الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السادس / ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين
59

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين

الجزء السادس 7 عنصر صفحة 360
ذكر الفتنة ببغداد ص 360

فيها كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مفلح أربعة أيام من المحرم ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة

ثم وقع بالجانب الشرقي وقعة بين النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا

ذكر وفاة الموفق ص 360

وفيها توفي أبو أحمد الموفق بالله بن المتوكل

وكان قد مرض في بلاد الجبل فانصرف وقد اشتد به وجع النقرس فلم يقدر على الركوب فعمل له سرير عليه قبة فكان يقعد عليه وخادم له يبرد رجله بالأشياء الباردة حتى أنه يضع عليها الثلج

ثم صارت على برجله داء الفيل وهو ورم عظيم يكون في الساق يسيل منه ماء وكان يحمل سريره أربعون رجلا بالنوبة فقال لهم يوما قد ضجرتم من حملي بودي أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي وأكل وأنا في عافية

وقال في مرضه أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالا مني فوصل إلى دار لليلتين خلتا من صفر وشاع موته بعد إنصراف أبي الصقر من داره وكان تقدم بحفظ أبي العباس فأغلقت عليه أبواب دون أبواب وقوي الإرجاف بموته وكان قد اعترته غشية

فوجه أبو الصقر إلى المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده فجيء بهم إلى داره ولم يسر أبو الصقر إلى دار الموفق فلما رأى غلمان الموفق المائلون إلى أبي العباس والؤساء من غلمان أبي العباس ما نزل بالموفق كسروا الأقفال والأبواب المغلقة على أبي العباس

فلما سمع أبو العباس ذلك ظن أنهم يريدون قتله وأخذ سيفه بيده وقال لغلام عنده والله لا يصلون إلي وفي شيء من الروح

فلما وصلوا إليه رأى في أولهم غلامه وصيفا موشكير فلما رآه ألقى السيف من يده وعلم أنهم ما يريدون إلا الخير فأخرجوه وأقعدوه عند أبيه فلما فتح عينه رآه فقربه وأدناه منه

وجمع أبو الصقر عنده القواد والجند وقطع الجسرين وحاربه قوم من الجانب الشرقي فقتل بينهم قتلى

فلما بلغ الناس أن الموفق حي حضر عنده محمد بن أبي الساج وفارق أبا الصقر وتسلل القواد والناس عن أبي الصقر

فلما رأى أبو الصقر ذلك حضر هو وابنه دار الموفق فما قال له الموفق شيئا مما جرى فأقام في دار الموفق

فلما رأى المعتمد أنه بقي في الدار نزل هو وبنوه وبكتمر فركبوا زورقا فلقيهم طيار لأبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف فحمله فيه إلى دار علي بن جهشيار

وذكر أعداء أبي الصقر أنه أراد أن يتقرب إلى المعتمد بمال الموفق وأسبابه وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفق فنهب دار أبي الصقر حتى أخرجت نساؤه منها حفاة بغير أزر ونهب ما يجاوره من الدور وكسرت أبواب السجون وخرج من كان فيها

وخلع الموفق على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر وركبا جميعا

فمضى أبو العباس إلى منزله وأبو الصقر إلى منزله وقد نهب

فطلب حصيرة يقعد عليها عارية

فولى أبو العباس غلامه بدرا الشرطة واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقي

ومات الموفق يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر من هذه السنة ودفن ليلة الخميس بالرصافة وجلس أبو العباس للتعزية

وكان الموفق عادلا حسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة وغيرهم فينتصف الناس بعضهم من بعض وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك

قال يوما إن حدي عبد الله بن العباس قال إن الذباب ليقع على جليسي فيؤذيني ذلك وهذا نهاية الكرم وأنا والله أرى جلسائي بالعين التي أرى بها إخواني

والله لو تهيأ لي أن أغير أسماءهم لنقلتها من الجلساء إلى الأصدقاء والإخوان

وقال يحيى بن علي دعا الموفق يوما جلساءه فسبقتهم وحدي فلما رآني وحدي أنشد يقول

( وأستصحب الأصحاب حتى إذا دنوا % وملوا من الإدلاج جئتكم وحدي )

فدعوت له واستحسنت إنشاده في موضعه

وله محاسن كثيرة ليس هذا موضع ذكرها

ذكر البيعة للمعتضد بولاية العهد ص 362

لما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوص ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله وخطب له يوم الجمعة بعد المفوض وذلك لسبع ليال بقين من صفر

واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولى ما كان أبوه يتولاه

وفيها قبض المعتمد على أبي الصقر وأصحابه وانتهب منازلهم

وطلب بني الفرات فاختفوا

وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب وولاه الوزارة

وسير محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى بغداد فمضى وصيف إلى السوس فعاث بها ونهب الطيب وأبى الرجوع إلى بغداد

وفيها قتل علي بن الليث أخو الصفار قتله رافع بن هرثمة وكان قد يحنق به وترك أخاه

وفيها غار ماء النيل فغلت الأسعار بمصر

ذكر ابتداء أمر القرامطة ص 362

وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة

وكان ابتداء أمرهم فيما ذكر أن رجلا منهم قدم من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة فكان بموضع يقال له النهرين يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسب يده ويكثر الصلاة فأقام على ذلك مدة

فكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه بموضعه

ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من آل بيت الرسول فلم يزل على ذلك حتى استجاب له جمع كثير

وكان يقعد إلى بقال هناك فجاء قوم إلى البقال يطلبون منه رجلا يحفظ عليهم ما صرموا من نخلهم فدلهم عليه وقال لهم ان أجابكم إلى حفظ تمركم فإنه بحيث تحبون فكلموه في ذلك

فأجابهم على أجرة معلومة فكان يحفظ لهم ويصلي أكثر نهاره ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر فيفطر عليه ويجمع نوى ذلك التمر ويعطيه البقال

فلما حمل التجار تمرهم حاسبوا أجيرهم عند البقال ودفعوا إليه أجرته

وحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر وحط ثمن النوى

فسمع أصحاب التمر محاسبته للبقال بثمن النوى فضربوه وقالوا له لم ترض بأكل تمرنا حتى بعت النوى

فقال لهم البقال لا تفعلوا

وقص عليهم القصة فندموا على ضربه واستحلوا منه ففعل وازداد بذلك عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زهده

ثم مرض فمكث على الطريق مطروحا وكان في القرية رجل أحمر العينين يحمل على أثوار له يسمونه كرميتة لحمرة عينيه وهو بالنبطية أحمر العين فكلم البقال الكرميتة في حمل المريض إلى منزله والعناية به ففعل وأقام عنده حتى برأ

ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه فأجابوه

وكان يأخذ من الرجل إذا أجابه دينارا ويزعم أنه للإمام واتخذ منهم اثني عشر نقيبا أمرهم أن يدعوا الناس إلى مذهبهم وقال أنتم كحواري عيسى ابن مريم

فاشتغل أهل كور تلك الناحية عن أعمالهم بما رسم لهم من الصوات

وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع فرأى تقصير الأكرة في عمارتها فسأل عن ذلك فأخبر بخبر الرجل فأخذه وحبسه وحلف أن يقتله لما اطلع على مذهبه وأغلق باب البيت وجعل مفتاح البيت تحت وسادته واشتغل بالشرب

فسمع بعض من في الدار من الجواري بحبسه فرقت للرجل فلما نام الهيصم أخذت المفتاح وفتحت الباب وأخرجته ثم أعادت المفتاح إلى مكانه

فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده شاع ذلك في الناس فافتتن أهل تلك الناحية وقالوا رفع

ثم ظهر في ناحية أخرى ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم وسألوه عن قصته فقال لا يمكن أحد أن ينالني بسوء فعظم في أعينهم

ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام فلم يوقف له على خبر

وسمي باسم الرجل الذي كان في داره كرميتة صاحب الأثوار ثم خفف فقيل قرمط هكذا ذكره بعض أصحاب ذكرويه عنه

وقيل إن قرمط لقب رجل كان بسواد الكوفة يحمل غلة السواد على أثوار له واسمه حمدان

ثم فشا مذهب القرامطة بسواد الكوفة

ووقف الطائي أحمد بن محمد على أمرهم فجعل على الرجل منهم في السنة دينارا وكان يجبي من ذلك مالا جليلا فقدم قوم من الكوفة فرفعوا أمر القرامطة والطائي إلى السلطان وأخبروه أنهم قد أحدثوا دينا غير دين الإسلام وأنهم يرون السيف على أمة محمد إلا من بايعهم فلم يلتفت إليهم ولم يسمع قولهم

