ذكر أخبار القرامطة بالشام
ص 408
في هذه السنة ظهر بالشام رجل من القرامطة وجمع جموعا من الأعراب وأتى دمشق وأميرها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون وكانت بينهما وقعات
وكان ابتداء حال هذا القرمطي أن ذكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا أنه داعية قرمط لما رأى أن الجيوش من المعتضد متتابعة إلى من بسواد الكوفة من القرامطة وأن القتل قد أبادهم سعى في استغواء من قرب من الكوفة من الأعراب أسد وطيء وغيرهم فلم يجبه منهم أحد
فأرسل أولاده إلى كلب بن وبرة فاستغووهم فلم يجبهم منهم إلا الفخذ المعروف ببني القليص بن ضمضم بن عدي بن خباب ومواليهم خاصة فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومائتين بناحية السماوة ( ابن ) ذكرويه المسمى بيحيى المكنى أبا القاسم فلقبوه الشيخ وزعم أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وقيل لم يكن لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله
وزعم أن له بالبلاد مائة ألف تابع وأن ناقته التي يركبها مأمورة فإذا تتبعوها في مسيرها نصروا وأظهر عضدا له ناقصة وذكر أنه ابنه وأتاه جماعة من بني الأصبع وسموا الفاطميين ودانوا بدينه
فقصدهم شبل غلام المعتضد من ناحية الرصافة فاغتروه فقتلوه وأحرقوا مسجد الرصافة واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى بلغوا ولاية هارون بن خمارويه التي قوطع عليها طغج بن جف فأكثروا القتل بها والإغارة فقاتلهم طغج فهزموه غير مرة
ذكر أخبار القرامطة بالعراق
ص 409
وفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة فوجه المعتضد إليهم شبلا غلام أحمد بن محمد الطائي وظفر بهم وأخذ رئيسا لهم يعرف بأبي الفوارس فسيره إلى المعتضد فأحضره بين يديه وقال له أخبرني هل تزعمون أن روح الله وأرواح الأنبياء تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل فقال له يا هذا أن حلت روح الله فينا فما يضرك وإن حلت روح إبليس فما ينفعك فلا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك فقال ما تقول فيما يخصني قال أقول إن رسول الله مات وأبوكم العباس حي فهل طلب بالخلافة أم هل بايعه أحد من أصحابه على ذلك ثم مات أبو بكر فاستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوص إليه ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس ولم يوص إليه ولا أدخله فيهم
فبماذا تستحقون أنتم الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه ثم قتل
ذكر وفاة المعتضد
ص 409
في هذه السنة في ربيع الآخر توفي المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق بن المتوكل ليلة الاثنين لثمان بقين منه
وكان مولده في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين ومائتين
ولما اشتد مرضه اجتمع القواد منهم يونس الخادم وموشكير وغيرهما
وقالوا للوزير القاسم بن عبيد الله ليجدد البيعة للمكتفي
وقالوا إنا لا نأمن فتنة فقال إن هذا المال لأمير المؤمنين ولولده من بعده وأخاف أن أطلق المال فيبرأ من علته فينكر علي ذلك
فقال أنا بريء من مرضه فنحن المحتجون والمناظرون وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنا ونحن نطلب الأمر له فأطلق المال وجدد عليه البيعة وأحضر عبد الواحد بن الموفق وأخذ عليه البيعة فوكل به وأحضر ابن المعتز ومضى ابن المؤيد وعبد العزيز بن المعتمد ووكل بهم فلما توفي أحضر يوسف بن يعقوب وأبا حازم وأبا عمر بن يوسف بن يعقوب فتولى غسله محمد بن يوسف وصلى عليه الوزير ودفن ليلا في دار محمد بن طاهر وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء وجدد البيعة للمكتفي
