ذكر وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني وولاية ابنه أحمد
ص 435
في هذه السنة منتصف صفر توفي إسماعيل بن أحمد أمير خراسان وما وراء النهر ببخارى وكان يلقب بعد موته بالماضي وولى بعده ابنه أبو نصر أحمد وأرسل إليه المكتفي عهده بالولاية وعقد لواء بيده
وكان إسماعيل عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما
حكي عنه أنه كان لولده أحمد مؤدب يؤدبه فمر به الأمير إسماعيل يوما والمؤدب لا يعلم به فسمعه وهو يسب ابنه ويقول له لا بارك الله فيك ولا فيمن ولدك
فدخل إليه وقال له يا هذا نحن لم نذنب ذنبا لتسبنا فهل ترى أن تعفينا من سبك وتخص المذنب بشتمك وذمك فارتاب المؤدب فخرج إسماعيل عنه وأمر له بصلة جزاء لخوفه منه
وقيل جرى بين يديه ذكر الأنساب والأحساب فقال لبعض جلسائه كن عصاميا ولا تكن عظاميا
فلم يفهم مراده فذكر له معنى ذلك وسأل يوما يحيى بن زكريا النيسابوري فقال له ما السبب في أن آل معاذ لما زالت دولتهم بقيت عليهم نعمتهم بخراسان مع سوء سيرتهم وظلمهم وأن آل طاهر لما زالت دولتهم عن خراسان زالت معها نعمتهم مع عدلهم وحسن سيرتهم ونظرهم لرعيتهم
فقال له يحيى السبب في ذلك أن آل معاذ لما تغير أمرهم كان الذي ولي البلاد بعدهم آل طاهر في عدلهم وانصافهم واستعفافهم عن أموال الناس ورغبتهم في اصطناع أهل البيوتات فقدموا آل معاذ وأكرموهم وأن آل طاهر لما زالت نعمتهم كان سلطان بلادهم آل الصفار في ظلمهم وغشمهم ومعاداتهم لأهل البيوتات ومناصبتهم لأهل الشرف والنعم فأتوا عليهم وأزالوا نعمتهم
فقال إسماعيل لله درك يا يحيى فقد شفيت صدري وأمر له بصلة
ولما ولي بعد أخيه كان يكاتب أصحابه وأصدقائه بما كان يكاتبهم أولا فقيل له في ذلك فقال يجب علينا إذا زادنا الله رفعة أن لا ننقص أخواننا بل نزيدهم رفعة وعلاء وجاها ليزيدوا لنا أخلاصا وشكرا
ولما ولى بعده ابنه أبو نصر أحمد واستوثق أمره أراد الخروج إلى الري فأشار عليه إبراهيم بن زيدويه بالخروج إلى سمرقند والقبض على عمه إسحاق بن أحمد لئلا يخرج عليه ويشغله
ففعل ذلك
واستدعى عمه إلى بخارى فحضر فاعتقله بها ثم عبر إلى خراسان
فلما ورد نيسابور هرب بارس الكبير من جرجان إلى بغداد خوفا منه
وكان سبب خوفه أن الأمير إسماعيل كان قد استعمل ابنه أحمد على جرجان لما أخذها من محمد بن زيد
ثم عزله عنها واستعمل عليها بارس الكبير على ما ذكرناه فاجتمع عند بارس أموال جمة من خراج الري وطبرستان وجرجان فبلغت ثمانين وقرأ فحملها إلى إسماعيل
فلما سارت عنه بلغه خبر موت إسماعيل فردها إليه وأخذها فلما سار إليه أحمد خافه وكتب إلى المكتفي يستأذنه في المسير إليه فأذن له في ذلك
فسار إليه في أربعة آلاف فارس فأرسل أحمد خلفه عسكرا فلم يدركوه
واجتاز الري فتحصن بها نائب أحمد بن إسماعيل
فسار إلى بغداد فوصلها وقد مات المكتفي وولي المقتدر بعده فأعجبه المقتدر
وكان وصوله بعد حادثة ابن المعتز فسيره المقتدر في عسكره إلى بني حمدان وولاه ديار ربيعة
فخافه أصحاب الخليفة أن يتقدم عليهم فوضعوا عليه غلاما له فسمه فمات
واستولى غلامه على ماله وتزوج امرأته وكان موته بالموصل
ذكر وفاة المكتفي
ص 436
في هذه السنة في ذي القعدى توفي أمير المؤمنين المكتفي بالله أبو محمد علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بن المتوكل
وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة وقيل اثنتين وثلاثين سنة
وكان ربعة جميلا رقيق البشرة حسن الشعر وافر اللحية وكنيته أبو محمد وأمه أم ولد تركية اسمها جيجك
وطل عليه مرضه عدة شهور ولما مات دفن بدار محمد بن طاهر رحمه الله
ذكر خلافة المقتدر بالله
ص 437
وكان السبب في ولاية المقتدر بالله الخلافة وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد أن المكتفي لما ثقل في مرضه فكر وزيره حينئذ وهو العباس بن الحسن فيمن يصلح للخلافة
وكان عادته أن يسايره إذا ركب إلى دار الخلافة وأخذ من هؤلاء الأربعة الذين يتولون الدواوين وهم أبو عبد الله بن محمد بن الجراح وأبو الحسن محمد بن عبدان وأبو الحسن علي بن محمد بن الفرات
وأبو الحسن علي بن عيسى
فاستشار الوزير يوما محمد بن داود بن الجراح في ذلك فأشار بعبد الله بن المعتز ووصفه بالعقل والأدب والرأي
واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات فقال هذا شيء ما جرت به عادتي أشير فيه وإنما أشاور في العمال لا في الخلفاء
