ذكر أول إمارة بني حمدان بالموصل وما فعلوه بالأكراد
ص 425
في هذه السنة ولى المكتفي بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوي
فسار إليها فقدمها أول المحرم فأقام بها يومه وخرج من الغد لعرض الرجال الذي قدموا معه والذين بالموصل
فأتاه الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية ومقدمهم محمد بن بلال قد أغاروا على البلد وغنموا كثيرا منه فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي فلحق الأمراد بالمعروبة على الخازر فقاتلوه فقتل رجل من أصحابه اسمه سيما الحمداني فعاد عنهم
وكتب إلى الخليفة يستدعي النجدة فأتته النجدة بعد شهور كثيرة
وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين ففي ربيع الأول منها سار فيمن معه إلى الهذبانية وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت فلما رأوا جده في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السلق وهو مضيق في جبل عال مشرف على شهر زور فامتنعوا
وغار مقدمهم محمد بن بلال وقرب من ابن حمدان وراسله في أن يطيعه ويحضر هو وأولاده ويجعلهم عنده يكونون رهنية ويتركون الفساد
فقبل ابن حمدان ذلك
فرجع محمد ليأتي بمن ذكر فحث أصحابه على المسير نحو آذربيجان وإنما أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن يترك الجد في الطلب ليأخذ أصحابه أهبتهم ويسيرون آمنين
فلما تأخر عود محمد عن ابن حمدان علم مراده فجرد معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان وداود وسعيد وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته وأمر النجدة التي جاءته من الخليفة أن يسيروا معه فتثبطوا فتركهم وسار يقفو أثرهم وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل فقتل منهم جماعة وصعدوا ذروة الجبل وانصرف ابن حمدان عنهم ولحق الأكراد بأذربيجان
وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة والوزير فأنجدوه بجماعة صالحة
وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل السلق وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد فدخله ابن حمدان والجواسيس بين يديه خوفا من كمين يكون فيه وتقدم من بين يدي أصحابه وهو يتبعونه فلم يتخلف منهم أحد وجاوزوا الجبل وقاربوا الأكراد وسقط عيهم الثلج واشتد البرد وقلت الميرة والعلف عندهم وأقام على ذلك عشرة أيام وبلغ الحمل التبن ثلاثين درهما ثم عدم عندهم وهو صابر فلما رأى الأكراد صبرهم وأنهم لا حيلة لهم في دفعهم لجأ محمد بن بلال وأولاده ومن لحق به واستولى ابن حمدان على بيوتهم وسوادهم وأهلهم وأموالهم
وطلبوا الأمان فأمنهم وأبقى عليهم وردهم إلى بلد حرة
ورد عليهم أموالهم وأهليهم ولم يقتل منهم غير رجل واحد وهو الذي قتل صاحبه سيما الحمداني
وأمنت البلاد معه وأحسن السيرة في أهلها ثم أن محمد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان فأمنه وحضر عنده وأقام بالموصل
وتتباع الأكراد الحميدية وأهل جبل داسن إليه بالأمان فأمنت البلاد واستقامت
ذكر الظفر بالخلنجي
ص 426
في هذه السنة في صفر وصل عسكر المكتفي إلى نواحي مصر
وتقدم أحمد ابن كيغلغ في جماعة من القواد فلقيهم الخلنجي بالقرب من العريش فهزمهم أقبح هزيمة
فندب جماعة من القواد إليهم ببغداد وفيهم إبراهيم بن كيغلغ فخرجوا في ربيع الأول وساروا نحو مصر واتصلت الأخبار بقوة الخلنجي فبرز المكتفي إلى باب الشماسية ليسير إلى مصر في رجب فوصل إليه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنه والقواد رجعوا إلى الخلنجي وكانت بينهم حروب كثيرة قتل بينهم فيها خلق كثير
فإن آخر حرب كانت بينهم قتل فيها معظم أصحاب الخلنجي وانهزم الباقون وظفروا بهم وغنموا عسكرهم
وهرب الخلنجي فدخل فسطاط مصر فأستتر بها عند رجل من أهل البلد فدخلنا المدينة فدلونا عليه فأخذناه ومن استتر عنده وهم في الحبس
فكتب المكتفي إلى فاتك في حمل الخلنجي ومن معه إلى بغداد
وعاد المكتفي فدخل بغداد وأمر برد خزائنه وكانت قد بلغت تكريت
فوجه فاتك الخلنجي إلى بغداد فدخلها هو ومن معه في شهر رمضان فأمر المكتفي بحبسهم