وكانت أم المعتضد واسمها ضرار قد توفيت قبل خلافته
وكانت خلافته سبع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما
وخلف من الولد الذكور عليا وهو المكتفي وجعفرا وهو المقتدر وهارون ومن البنات إحدى عشر بنتا وقيل سبع عشرة ولما حضرته الوفاة أنشد
( تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى % وحذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا )
( ولا تأمنن الدهر إني أمنته % فلم يبق لي خلا ولا يرع لي حقا )
( قتلت صناديد الرجال ولم أدع % عدوا ولم أمهل على طغيه خلقا )
( وأخليت دار الملك من كل نازع % فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا )
( فلما بلغت النجم عز ورفعة % وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا )
( رماني الردى سهما فأخمد جمرتي % فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى )
( ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد % لذي الملك والأحياء في حسنها رفقا )
( فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى % إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى )
ذكر صفته وسيرته
ص 410
كان المعتضد أسمر نحيف الجسم معتدل الخلق قد وخطه الشيب وكان شهما شجاعا مقداما وكان ذا عزم وكان فيه شح
بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي الساج وعليه قباء أصفر فسار من ساعته وظفر بوصيف وعاد
فدخل أنطاكية وعليه القباء فقال بعض أهلها الخليفة بغير سواد فقال بعض أصحابه أنه سار فيه ولم ينزعه عنه إلى الآن وكان عفيفا
حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه فأطلت النظر إليهم فلما قمت أمرني بالقعود فجلست فلما تفرق الناس قال يا قاضي والله ما حللت سراويلي على غير حلال قط
وكان مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه
ذكر خلافة المكتفي بالله
ص 411
ولما توفي المعتضد كتب الوزير إلى أبي محمد علي بن المعتضد وهو المكتفي بالله يعرفه بذلك ويأخذ البيعة له وكان بالرقة
فلما وصله الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد ووضع لهم العطاء وسار إلى بغداد
ووجه إلى النواحى من ديار ربيعة
ومضر ونواحي العرب من يحفظها ودخل بغداد لثمان خلون من جمادى الأول فلما سار إلى منزله أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم
ذكر قتل عمرو بن الليث الصفار
ص 411
وفي هذا اليوم الذي دخل فيه المكتفي بغداد قتل عمرو بن الليث بن الصفار ودفن من الغد
وكان المعتضد بعدما امتنع من الكلام أمر صافيا الخرمي بقتل عمرو بن الليث بالإيماء والإشارة ووضع يده على رقبته وعلى عينه بأن اذبح أعور
وكان عمرو أعور فلم يفعل صافي لعلمه بقرب وفاة المعتضد وكره قتل عمرو
فلما وصل المكتفي بغداد سأل الوزير عنه فقال هو حي فسر بذلك وأراد الإحسان إليه لأنه كان يكثر من الهدية إليه لما كان بالري فكره الوزيرذلك فبعث إليه من قتله
ذكر استيلاء محمد بن هارون على الري
ص 411
وفي هذه السنة كاتب أهل الري محمد بن هارون الذي كان حارب محمد بن زيد العلوي وتولى طبرستان لإسماعيل بن أحمد
وكان محمد بن هارون قد خلع طاعة إسماعيل فسأله أهل الري المسير إليهم ليسلموها إليه
