الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
71

ثم دخلت سنة تسعين ومائتين

الجزء السادس 3 عنصر صفحة 415
ذكر أخبار القرامطة ص 415

في هذه السنة في ربيع الآخر سير طغج بن جف جيشا من دمشق إلى القرمطي عليهم غلام له اسمه بشير فهزمهم القرمطي وقتل بشيرا

وفيها حصر القرمطي دمشق وضيق على أهلها وقتل أصحاب طغج ولم يبق منهم إلا القليل وأشرف أهلها على الهلكة

فاجتمع جماعة من أهل بغداد وأنهوا ذلك إلى الخليفة فوعدهم النجدة وأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من القواد فقاتلوا الشيخ مقدم القرامطة فقتل على باب دمشق رماه بعض المغاربة بمزراق وزرقه نفاط بالنار فاحترق وقتل منهم خلق كثير

وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا أشار بيده إلى جهة من التي فيها محاربوه انهزموا

ولما قتل يحيى المعروف بالشيخ وقتل أصحابه اجتمع من بقي منهم على أخيه الحسين وسمى نفسه أحمد وكناه أبا العباس ودعا الناس فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم فاشتدت شوكته وأظهر شامة في وجهه وزعم أنه آيته

فسار إلى دمشق فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه وانصرف عنهم

ثم سار إلى أطراف حمص فغلب عليها وخطب له على منابرها وتسمى المهدي أمير المؤمنين

وأتاه ابن عمه عيسى بن المهدي المسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل فلقبه المدثر وعهد إليه وزعم أنه المدثر الذي في القرآن ولقب غلاما من أهله المطوق وقلده قتل أسرى المسلمين

ولما أطاعه أهل حمص وفتحوا له بابها خوفا منه على أنفسهم سار إلى حماة ومعرة النعمان وغيرهما فقتل أهلها وقتل النساء والصبيان

ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها ولم يبق منها إلا اليسير

ثم سار إلى سلمية فمنعه أهلها ثم صالحهم وأعطاهم الأمان ففتحوا له بابها فبدأ بمن فيها من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم أجمعين ثم قتل البهائم والصبيان بالمكاتب

ثم خرج منها وليس بها عين تطرف فيما قيل وسار فيما حولها من القرى يسبي ويقتل ويخيف السبيل

فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسين قال جاءتني امرأة بعد ما ادخل القرمطي صاحب الشامة بغداد وقالت أريد أن تعالج جرحا في كتفي فقلت ههنا امرأة تعالج النساء فانتظرتها فقعدت وهي باكية مكروبة فسألتها عن قصتها قال كان لي ولد طالت غيبته عني فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره فخرجت من الرقة في طلبه فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه فرأيته فشكوت إليه حالي وحاله أخواته فقال دعيني من هذا أخبريني ما دينك

فقلت أما تعرف ما ديني فقال ما كنا في باطل والدين ما نحن فيه اليوم فعجبت من ذلك وخرج وتركني ووجه بخبز فلم أمسه حتى عاد فأصحله

وأتاه رجل من أصحابه فسألني هل أحسن من أمر النساء شيئا فقلت نعم فأدخلني دار فإذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكلمها ولا تكلمني حتى ولدت غلاما فأصحلت من شأنه وتلطفت بها حتى كلمتني فسألتها عن حالها فقالت أنا امرأة هاشمية أخذها هؤلاء الأقوام فذبحوا أبي وأهلي جميعا وأخذني صاحبهم فأقمت عنده خمسة أيام ثم أمر بقتلي فلطبني منه أربعة أنفس من قواده فوهبني لهم وكنت معهم فوالله ما أدري ممن هذا الولد منهم قالت فجاء رجل فقالت لي هنيه فهنيته فأعطاني سبيكة فضة وجاء آخر

وآخر أهنئ كل واحد منهم ويعطيني سبيكة فضة ثم جاء الرابع ومعه جماعة فهنيته فأعطاني ألف درهم وبتنا فلما أصبحنا قالت المرأة قد وجب حقي عليك فالله الله خلصيني قالت ممن أخلصك فأخبرتها خبر ابني فقالت عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم فأقمت يومي

فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له وقبلت يده ورجله ووعدته أنني أعود بعد أوصل ما معي إلى نياقي فدعا قوما من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكان ذكره وقال اتركوها فيه وارجعوا فساروا بي عشرة فراسخ فلحقنا ابني فضربني بالسيف فجرحني ومنعه القوم وساروا بي إلى المكان الذي سماه لهم صاحبهم وتركوني وجئت إلى ههنا قالت ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأسارى رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس وهو يبكي فقلت لأخفف الله عنك ولأخلصك