ذكر أمر القرامطة
ص 427
فيها أنفذ زكرويه بن مهرويه بعد قتل صاحب الشامة رجلا كان يعلم الصبيان بالزابوقة من الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد ويكنى أبا غانم فسمى نصرا وقيل كان المنفذ ابن زكرويه فدار على أحياء العرب من كلب وغيرهم يدعوهم إلى رأيه فلم يقبله منهم أحد الأرجل من بني زياد يسمى مقدام بن الكيال واستغوى طائفة من الاصبغيين المنتمين إلى الفواطم وغيرهم من العليصيين وصعاليك من سائر بطون كلب
وقصد ناحية الشام والعامل بدمشق والأردن أحمد بن كيغلغ وهو بمصر يحارب الخلنجي فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد وسار إلى بصرى واذرعات والبثنية فحارب أهلها ثم أمنهم فلما استسلموا إليه قتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم
ثم قصد دمشق فخرج إليهم نائب ابن كيغلغ وهو صالح بن الفضل فهزمه القرامطة واثخنوا فيهم ثم أمنوهم وغدروهم بالأمان وقتلوا صالحا وفضوا عسكره
وساروا إلى دمشق فمنعهم أهلها فقصدوا طبرية وانضاف إليه جماعة من جند دمشق افتتنوا به فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي وهو خليفة أحمد بن كيغلغ بالأردن فهزموه وبذلوا له الأمان وغدروا به وقتلوه ونهبوا طبرية وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها وسبوا النساء
فأنفذ الخليفة الحسين بن حمدان وجماعة من القواد في طلبهم فورد دمشق فلما علم بهم القرامطة رجعوا نحو السماوة وتبعهم الحسين في السماوة وهم ينتقلون في المياه ويغورونها حتى لجؤوا إلى ماءين يعرف أحدهما بالدمعانة والآخر بالحبالة وانقطع ابن حمدون عنهم لعدم الماء وعاد إلى الرحبة واسرى القرامطة مع نصر إلى هيت وأهلها غافلون فنهبوا ربضها وامتنع أهل المدينة بسورهم ونهبوا السفن وقتلوا من أهل المدينة مائتي نفس ونهبوا الأموال والمتاع وأوقروا ثلاثة آلاف راحلة من الحنطة
وبلغ الخبر إلى المكتفي فسير محمد بن إسحاق بن كنداج فلم يقيموا لمحمد ورجعوا إلى الماءين
فنهض محمد خلفهم فوجدهم قد غوروا المياه فأنفذ إليه من بغداد الازواد والدواب
وكتب إلى ابن حمدان بالمسير إليهم من جهة الرحبة ليجتمع هو ومحمد على الإيقاع بهم ففعل ذلك
فلما أحس الكلبيون بإقبال الجيش إليهم وثبوا بنصر فقتلوه
قتله رجل منهم يقال له الذئب بن القائم وسار برأسه إلى المكتفي متقربا بذلك مستأمنا فأجيب إلى ذلك وأجيز بجائزة سنية وأمر بالكف عن قومه واقتتلت القرامطة بعد نصر حتى صارت بينهم الدماء وسارت فرقة كرهت أمورهم إلى بني أسد بنواحي عين التمر واعتذروا إلى الخليفة فقبل عذرهم
وبقي على الماءين بقيتهم ممن له بصيرة في دينه فكتب الخليفة إلى ابن حمدان يأمره بمعاودتهم واجتثاث أصلهم
فأرسل إليهم زكرويه بن مهرويه داعية له يسمى القاسم بن أحمد ويعرف بأبي محمد وأعلمهم إن فعل الذئب قد نفره منهم وأنهم قد ارتدوا عن الدين وأن وقت ظهورهم قد حضر وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في شأن موسى صلى الله عليه وسلم وعدوه فرعون إذ يقول قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ويأمرهم أن يخفوا أمرهم وأن يسيروا حتى يصبحوا الكوفة يوم النحر سنة ثلاث وتسعين ومائتين فأنهم لا يمنعون منها وأنه يظهر لهم وينجز لهم وعده الذي يعدهم إياه وأن يحملوا إليه القاسم بن أحمد
فامتثلوا رأيه ووافوا باب الكوفة وقد انصرف الناس عن مصلاهم وعاملهم إسحاق بن عمران ووصلوا في ثمانمائة فارس عليهم الدروع والجواشن والآلات الحسنة وقد ضربوا على القاسم بن أحمد قبة وقالوا هذا أثر رسول الله ودعوا يالثارات الحسين يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب ببغداد وشعارهم يا أحمد يا محمد يعنون ابني زكرويه المقتولين فأظهروا الأعلام البيض وأرادوا استمالة رعاع الناس بالكوفة بذلك فلم يمل إليهم أحد
فأوقع القرامطة بمن لحقوه من أهل الكوفة وقتلوا نحوا من عشرين نفسا
وبادر الناس الكوفة وأخذوا السلاح ونهض بهم إسحاق
ودخل مدينة الكوفة من القرامطة مائة فارس فقتل منهم عشرين نفسا وأخرجوا عنها