وكان سبب ذلك أن الوالي عليهم كان قد أساء السيرة فيهم
فسار محمد بن هارون إليهم فحاربه واليها وهو الدتمش التركي فقتله محمد وقتل ابنين له وأخا كيغلغ وهو من قواد الخليفة ودخل محمد بن هارون الري واستولى عليها في رجب
ذكر قتل بدر
ص 412
وفيها قتل بدر غلام المعتضد
وكان سبب ذلك أن القاسم الوزير كان قد هم بنقل الخلافة عن ولد المعتضد بعده فقال لبدر في ذلك في حياة المعتضد بعد أن استحلفه واستكتمه فقال بدر ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي فلم يمكنه مخالفة بدر إذ كان صاحب الجيش والمستولي على أمره والمطاع في خدمه وغلمانه وحقدها على بدر
فلما مات المعتضد كان بدر بفارس فعقد القاسم البيعة للمكتفي وهو بالرقة وكان المكتفي أيضا مباعدا لبدر في حياة أبيه
وعمل القاسم في هلاك بدر خوفا على نفسه أن يذكر ما كان منه للمكتفي
فوجه المكتفي محمد بن كشتمر برسائل إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمسير إليه ومفارقة بدر ففارقه جماعة منهم العباس بن عمرو الغنوي ومحمد بن إسحاق بن كنداج وخاقان المفلحي وغيرهم فأحسن إليهم المكتفي
وسار بدر إلى واسط فوكل المكتفي بداره وقبض على أصحابه وقواده وحبسهم وأمر بمحو اسم بدر من التراس والأعلام
وسير الحسين بن علي كوره في جيش إلى واسط وأرسل إلى بدر يعرض عليه أي النواحي شاء فأبى ذلك وقال لا بد لي من المسير إلى باب مولاي
فوجد القاسم مساغا للقول وخوف المكتفي غائلته
وبلغ بدرا ما فعل بأهله وأصحابه وأرسل من يأتيه بولده هلال سرا فعلم الوزير بذلك فاحتاط عليه ودعا أبا حازم قاضي الشرقية وأمره بالمسير إلى بدر وتطييب نفسه عن المكتفي وإعطائه الأمان عنه لنفسه وولده وماله
فقال أبو حازم أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين
فصرفه ودعا أبا عمر القاضي وأمره بمثل ذلك فأجابه وسار ومعه كتاب الأمان
فسار بدر عن واسط نحو بغداد فأرسل إليه الوزير من قتله
فلما أيقن بالقتال سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين فصلاهما ثم ضربت عنقه يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان
ثم أخذ رأسه وتركت جثته هنالك
فوجه عياله من أخذها سرا وجعلوها في تابوت
فلما كان وقت الحج حملوها إلى مكة فدفنوها بها وكان أوصى بذلك واعتق قبل أن يقتل كل مملوك كان له
ورجع أبو عمر القاضي إلى داره كئيبا حزينا بما كان نمه في ذلك وقال الناس فيه أشعارا وتكلموا فيه فيما قيل فيه
( قل لقاضي مدينة المنصور % بم أحللت أخذ رأس الأمير )
( عند إعطائه المواثيق والعه % د وعقد الايمان في منشور )
( أين أيمانك التي شهد الل % ه على أنها يمين فجور )
( إن كفيك لا تفارق كفي % ه إلى أن ترى عليل السرير )
( يا قليل الحياء يا أكذب الأم % ة يا شاهدا شهادة زور )
( ليس هذا فعل القضاة ولا يح % سن أمثاله ولاة الجسور )
( أي أمر ركبت في الجمعة الزه % راء منه في خير هذي الشهور )
( قد مضى من قتلت في رمضان % صائما بعد سجدة التعفير )
( يا بني يوسف بن يعقوب أضحى % أهل بغداد منكم في غرور )
( بدد الله شملكم وأراني % ذلكم في حياة هذا الوزير )
( فأعدوا الجواب للحكم العد % ل ومن بعد منكر ونكير )
( أنتم كلكم فدا لأبي حا % زم المستقيم كل الأمور )
ذكر ولاية أبي العباس عبد الله بن إبراهيم افريقية
ص 413
قد ذكرنا سنة إحدى وستين ومائتين أن إبراهيم بن أحمد أمير أفريقية عهد إلى ولده أبي العباس عبد الله سنة تسع وثمانين ومائتين وتوفي فيها
