الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
60

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين

الجزء السادس 7 عنصر صفحة 367
ذكر خلع جعفر بن المعتمد وولاية المعتضد ص 367

في هذه السنة في المحرم خرج المعتمد على الله وجلس للقواد والقضاة ووجوه الناس وأعلمهم أنه خلع ابنه المفوض إلى الله جعفر من ولاية العهد وجعل ولاية العهد للمعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق وشهدوا على المفوض أنه قد تبرأ من العهد وأسقط اسمه من السكة والخطبة والطرز وغير ذلك

وخطب للمعتضد وكان يوما مشهودا فقال يحيى بن علي يهنئ المعتضد

( ليهنك عقد أنت فيه المقدم % حباك به رب بفضلك أعلم )

( فإن كنت قد أصبحت والي عهدنا % فأنت غدا فينا الإمام المعظم )

( ولا زال من ولاك فينا مبلغا % مناك ومن عاداك يشجى ويرغم )

( وكان عمود الدين فيه تأود % فعاد بهذا العهد وهو مقوم )

( وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكا % يضيء لنا منه الذي كان يظلم )

( فدونك فاشدد عقد ما قد حويته % فإنك دون الناس فيه المحكم )

وفيها نودي بمدينة السلام أن لا يقعد على الطريق ولا في المسجد الجامع قاض ولا منجم ولا زاجر

وحلف الوراقون أن لا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة

وفيها قبض على جراد كاتب أبي الصقر إسماعيل بن بلبل

وفيها انصرف أبو طلحة منصور بن مسلم من شهرزور وكانت له

فقبض عليه وعلى كاتبه عقامة وأودعا في السجن

ذكر الحرب بين الخوارج وأهل الموصل والأعراب ص 368

في هذه السنة اجتمعت الخوارج ومقدمهم هارون ومعهم متطوعة أهل الموصل وغيرهم وحمدان بن حمدون التغلبي على قتال بني شيبان

وسبب ذلك أن جمعا كثيرا من بني شيبان عبروا الزاب وقصدوا نينوى من أعمال الموصل للإغارة عليها وعلى البلد

فاجتمع هارون الشاري وحمدان بن حمدون وكثير من المتطوعة المواصلة وأعيان أهلها على قتالهم ودفعهم

وكان بنو شيبان نزلوا على باعشيقا ومعهم هارون بن سليمان مولى أحمد بن عيسى بن الشيخ الشيباني صاحب ديار بكر

وكان قد أنفذه محمد بن إسحاق بن كنداج واليا على الموصل فلم يمكنه أهلها من المقام عندهم وطردوه فقصد بني شيبان معاونا على الخوارج

وأهل الموصل فالتقوا وتصافوا واقتتلوا فانهزمت بنو شيبان وتبعهم حمدان والخوارج وملكوا بيوتهم واشتغلوا بالنهب

وكان الزاب لما عبر بنو شيبان زائدا فلما انهزموا علموا أن لا ملجأ ولا منجى غير الصبر فعادوا إلى القتال والناس مشغولون بالزاب فأوقعوا بهم وقتل كثير من أهل الموصل ومن معهم وعاد الظفر للأعراب

وكتب هارون بن سيما إلى محمد بن إسحاق بن كنداج يعرفه أن البلد خارج عن يده إن لم يحضر هو بنفسه

فسار في جيش كثيف يريد الموصل فخافه أهلها فانحدر بعضهم إلى بغداد يطلبون إرسال وال إليهم وإزالة ابن كنداج عنهم فاجتازوا في طريقهم بالحديثة وبها محمد بن يحيى المجروح يحفظ الطريق قد ولاه المعتضد ذلك وقد وصل إليه عهد بولايته الموصل فحثوه على تعجيل السير وأن يسبق محمد بن كنداج إليها وخوفوه من ابن كنداج إن دخل الموصل قبله فسار فسبق محمد إليها

