الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السادس / ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين
65

ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين

الجزء السادس 1 عنصر صفحة 389
ص 389

في هذه السنة كانت فتنة بطرسوس بين راغب مولى الموفق وبين دميانة

وكان سبب ذلك أن راغبا مولى الموفق ترك الدعاء لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ودعا لبدر مولى المعتضد واختلف هو وأحمد بن طوغان

فلما انصرف أحمد بن طوغان من الفداء الذي كان سنة ثلاث وثمانين ركب البحر ومضى ولم يدخل طرسوس وخلف دميانة بها للقيام بأمرها

وأمده ابن طوغان فقوي بذلك وأنكر ما كان يفعله راغب فوقعت الفتنة فظفر بهم راغب فحمل دميانة إلى بغداد

وفيها أوقع عيسى بن النوشري بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف بنواحي أصبهان فقتل رجاله واستباح عسكره

ونجا بكر في نفر يسير من أصحابه فمضى إلى محمد بن زيد العلوي بطبرستان وأقام عنده إلى سنة خمس وثمانين ومات

ولما وصل خبر موته إلى المعتضد أعطى القاصد به ألف دينار

وفيها في ربيع الأول قلد أبو عمر يوسف بن يعقوب القضاء بمدينة المنصور مكان علي بن محمد بن أبي الشوارب

وفيها أخذ خادم نصراني لغالب النصراني وشهد عليه أنه شتم النبي فاجتمع أهل بغداد وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله وطالبوه بإقامة الحد عليه فلم يفعل فاجتمعوا على ذلك إلى دار المعتضد فسئلوا عن حالهم فذكروه للمعتضد فأرسل معهم إلى القاضي أبي عمر فكادوا يقتلونه من كثرة ازدحامهم فدخل بابا وأغلقه ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر ولا للعامة ذكر اجتماع في أمره

وفيها قدم قوم من أهل طرسوس على المعتضد يسألونه أن يولي عليهم واليا وكانوا قد أخرجوا عامل ابن طولون فسير إليهم المعتضد ابن الأخشيد أميرا

وفيها في ربيع الآخر ظهر بمصر ظلمة وحمرة في السماء شديدة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر وكذلك الحيطان فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة وخرج الناس من منازلهم يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه

وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس وهو كتاب طويل قد أحسن كتابته إلا أنه قد استدل فيه بأحاديث كثيرة على وجوب لعنه عن النبي لا تصح وذكر في الكتاب يزيد وغيره من بين أمية وعملت به نسخ قرئت بجانبي بغداد ومنع القضاة والعامة من القعود بالجامعين ورحابهما

ونهى الذين يسقون الماء في الجامعين أن يترحموا على معاوية ولا يذكرونه فقال له عبيد الله بن سليمان إنا نخاف اضطراب العامة وإثارة الفتنة فلم يسمع منه

فقال عبيد الله للقاضي يوسف بن يعقوب ليحتال في منعه عن ذلك فكلم يوسف المعتضد وحذره اضطراب العامة فلم يلتفت فقال يا أمير المؤمنين فما نصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية ويميل إليهم خلق كثير من الناس لقرابتهم من رسول الله فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب من اطرائهم كانوا إليهم أميل وكانوا هم أبسط ألسنة وأظهر حجة فيهم اليوم فأمسك المعتضد ولم يأمر في الكتاب بعد ذلك بشيء وكان عبيد الله من المنحرفة عن علي عليه السلام

وفيها سير المعتضد إلى عمرو بن الليث الخلع واللواء بولاية الري وهدايا

وفيها فتحت قرة من بلد الروم على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب في رجب

وفيها في شعبان ظهر بدار المعتضد انسان بيده سيف فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو فضربه بالسيف فجرحه وهرب الخادم ودخل الشخص في زرع في البستان فتوارى فيه فطلب باقي ليلته ومن الغد فلم يعرف له خبر فاستوحش المعتضد وكثر الناس في أمره بالظنون حتى قالوا له إنه من الجن وظهر مرارا كثيرة حتى وكل المعتضد بسور داره وأحكمه ضبطا