فلما توفي والده قام بالملك بعده وكان أديبا لبيبا شجاعا أحد الفرسان المذكورين مع علمه بالحرب وتصرفها
وكان عاقلا عالما له نظر حسن في الجدل
وفي أيامه عظم أمر أبي عبد الله الشيعي فأرسل أخاه الأحول ولم يكن أحول وإنما لقب بذلك لأنه كان إذا نظر دائما ربما كسر جفنه فلقب بالأحول إلى قتال أبي عبد الله الشيعي
فلما بلغه حركته خرج إليهم في جموع كثيرة وألتقوا عند كموشة فقتل بينهم خلق عظيم وانهزم الأحول إلا أنه أقام في مقابلة أبي عبد الله
وكان أبو العباس أيام أبيه على خوف شديد منه لسوء أخلاقه واستعمله أبوه على صقلية ففتح فيها مواضع متعددة وقد تقدم ذكر ذلك أيام والده
ولما ولي أبو العباس أفريقية كتب إلى العمال كتابا يقرأ على العامة يعدهم فيه الإحسان والعدل والرفق والجهاد ففعل ما وعد من نفسه وأحضر جماعة من العلماء ليعينوه على أمر الرعية
وله شعر فمن ذلك قوله بصقلية وقد شرب دواء
( شربت الدواء على غربة % بعيدا من الأهل والمنزل )
( وكنت إذا ما شربت الدوا % أطيب بالمسك والمندل )
( وقد صار شربي بحار الدما % ونقع العجاجة والقسطل )
واتصل بأبي العباس عن ولده أبي مضر زيادة الله والي صقلية له اعتكافه على اللهو وادمانه شرب الخمر فعزله وولى محمد بن السرقوسي وحبس ولده
فلما كان ليلة الأربعاء آخر شعبان من سنة تسعين ومائتين قتل أبو العباس قتله ثلاثة نفر من خدمه الصقالبة بوضع من ولده وحملوا رأسه إلى ولده أبي مضر وهو في الحبس فقتل الخدم وصلبهم وكان هو الذي وضعهم
فكانت إمارته سنة واثنتين وخمسين يوما
وكان سكناه وقتله رحمه الله بمدينة تونس
وكان كثير العدل أحضر جماعة كثيرة عنده ليعينوه على العدل ويعرفوه من أحوال الناس ما يفعل فيه على سبيل الانصاف
وأمر الحاكم في بلده أن يقضي عليه وعلى جميع أهله وخواص أصحابه ففعل ذلك
ولما قتل ولي ابنه أبو مضر
وكان من أمره ما نذكره سنة ست وتسعين ومائتين
ذكر عدة حوادث
ص 414
في هذه السنة منتصف رمضان قتل عبد الواحد بن الموفق وكانت والدته إذا سألت عنه قيل لها إنه في دار المكتفي
فلما مات المكتفي أيست منه فأقامت عليه مأتما
وفيها كانت وقعة بين أصحاب إسماعيل بن أحمد وبين جستان الديلمي بطبرستان فانهزم ابن جستان وفيها لحق إسحاق الفرغاني وهو من أصحاب بدر بالبادية وأظهر الخلاف على الخليفة المكتفي فحاربه أبو الأغر فهزمه إسحاق وقتل من أصحابه جماعة وفيها سير خاقان المفلحي إلى الري في جيش كثيف ليتولاها
وفيها صلى الناس العصر بحمص وبغداد في الصيف ثم هب هواء من ناحية الشمال فبرد الوقت واشتد البرد حتى احتاج الناس إلى النار ولبس الجباب وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء
وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد وبين محمد بن هارون بالري فانهزم محمد ولحق بالديلم مستجيرا بهم ودخل إسماعيل الري
وفيها زادت دجلة قدر خمسة عشر ذراعا
وفيها خلع المكتفي على هارون بن بدر وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى
وفيها هبت ريح عاصف بالبصرة فقلعت كثيرا من نخلها وخسف بموضع منها هلك فيه ستة آلاف نفس وزلزلت بغداد في رجب عدة مرات فتضرع أهلها في الجامع فكشف عنهم
( وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله العباسي )
وفيها مات أبو حمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفي وهو من أقران سري السقطي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.