فغضب الوزير وقال هذه مقاطعة باردة وليس يخفى عليه الصحيح وألح عليه فقال إن كان رأي الوزير قد استقر على أحد بعينه فليفعل فعلم أنه عني ابن المعتز لاشتهار خبره فقال الوزير لا أقنع إلا أن تمحضني النصيحة فقال ابن الفرات فليتق الله الوزير ولا ينصب إلا من عرفه واطلع على جميع أحواله ولا ينصب بخيلا فيضيق على الناس ويقطع أرزاقهم ولا طماعا فيشره في أموالهم فيصادرهم ويأخذ أموالهم وأملاكهم ولا قليل الدين فلا يخاف العقوبة والآثام ويرجو الصثواب فيما يفعله ولا يولي من عرف نعمة هذا وبستان هذا وضيعة هذا وفرس هذا ومن قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه ويتخيل ويحسب حساب نعم الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم
فقال الوزير صدقت ونصحت فيمن تشير قال أصلح الموجود جعفر بن المعتضد قال ويحك هو صبي قال ابن الفرات إلا أنه ابن المعتضد ولم نأت برجل كامل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا
ثم إن الوزير استشار علي بن عيسى فلم يسم أحدا وقال لكن ينبغي أن يتقي الله وينظر من يصلح الدين والدنيا
فمالت نفس الوزير إلى ما أشار به ابن الفرات وإنصاف إلى ذلك وصية المكتفي
فإنه أوصى لما اشتد مرضه بتقليد أخيه جعفر الخلافة
فلما مات المكتفي نصب الوزير جعفرا للخلافة وعينه لها وأرسل صافيا الحرمي إليه ليحذره من دور آل طاهر بالجانب الغربي وكان يسكنها
فلما حطه في الحراقة وحدره وصارت الحراقة مقابل دار الوزير صاح غلمان الوزير بالملاح ليدخل إلى دار الوزير فظن صافي الحرمي أن الزير يريد القبض على جعفر وينصب في الخلافة غيره فمنع الملاح من ذلك وسار إلى دار الخلافة
وأخذ له صافي البيعة على الخدم وحاشية الدار ولقب نفسه المقتدر بالله
ولحق الوزير به وجماعة من الكتاب فبايعوه
ثم جهزوا المكتفي ودفنوه بدار محمد بن طاهر
ولما بويع المقتدر كان في بيت المال حين بويع خمسة عشر ألف ألف دينار فأطلق يد الوزير في بيت المال فأخرج منه حق البيعة
وكان مولد المقتدر ثامن رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين
وأمه أم ولد يقال لها شغب
فلما بويع استصغره الوزير وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وكثر كلام الناس فيه فعزم على خلعه وتقليد الخلافة أبا عبد الله محمد بن المعتمد على الله وكان حسن السيرة جميل الوجه والفعل
فراسله في ذلك واستقر الحال وانتظر الوزير قدوم بارس حاجب إسماعيل صاحب خراسان وكان قد أذن له في القدوم كما ذكرناه
وأراد الوزير أن يستعين به على ذلك ويتقوى به على غلمان المعتضد فتأخر بارس وأتفق أنه وقع بين أبي عبد الله بن المعتضد وبين ابن عمرويه صاحب الشرطة منازعة في ضيعة مشتركة بينهما فأغلظ له ابن عمرويه فغضب ابن المعتمد غضبا شديدا وأغمي عليه وفلج في المجلس فحمل إلى بيته في محفة فمات في اليوم الثاني
فأراد الوزير البيعة لأبي الحسين بن المتوكل فمات أيضا بعد خمسة أيام وتم أمر المقتدر
ذكر عدة حوادث
ص 438
في هذه السنة كانت وقعة بين نجح بن جاخ وبين الأجناد بمنى ثاني عشر ذي الحجة
فقتل منهم جماعة لأنهم طلبوا جائزة بيعة المقتدر بالله وهرب الناس إلى بستان ابن عامر
وأصاب الحجاج في عودهم عطش عظيم فمات منهم جماعة
وحكي أن أحدهم كان يبول في كفه ثم يشربه
وفيها خرج عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن أصبهان إلى قرية من قراها مخالفا للخليفة واجتمع إليه نحو من عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم
فأمر بدر الحمامي بالمسير إليه فسار في خمسة آلاف من الجند
وأرسل إليه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب يخوفه عاقبة الخلاف فسار إليه وأدى إليه الرسالة فرجع إلى الطاعة وسار إلى بغداد واستخلف على عمله بأصبهان فرضي عنه المكتفي بالله
وفيها كانت وقعة للحسين بن موسى على أعراب طيء الذين كانوا حصروا وصيفا على غرة منهم فقتل فيهم كثيرا وأسر
وفيها أوقع الحسن بن أحمد بالأكراد الذين تغلبوا على نواحي الموصل فظفر بهم واستباحهم ونهب أموالهم وهرب رئيسهم إلى رؤوس الجبال فلم يدرك
فيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه الخارجي باليمن وأخذ رئيسا من رؤساء أصحابه ويعرف بالحكيمي
وفيها تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة وكان عدة من فودي به من الرجال والنساء ثلاثة آلاف نفس
وحج الناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي
وفيها توفي أبو بكر محمد بن إسماعيل بن مهران الجرجاني الإسماعيلي الفقيه الشافعي المحدث ومحمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعي توفي ببغداد وأبو الحسن أحمد بن محمد النوري شيخ الصوفية
وتوفي الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو علي الخرقي الفقيه الحنبلي يوم الفطر
( الخرقي ) بالخاء المعجمة والقاف
وعبد الله بن أبي دارة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.