ثم أحضر المجانين والمعزمين والمعزمين بسبب ذلك الشخص فسألهم عنه فقال المعزمون نحن نعزم على بعض المجانين

فإذا سقط سئل الجني عنه فأخبر خبره فعزموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعتضد ينظر إليهم فلما صرعت أمرهم بالانصراف

وفيها وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين ذكر أنهم من القرامطة فقرروا بالضرب فأقروا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنه منهم فقبض عليه وحبسه

وفيها وثب الحرث عبد العزيز بن أبي دلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم فقتله

وكان أخوه عمر بن عبد العزيز قد أخذه وقيده وحبسه في قلعة زر ووكل به شفيعا الخادم ومعه جماعة من غلمان عمر

فلما استأمن عمر إلى المعتضد وهرب بكر بقيت القلعة بما فيها من الأموال بيد شفيع

فكلمه أبو ليلى في إطلاقه فلم يفعل وطلب من غلام كان يخدمه مبردا فأدخله في الطعام فبرد مسمار قيده

وكان شفيع في كل ليلة يأتي إلى أبي ليلى يفتقده ويمضي ينام وتحت رأسه سيف مسلول

فجاء شفيع في ليلة إليه فحادثه فطلب منه أن يشرب معه أقداحا ففعل وقام الخادم لحاجته

فجعل أبو ليلى في فراشه ثيابا تشبه إنسانا نائما وغطاها باللحاف وقال لجارية كانت تخذمه إذا عاد شفيع قولي له هو نائم

ومضى أبو ليلى فاختفى ظاهر الدار وقد أخرج يده من رجله

فلما عاد شفيع قالت له الجارية هو نائم فاغلق الباب ومشى إلى داره ونام فيها

فخرج أبو ليلى وأخذ السيف من عند شفيع وقتله فوثب الغلمان فقال لهم أبو ليلى قد قتلت شفيعا ومن تقدم إلي قتلته فأنتم آمنون فخرجوا من الدار

واجتمع الناس إليه فكلمهم ووعدهم الإحسان وأخذ عليهم الأيمان وجمع الأكراد وغيرهم وخرج مخالفا على المعتضد وكان قتل شفيع في ذي القعدة

ولما خرج أبو ليلى على السلطان قصده عيسى النوشري فاقتتلوا فأصاب أبا ليلى في حلقه سهم فنحره فسقط عن دابته وانهزم أصحابه وحمل رأسه إلى أصبهان ثم إلى بغداد

وفيها كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل فإنه يسلم منه اليسير وأن ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة الأنهار والعيون

فقحط الناس وقلت الأمطار وغارت المياه حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات

وفيها ظهر اختلال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر واختلفت القواد وطمعوا فانحل النظام وتفرقت الكلمة

ثم اتفقوا على أن يجعلوا مدبر دولته أبا جعفر بن أبان وكان عند والده وجده مقدما كبير القدر فأصلح من الأحوال ما استطاع وكم جهد الصناع إذا اتسع الخرق

وكان من بدمشق من الجند قد خالفوا على أخيه جيش كما ذكرنا فلما تولى أبو جعفر الأمور سير جيشا إلى دمشق عليهم بدر الجمالي والحسين بن أحمد المارداني فأصلحا حالها وقرروا أمور الشام واستعملا على دمشق طغج بن جف واستعملا على سائر الأعمال ورجعا إلى مصر والأمور فيها اختلال والقواد قد استولى كل واحد منهم على طائفة من الجند وأخذهم إليه

وهكذا يكون انتقاض الدول وإذا أراد الله أمرا فلا مرد لحكمه وهو سريع الحساب وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي المعروف بأترجة

وفيها توفي إسحاق بن موسى بن عمران أبو يعقوب الاسفرايني الفقيه الشافعي والعتابي واسمه عبد العزيز بن معاوية من ولد عتاب بن أسيد بفتح الهزة وكسر السين

وفيها أيضا توفي أبو عبد الله محمد بن الوضاح بن ربيع الأندلسي وكان من العلماء المشهورين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.