ووصل محمد بن كنداج إلى بلد فبلغه دخول المجروح الموصل فندم على التباطؤ وكتب إلى خمارويه بن طولون يخبره الخبر فأرسل أبا عبد الله بن الحصاص بهدايا كثيرة إلى المعتضد ويطلب أمورا منها إمرة الموصل

كما كانت له قبل فلم يجب إلى ذلك وأخبره كراهة أهل الموصل من عماله فأعرض عن ذكرها وبقي المجروح بالموصل يسيرا وعزله المعتضد واستعمل بعده علي بن داود بن رهزاد الكردي

فقال شاعر يقال له العجيني

( ما رأى الناس لهذا الد % هر مذ كانوا شبيها )

( ذلت الموصل حتى % أمر الأكراد فيها )

( العجيني ) بالنون

ذكر وفاة المعتمد ص 369

وفيها توفي المعتمد على الله ليلة الأثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب ببغداد

وكان قد شرب على الشط في الحسني ببغداد يوم الأحد شرابا كثيرا وتعشى فأكثر فمات ليلا

وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس فنظروا إليه وحمل إلى سامرا فدفن بها

وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر وكان أسن من الموفق بستة أشهر

وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر

وكان في خلافته محكوما عليه قد تحكم عليه أخوه أبو أحمد الموفق وضيق عليه حتى أنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها ذلك الوقت فقال

( أليس من العجائب أن مثلي % يرى ما قل ممتنعا عليه )

( وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا % وما من ذاك شيء في يديه )

( إليه تحمل الأموال طرا % ويمنع بعض ما يجبى عليه )

وكان أول الخلفاء إنتقل من سر من رأى مذ بنيت ثم لم يعد إليها أحد منهم

ذكر خلافة أبي العباس المعتضد ص 369

وفي صبيحة الليلة التي مات فيها المعتمد بويع لأبي العباس المعتضد بالله أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل بالخلافة فولى بدرا الشرطة وعبيد الله بن سليمان الوزارة ومحمد بن الشاه بن مالك الحرس

ووصله في شوال رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة وسأله أن يوليه خراسان فعقد له عليها وسير إليه الخلع واللواء والعهد فنصب اللواء في داره ثلاثة أيام

ذكر وفاة نصر الساماني ص 370

وفيها مات نصر بن أحمد الساماني وقام بما كان إليه من العمل بما وراء النهر أخوه إسماعيل بن أحمد

وكان نصر دينا عاقلا له شعر حسن منه ما قاله في رافع بن هرثمة

( أخوك فيك على خبر ومعرفة % إن الذليل ذليل حيثما كانا )

( لولا زمان خؤن في تصرفه % ودولة ظلمت ما كنت إنسانا )

ذكر عزل رافع بن هرثمة عن خراسان وقتله ص 370

وفيها عزل المعتضد رافع بن هرثمة عن خراسان

وسبب ذلك أن المعتضد كتب إلى رافع بتخلية السلطان بالري فلم يقبل فأشار على رافع أصحابه برد القرى لئلا يفسد حاله بكتاب فلم يقبل

وكتب المعتضد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف يأمره بمحاربة رافع وإخراجه من الري

وكتب إلى عمرو بن الليث بتولية خراسان

ثم أن أحمد بن عبد العزيز لقي رافعا فقاتله فانهزم عن الري وسار إلى جرجان

ومات أحمد بن عبد العزيز سنة ثمانين ومائتين

فعاد رافع إلى الري فلاقاه عمرو وبكر ابنا عبد العزيز فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عمرو وبكر وقتل من أصحابهما مقتلة عظيمة ووصلوا إلى أصبهان وذلك في جمادى الأولى سنة ثمانين

وأقام رافع بالري باقي سنته

ومات علي بن الليث معه في الري

ثم إن عمرو بن الليث وافى نيسابور في جمادى الأولى سنة ثمانين واستولى عليها وعلى خراسان فبلغ الخبر إلى رافع فجمع أصحابه واستشارهم فيما يفعل وقال لهم إن الأعداء قد أحدقوا بنا ولا آمن أن يتفقوا علينا

