فيها كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مفلح أربعة أيام من المحرم ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة
ثم وقع بالجانب الشرقي وقعة بين النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا
فيها كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مفلح أربعة أيام من المحرم ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة
ثم وقع بالجانب الشرقي وقعة بين النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا
وفيها توفي أبو أحمد الموفق بالله بن المتوكل
وكان قد مرض في بلاد الجبل فانصرف وقد اشتد به وجع النقرس فلم يقدر على الركوب فعمل له سرير عليه قبة فكان يقعد عليه وخادم له يبرد رجله بالأشياء الباردة حتى أنه يضع عليها الثلج
ثم صارت على برجله داء الفيل وهو ورم عظيم يكون في الساق يسيل منه ماء وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة فقال لهم يوما قد ضجرتم من حملي بودي أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي وأكل وأنا في عافية
وقال في مرضه أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالا مني فوصل إلى دار لليلتين خلتا من صفر وشاع موته بعد إنصراف أبي الصقر من داره وكان تقدم بحفظ أبي العباس فأغلقت عليه أبواب دون أبواب وقوي الإرجاف بموته وكان قد اعترته غشية
فوجه أبو الصقر إلى المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده فجيء بهم إلى داره ولم يسر أبو الصقر إلى دار الموفق فلما رأى غلمان الموفق المائلون إلى أبي العباس والؤساء من غلمان أبي العباس ما نزل بالموفق كسروا الأقفال والأبواب المغلقة على أبي العباس
فلما سمع أبو العباس ذلك ظن أنهم يريدون قتله وأخذ سيفه بيده وقال لغلام عنده والله لا يصلون إلي وفي شيء من الروح
فلما وصلوا إليه رأى في أولهم غلامه وصيفا موشكير فلما رآه ألقى السيف من يده وعلم أنهم ما يريدون إلا الخير فأخرجوه وأقعدوه عند أبيه فلما فتح عينه رآه فقربه وأدناه منه
وجمع أبو الصقر عنده القواد والجند وقطع الجسرين وحاربه قوم من الجانب الشرقي فقتل بينهم قتلى
فلما بلغ الناس أن الموفق حي حضر عنده محمد بن أبي الساج وفارق أبا الصقر وتسلل القواد والناس عن أبي الصقر
فلما رأى أبو الصقر ذلك حضر هو وابنه دار الموفق فما قال له الموفق شيئا مما جرى فأقام في دار الموفق
فلما رأى المعتمد أنه بقي في الدار نزل هو وبنوه وبكتمر فركبوا زورقا فلقيهم طيار لأبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف فحمله فيه إلى دار علي بن جهشيار
وذكر أعداء أبي الصقر أنه أراد أن يتقرب إلى المعتمد بمال الموفق وأسبابه وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفق فنهب دار أبي الصقر حتى أخرجت نساؤه منها حفاة بغير أزر ونهب ما يجاوره من الدور وكسرت أبواب السجون وخرج من كان فيها
وخلع الموفق على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر وركبا جميعا
فمضى أبو العباس إلى منزله وأبو الصقر إلى منزله وقد نهب
فطلب حصيرة يقعد عليها عارية
فولى أبو العباس غلامه بدرا الشرطة واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقي
ومات الموفق يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر من هذه السنة ودفن ليلة الخميس بالرصافة وجلس أبو العباس للتعزية
وكان الموفق عادلا حسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة وغيرهم فينتصف الناس بعضهم من بعض وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك
قال يوما إن حدي عبد الله بن العباس قال إن الذباب ليقع على جليسي فيؤذيني ذلك وهذا نهاية الكرم وأنا والله أرى جلسائي بالعين التي أرى بها إخواني
والله لو تهيأ لي أن أغير أسماءهم لنقلتها من الجلساء إلى الأصدقاء والإخوان
وقال يحيى بن علي دعا الموفق يوما جلساءه فسبقتهم وحدي فلما رآني وحدي أنشد يقول
( وأستصحب الأصحاب حتى إذا دنوا % وملوا من الإدلاج جئتكم وحدي )
فدعوت له واستحسنت إنشاده في موضعه
وله محاسن كثيرة ليس هذا موضع ذكرها
لما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوص ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله وخطب له يوم الجمعة بعد المفوض وذلك لسبع ليال بقين من صفر
واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولى ما كان أبوه يتولاه
وفيها قبض المعتمد على أبي الصقر وأصحابه وانتهب منازلهم
وطلب بني الفرات فاختفوا
وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب وولاه الوزارة
وسير محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى بغداد فمضى وصيف إلى السوس فعاث بها ونهب الطيب وأبى الرجوع إلى بغداد
وفيها قتل علي بن الليث أخو الصفار قتله رافع بن هرثمة وكان قد يحنق به وترك أخاه
وفيها غار ماء النيل فغلت الأسعار بمصر
وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة
وكان ابتداء أمرهم فيما ذكر أن رجلا منهم قدم من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة فكان بموضع يقال له النهرين يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسب يده ويكثر الصلاة فأقام على ذلك مدة
فكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه بموضعه
ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من آل بيت الرسول فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير
وكان يقعد إلى بقال هناك فجاء قوم إلى البقال يطلبون منه رجلا يحفظ عليهم ما صرموا من نخلهم فدلهم عليه وقال لهم ان أجابكم إلى حفظ تمركم فإنه بحيث تحبون فكلموه في ذلك
فأجابهم على أجرة معلومة فكان يحفظ لهم ويصلي أكثر نهاره ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر فيفطر عليه ويجمع نوى ذلك التمر ويعطيه البقال
فلما حمل التجار تمرهم حاسبوا أجيرهم عند البقال ودفعوا إليه أجرته
وحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر وحط ثمن النوى
فسمع أصحاب التمر محاسبته للبقال بثمن النوى فضربوه وقالوا له لم ترض بأكل تمرنا حتى بعت النوى
فقال لهم البقال لا تفعلوا
وقص عليهم القصة فندموا على ضربه واستحلوا منه ففعل وازداد بذلك عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زهده
ثم مرض فمكث على الطريق مطروحا وكان في القرية رجل أحمر العينين يحمل على أثوار له يسمونه كرميتة لحمرة عينيه وهو بالنبطية أحمر العين فكلم البقال الكرميتة في حمل المريض إلى منزله والعناية به ففعل وأقام عنده حتى برأ
ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه فأجابوه
وكان يأخذ من الرجل إذا أجابه دينارا ويزعم أنه للإمام واتخذ منهم اثني عشر نقيبا أمرهم أن يدعوا الناس إلى مذهبهم وقال أنتم كحواري عيسى ابن مريم
فاشتغل أهل كور تلك الناحية عن أعمالهم بما رسم لهم من الصوات
وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع فرأى تقصير الأكرة في عمارتها فسأل عن ذلك فأخبر بخبر الرجل فأخذه وحبسه وحلف أن يقتله لما اطلع على مذهبه وأغلق باب البيت وجعل مفتاح البيت تحت وسادته واشتغل بالشرب
فسمع بعض من في الدار من الجواري بحبسه فرقت للرجل فلما نام الهيصم أخذت المفتاح وفتحت الباب وأخرجته ثم أعادت المفتاح إلى مكانه
فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده شاع ذلك في الناس فافتتن أهل تلك الناحية وقالوا رفع
ثم ظهر في ناحية أخرى ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم وسألوه عن قصته فقال لا يمكن أحد أن ينالني بسوء فعظم في أعينهم
ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام فلم يوقف له على خبر
وسمي باسم الرجل الذي كان في داره كرميتة صاحب الأثوار ثم خفف فقيل قرمط هكذا ذكره بعض أصحاب ذكرويه عنه
وقيل إن قرمط لقب رجل كان بسواد الكوفة يحمل غلة السواد على أثوار له واسمه حمدان
ثم فشا مذهب القرامطة بسواد الكوفة
ووقف الطائي أحمد بن محمد على أمرهم فجعل على الرجل منهم في السنة دينارا وكان يجبي من ذلك مالا جليلا فقدم قوم من الكوفة فرفعوا أمر القرامطة والطائي إلى السلطان وأخبروه أنهم قد أحدثوا دينا غير دين الإسلام وأنهم يرون السيف على أمة محمد إلا من بايعهم فلم يلتفت إليهم ولم يسمع قولهم
وكان فيما حكى عن القرامطة من مذهبهم أنهم جاؤوا بكتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها نصرانة داعية المسيح وهو عيسى وهو الكلمة وهو المهدي وهو أحمد بن محمد ابن الحنفية وهو جبريل
وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان وقال له إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس
وعرفه أن الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان بعد غروبها
وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن الله أكبر الله أكبرالله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن آدم رسول الله أشهد أن نوحا رسول الله أشهد أن إبراهيم رسول الله أشهد أن موسى رسول الله أشهد أن عيسى رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله
وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح وهي من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية
والقبلة إلى بيت المقدس والحج إلى بيت المقدس
وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء والسورة الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المتخذ لأوليائه بأوليائه
قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام وباطنها أوليائي الذين عروفوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي الألباب وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم وأنا الذي أبلو عبادي وامتحن خلقي فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وأخلدته في نعمتي ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخذته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت أمري على ألسنة رسلي وأنا الذي لم يعل علي جبار إلى وضعته ولا عزيز إلا أذللته وليس الذي أصر على أمري ودام على جهالته وقالوا لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين أولئك هم الكافرون ثم يركع ويقول في ركوعه سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصفون الظالمون يقولها مرتين
فإذا سجد قال الله أعلى الله أعلى الله أعظم الله أعظم
ومن شريعته أن يصوم يومين في السنة وهما المهرجان والنيروز
وأن النبيذ حرام والخمر حلال
ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة
وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه ممن يخالفه أخذ منه الجزية
ولا يأكل من كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب
وكان مصير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزنج فسار قرمط إليه وقال له إني على مذهب ورأي ومعي مائة ألف ضارب سيف فتناظرني فإن اتفقنا على المذهب ملت إليك بمن معي وإن تكن الأخرى انصرفت عنك فتناظرا فاختلف آراؤهما فانصرف قرمط عنه
فيها في جمادى الآخرة دخل أحمد العجيفي طرسوس وغزا مع بازمار الصائفة فبلغوا شكند فأصابت بازمار شظية من حجر منجنيق في أضلاعه فارتحل عنها بعد أن أشرف على أخذها
فتوفي في الطريق منتصف رجب وحمل إلى طرسوس فدفن بها
وكان قد أطاع خمارويه بن أحمد بن طولون فلما توفي خلفه ابن عجيف وكتب إلى خمارويه يخبره بموته فاقره على ولاية طرسوس وأمده بالخيل والسلاح والذخائر وغيرها ثم عزله واستعمل عليها ابن عمه محمد بن موسى بن طولون
وفيها ثار الناس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى فقبضوا عليه
وسبب ذلك أن الموفق لما توفي كان له خادم من خواصه يقال له راغب فاختار الجهاد فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها
فلما وصل إلى الشام سير ما معه من دواب وآلات وخيام وغير ذلك إلى طرسوس وسار هو جريدة إلى خمارويه ليزوره ويعرفه عزمه
فلما لقيه بدمشق أكرمه خمارويه وأحبه وأنس به واستحيا راغب أن يطلب المسير إلى طرسوس فطال مقامه عنده فظن أصحابه أن خمارويه قبض عليه فأذاعوا ذلك فاستعظمه الناس وقالوا يعمد إلى رجل قصد الجهاد في سبيل الله فيقبض عليه ثم شغبوا على أميرهم محمد ابن عم خمارويه وقبضوا عليه وقالوا لا يزال في الحبس إلى أن يطلق ابن عمك راغبا
ونهبوا داره وهتكوا حرمه
وبلغ الخبر إلى خمارويه فأطلع راغبا عليه وأذن له في المسير إلى طرسوس
فلما بلغ إليها أطلق أهلها أميرهم فلما أطلقوه قال لهم قبح الله جواركم
وسار عنهم إلى البيت المقدس فأقام به
ولما سار عن طرسوس عاد العجيفي إلى ولايتها
وفيها ظهر كوكب ذو جمة وصارت الجمة ذؤابة وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي
وتوفي فيها عبد الكريم الدير عاقولي
وفيها توفي إسحاق بن كنداج وولى ما كان إليه من أعمال الموصل وديار ربيعة ابنه محمد وتوفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي وكان كثير الحديث والصلاح
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.