلك المهدي فأخرج ابنه أبا القاسم فحصرهم فقاتلوهم فهزمهم واتبعهم حتى أجلاهم إلى البحر وقتل منهم خلقا عظيما وقتل الطفل الذي أقاموه وخالف عليه أهل صقلية مع ابن وهب فأنفذ إليهم أسطولا ففتحها وأتى بابن وهب فقتله

وخالف عليه أهل تاهرت فغزاها ففتحها وقتل أهل الخلاف

وقتل جماعة من بني الأغلب برقادة كانوا قد رجعوا إليها بعد وفاة زيادة الله

ذكر عدة حوادث ص 462

فيها سير القاسم بن سيما وجماعة من القواد في طلب الحسين بن حمدان فساروا حتى بلغوا قرقيسيا والرحبة فلم يظفروا به

فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وهو الأمير بالموصل يأمره بطلب أخيه الحسين فسار هو والقاسم بن سيما فالتقوا عند تكريت فانهزم الحسين فأرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب الأمان فأجيب إلى ذلك ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له قم وقاشان

فسار إليها وصرف عنها العباس بن عمرو

وفيها وصل بارس غلام إسماعيل الساماني وقلد ديار ربيعة

وقد تقدم ذكره

وفيها كانت وقعة بين طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وبين سبكري غلام عمر فأسر طاهرا ووجه وأخاه يعقوب بن محمد بن عمرو إلى المقتدر مع كاتبه عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي فأدخلا بغداد أسيرين فحبسا

وكان سبكري قد تغلب على فارس بغير أمر الخليفة فلما وصل كاتبه قرر أمره على مال يحمله وكان وصوله إلى بغداد سنة سبع وتسعين

وفيها خلع على مؤنس المظفر الخادم وأمر بالمسير إلى غزو الروم فسار في جمع كثيف فغزا من ناحية ملطية ومعه أبو الأغر السلمي فظفر وغنم وأسر منهم جماعة وعاد

وفيها قلد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وآذربيجان وضمنها بمائة ألف وعشرين ألف دينار فسار إليها من الدينور

وفيها سقط ببغداد ثلج كثير من بكرة إلى العصر فصار على الأرض أربع أصابع وكان معه برد شديد وجمد الماء والخل والبيض والأدهان وهلك النخل وكثير من الشجر

وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي

وفيها توفي محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر

وفيها قتل سوسن حاجب المقتدر

وسبب ذلك أنه كان له أثر في أمر ابن المعتز فلما بويع ابن المعتز واستحجب غيره لزم المقتدر فلما استوزر ابن الفرات تفرد بالأمور فعاداه سوسن وسعى في فساد حاله فاعلم ابن الفرات المقتدر بالله بحال سوسن وأنه كان ممن أعان ابن المعتز فقبض عليه وقتله

وفيها توفي محمد بن داود الجراح عم علي بن عيسى الوزير وكان عالما بالكتابة

وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن خافان وأبو عبد الرحمن الدهكاني

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.