هذا محمد بن زيد بالديلم ينتظر فرصة لينتهزها وهذا عمرو بن عبد العزيز قد فعلت به ما فعلت فهو يتربص الدوائر وهذا عمرو بن الليث قد وافى خراسان بجموعه

وقد رأيت أن أصالح محمد بن زيد وأعيد إلى طبرستان وأصالح ابن عبد العزيز ثم أسير إلى عمرو فأخرجه عن خراسان

فوافقوه على ذلك وأرسل إلى ابن عبد العزيز فصالحه واستقر بينهما في شعبان سنة ثمانين

ثم سار إلى طبرستان فوردها في شعبان سنة إحدى وثمانين وكان قد أقام بجرجان فأحكم أمورها

ولما استقر بطبرستان راسل محمد بن زيد وصالحه

ووعده محمد بن زيد أن ينجده بأربعة آلاف رجل من شجعان الديلم

وخطب لمحمد بطبرستان وجرجان في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائتين

وبلغ خبر مصالحة محمد بن زيد ورافع إلى عمرو بن الليث فأرسل إلى محمد يذكر ما فعل به ويحذره منه وغدره إن استقام أمره فعاد عن انجاده بعسكر

فلما قوي عمرو وعرف لمحمد بن زيد ذلك وخلى عليه طبرستان

ولما أحكم رافع أمر محمد بن زيد سار إلى خراسان فورد نيسابور في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين ومائتين

وجرى بينه وبين عمرو حرب شديدة فانهزم فيها رافع إلى ابيورد وأخذ عمرو منه المعدل والليث ولدي أخيه علي بن الليث

وكانا عنده بعد موت أخيه علي

ولما ورد رافع أبيورد أراد المسير إلى هراة أو مرو فعلم عمر بذلك فأخذ عليه الطريق بسرخس فلما علم رافع بمسير عمرو عن نيسابور سار على مضايق وطرق غامضة غير طريق الجيش إلى نيسابور فدخلها

وعاد إليه عمرو من سرخس فحصره فيها وتلاقيا

واستأمن بعض قواد رافع إلى عمرو فانهزم رافع وأصحابه وسير أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمده ويطلب ما وعده من الرجال فلم يفعل ولم يمده برجل واحد

وتفرق عن رافع أصحابه وغلمانه وكان له أربعة آلاف غلام ولم يملك أحد من ولاة خراسان قبله مثله

وفارقه محمد بن هارون إلى إسماعيل بن أحمد الساماني ببخارى وخرج رافع منهزما إلى خوارزم على الجمازات وحمل ما بقي معه من مال آلة وهو في شرذمة قليلة وذلك في رمضان سنة ثلاثة وثمانين ومائتين

فلما بلغ رباط جبوه وجه إليه خوارزمشاه أبا سعيد الدرغاني ليقيم له الأنزال ويخدمه إلى خوارزم فرماه أبو سعيد في قلة من رجالة وغدر به وقتله لسبع خلون من شوال سنة ثلاث وثمانين ومائتين

وحمل رأسه إلى عمرو بن الليث وهو بنيسابور

وأنفذ عمرو الرأس إلى المعتضد بالله فوصل إليه سنة أربع وثمانين

فنصب ببغداد وصفت خراسان إلى شاطئ جيحون لعمرو

ذكر عدة حوادث ص 372

وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة من خمارويه فتزوج المعتضد ابنة خمارويه

وفيها ملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين وكانت بيد محمد بن إسحاق بن كنداجيق

وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد وهي آخر حجة حجها

وأول حجة حجها بالناس سنة أربعة وستين ومائتين إلى هذه السنة

وفيها توفي أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السلمي بترمذ في رجب وكان إماما حافظا له تصانيف حسنة منها الجامع الكبير في الحديث وهو أحسن الكتب وكان ضريرا وتوفي إبراهيم بن محمد المدبر في شوال وكان يلي ديوان الضياع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.