وظهر إسحاق وحاربهم إلى العصر ثم انصرفوا نحو القادسية وكان فيمن يقاتلهم مع إسحاق جماعة من الطالبية
وكتب إسحاق إلى الخليفة يستمده فأمده بجماعة من قواده منهم وصيف بن صوارتكين التركي والفضل بن موسى بن بغا وبشر الخادم الأفشيني ورائق الخزري مولى أمير المؤمنين
وغيرهم من الغلمان الحجرية
فساروا منتصف ذي الحجة حتى قاربوا القادسية فنزلوا بالصوان فلقيهم زكرويه
وأما القرامطة فإنهم أنفذوا واستخرجوا زكرويه من جب في الأرض كان منقطعا فيه سنين كثيرة بقرية الدرية وكان على الجب باب حديد محكم العمل
وكان زكرويه إذا خاف الطلب جعل تنورا هنالك على باب الجب وقامت امرأة تسجره فلا يفطن إليه
وكان ربما أخفي في بيت خلف باب الدار التي كان بها ساكنا فإذا انفتح باب الدار انطبق على باب البيت فيدخل الداخل الدار فلا يرى شيئا
فلما استخرجوه حملوه على أيديهم وسموه ولي الله
ولما رأوه سجدوا له وحضر معه جماعة من دعاته وخاصته
وأعلمهم أن القاسم بن أحمد من أعظم الناس عليهم ذمة ومنة وأنه ردهم إلى الدين بعد خروجهم عنه
وإنهم إن امتثلوا أوامره أنجز موعدهم وبلغوا آمالهم
ورمز لهم رموزا ذكر فيها آيات من القرآن نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه فاعترف له من رسخ حب الكفر في قلبه أنه رئيسهم وكهفهم وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل
وسار بهم وهو محجوب منهم يدعونه السيد ولا يبرزونه والقاسم يتولى الأمور
وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة خارجون إليه فأقام بسقي الفرات عدة أيام فلم يصل إليه منهم إلا خمسمائة رجل ثم وافته الجنود المذكورة من عند الخليفة فلقيهم زكرويه بالصوان وقاتلهم واشتدت الحرب بينهم وكانت الهزيمة أول النهار على القرامطة وكان زكرويه قد كمن لهم كمينا من خلفهم فلم يشعر أصحاب الخليفة إلا والسيف فيهم من ورائهم فانهزموا أقبح هزيمة
ووضع القرامطة السيف فيهم فقتلوهم كيف شاؤوا وغنموا سوادهم
ولم يسلم من أصحاب الخليفة إلا من دابته قوية أو من أثخن بالجراح فوضع نفسه بين القتلى فتحاملوا بعد ذلك
وأخذ للخليفة في هذا العسكر أكثر من ثلاثمائة جمازة عليها المال والسلاح وخمسمائة بغل
وقتل من أصحاب الخليفة سوى الغلمان ألف وخمسمائة رجل وقوي القرامطة بما غنموا
ولما ورد خبر هذه الوقعة إلى بغداد أعظمها الخليفة والناس
وندب إلى القرامطة محمد بن إسحاق بن كنداج وضم إليه من الأعراب بني شيبان وغيرهم وأكثر من ألفي رجل وأعطاهم الأرزاق
ورحل زكرويه من مكانه إلى نهر المثنية لنتن القتلى
ذكر عدة حوادث
ص 430
وفيها في ربيع الآخر قدم إلى بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث مستأمنا يعرف بأبي قابوس
وسبب ذلك أن طاهرا تشاغل باللهو والصيد
ومضى إلى سجستان للصيد والتنزه فغلب على الأمر بفارس الليث بن علي بن الليث وسبكري مولى عمرو بن الليث فوقع بينهما وبين هذا القائد تباعد ففارقهم ووصل إلى بغداد فخلع عليه الخليفة وأحسن إليه
فكتب طاهر بن محمد يسأل رد أبي قابوس ويذكر أنه جبى المال وأخذه ويقول له إما أن ترد إليه أو تحتسب له بما ذهب معه من المال
من جملة القرار الذي عليه فلم يجبه الخليفة إلى ذلك
وفيها صارت الداعية التي للقرمطة باليمن إلى مدينة صنعاء فحاربه أهلها فظفر بهم وقتلهم فلم يفلت إلا اليسير وتغلب على سائر مدن اليمن ثم اجتمع أهل صنعاء وغيرها فحاربوا الداعية فهزموه فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن
وبلغ الخبر الخليفة فخلع على المظفر بن حاج في شوال وسيره إلى عمله باليمن وأقام بها إلى أن مات
وفيها أغارت الروم على قورس من أعمال حلب فقاتلهم أهلها قتالا شديدا ثم انهزموا وقتلوا أكثرهم وقتلوا رؤساء بني تميم
ودخل الروم قورس فأحرقوا جامعها وساقوا من بقي من أهلها
وفيها افتتح إسماعيل بن أحمد الساماني ملك ما وراء النهر مواضع من بلاد الترك ومن بلاد الديلم
وحج بالناس محمد بن عبد الملك الهاشمي
وفيها توفي نصر بن أحمد الحافظ في رمضان وأبو العباس عبد الله بن محمد الشاشي الشاعر الكاتب الأنباري