ثم أن كتب أهل الشام ومصر وصلت إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من القتل والسبي وتخريب البلاد

فأمر الجند بالتأهب وخرج من بغداد في رمضان وسار إلى الشام وجعل طريقه على الموصل

وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف رجل فنزل قريبا من حلب فكبسهم القرمطي صاحب الشامة فقتل منهم خلقا كثيرا وسلم أبو الأغر فدخل حلب في ألف رجل وكانت هذه الوقعة في رمضان

وسار القرمطي إلى باب حلب فحاربه أبو الأغر بمن بقي معه وأهل البلد فرجع عنهم

وسار المكتفي حتى نزل الرقة وسير الجيوش إليه وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب

وفيها في شوال تحارب القرمطي صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون فانهزم القرمطي وقتل من أصحابه خلق كثير ومضى من سلم منهم نحو البادية

فوجه المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان وغيره من القواد

وفيها كبس ابن بانو أمير البحرين حصنا للقرامطة فظفر بمن فيه وواقع قرابة أبي سعيد الجنابي فهزمه ابن بانو

وكان مقام هذا القرمطي بالقطيف وهو ولي عهد أبي سعيد ثم أنه وجد بعدما انهزم أصحابه قتيلا فأخذ رأسه وسار ابن بانو إلى القطيف فافتتحها

ذكر أسر محمد بن هارون ص 418

وفيها أخذ محمد بن هارون أسيرا

وكان سبب ذلك أن المكتفي أنفذ عهدا إلى إسماعيل بن أحمد الساماني بولاية الري فسار إليها وبها محمد بن هارون فسار عنها محمد إلى قزوين وزنجان ثم عاد إلى طبرستان فاستعمل إسماعيل بن أحمد على جرجان بارس الكبير وألزمه بإحضار محمد بن هارون قسرا أو صلحا

وكاتبه بارس وضمن هارون له إصلاح حاله مع الأمير إسماعيل فقبل محمد قوله وانصرف عن جستان الديلمي وقصد بخارى

فلما بلغ مرو قيد بها وذلك في شعبان سنة تسعين ومائتين

ثم حمل إلى بخارى فأدخلها على جمل وحبس بها فمات بعد شهرين محبوسا وكان ابتداء أمره أنه كان خياطا أم أنه جمع جمعا من الرعاء وأهل الفساد فقطع الطريق بمفازة سرخس مدة

ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة وبقي معه إلى أن انهزم عمرو الصفار

فاستأمن إلى إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر بعد قتل رافع فسيره إسماعيل إلى قتال محمد بن زيد على ما تقدم ذكره وقد ذكره الخوافي في شعره فقال

( كان ابن هارون خياطا له إبن % وراية سامها عشر بقيراط )

( فانسل في الأرض يبغي الملك في عصب % زط ونوب واكراد وأنباط )

( أنى ينال الثريا كف ملتزق % بالترب عن ذروة العلياء هباط )

( صبرا أميرك إسماعيل منتقم % منه ومن كل غدار وخياط )

( رأيت عيرا سما جهلا على أسد % يا عين ويحك ما أشقاك من شاطئ (

ذكر عدة حوادث ص 419

وفيها في ربيع الآخر خلع على أبي العشائر أحمد بن نصر وولي طرسوس وعزل عنها مظفر بن حاج لشكوى أهل الثغور منه

وفيها قوطع طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث على مال يحمله عن بلاد فارس وعقد له المكتفي عليها

وفيها في جمادى الأولى هرب القائد أبو سعيد الخوارزمي الذي استأمن إلى الخليفة وأخذ نحو طريق الموصل

فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون بتكريت وهو يتولى تلك النواحي فعارضه عبد الله واجتمع به فخدعه أبو سعيد وقتله وسار نحو شهرزور واجتمع هو وابن الربيع الكردي وصاهره واجتمعا على عصيان الخليفة

وفيها أراد المكتفي البناء بسامراء وخرج إليها ومعه الصناع فقدروا له ما يحتاج إليه من المال وكان مالا جليلا وطولوا له مدة الفراغ فعظم الوزير ذلك عليه وصرفه إلى بغداد وحج بالناس هذه السنة الفضل ابن عبد الملك بن عبد الواحد بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس

وفيها توفي محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الفقيه الشافعي الجرجاني وكان قد تفقه على المزني صاحب الشافعي وتوفي عبد الله بن أحمد بن حنبل في جمادى الآخرة وكان مولده سنة ثلاث عشرة ومائتين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.