وكان فيما حكى عن القرامطة من مذهبهم أنهم جاؤوا بكتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها نصرانة داعية المسيح وهو عيسى وهو الكلمة وهو المهدي وهو أحمد بن محمد ابن الحنفية وهو جبريل

وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان وقال له إنك الداعية وإنك الحجة وإنك الناقة وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا وإنك روح القدس

وعرفه أن الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان بعد غروبها

وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن الله أكبر الله أكبرالله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن آدم رسول الله أشهد أن نوحا رسول الله أشهد أن إبراهيم رسول الله أشهد أن موسى رسول الله أشهد أن عيسى رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله

وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح وهي من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية

والقبلة إلى بيت المقدس والحج إلى بيت المقدس

وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء والسورة الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المتخذ لأوليائه بأوليائه

قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام وباطنها أوليائي الذين عروفوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي الألباب وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم وأنا الذي أبلو عبادي وامتحن خلقي فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وأخلدته في نعمتي ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخذته مهانا في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت أمري على ألسنة رسلي وأنا الذي لم يعل علي جبار إلى وضعته ولا عزيز إلا أذللته وليس الذي أصر على أمري ودام على جهالته وقالوا لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين أولئك هم الكافرون ثم يركع ويقول في ركوعه سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصفون الظالمون يقولها مرتين

فإذا سجد قال الله أعلى الله أعلى الله أعظم الله أعظم

ومن شريعته أن يصوم يومين في السنة وهما المهرجان والنيروز

وأن النبيذ حرام والخمر حلال

ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة

وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه ممن يخالفه أخذ منه الجزية

ولا يأكل من كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب

وكان مصير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزنج فسار قرمط إليه وقال له إني على مذهب ورأي ومعي مائة ألف ضارب سيف فتناظرني فإن اتفقنا على المذهب ملت إليك بمن معي وإن تكن الأخرى انصرفت عنك فتناظرا فاختلف آراؤهما فانصرف قرمط عنه

ذكر غزو الروم ووفاة بازمار ص 365

فيها في جمادى الآخرة دخل أحمد العجيفي طرسوس وغزا مع بازمار الصائفة فبلغوا شكند فأصابت بازمار شظية من حجر منجنيق في أضلاعه فارتحل عنها بعد أن أشرف على أخذها

فتوفي في الطريق منتصف رجب وحمل إلى طرسوس فدفن بها

وكان قد أطاع خمارويه بن أحمد بن طولون فلما توفي خلفه ابن عجيف وكتب إلى خمارويه يخبره بموته فاقره على ولاية طرسوس وأمده بالخيل والسلاح والذخائر وغيرها ثم عزله واستعمل عليها ابن عمه محمد بن موسى بن طولون

ذكر الفتنة بطرسوس ص 365

وفيها ثار الناس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى فقبضوا عليه

وسبب ذلك أن الموفق لما توفي كان له خادم من خواصه يقال له راغب فاختار الجهاد فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها

فلما وصل إلى الشام سير ما معه من دواب وآلات وخيام وغير ذلك إلى طرسوس وسار هو جريدة إلى خمارويه ليزوره ويعرفه عزمه

فلما لقيه بدمشق أكرمه خمارويه وأحبه وأنس به واستحيا راغب أن يطلب المسير إلى طرسوس فطال مقامه عنده فظن أصحابه أن خمارويه قبض عليه فأذاعوا ذلك فاستعظمه الناس وقالوا يعمد إلى رجل قصد الجهاد في سبيل الله فيقبض عليه ثم شغبوا على أميرهم محمد ابن عم خمارويه وقبضوا عليه وقالوا لا يزال في الحبس إلى أن يطلق ابن عمك راغبا

ونهبوا داره وهتكوا حرمه

وبلغ الخبر إلى خمارويه فأطلع راغبا عليه وأذن له في المسير إلى طرسوس

فلما بلغ إليها أطلق أهلها أميرهم فلما أطلقوه قال لهم قبح الله جواركم

وسار عنهم إلى البيت المقدس فأقام به

ولما سار عن طرسوس عاد العجيفي إلى ولايتها

ذكر عدة حوادث ص 366

وفيها ظهر كوكب ذو جمة وصارت الجمة ذؤابة وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي

وتوفي فيها عبد الكريم الدير عاقولي

وفيها توفي إسحاق بن كنداج وولى ما كان إليه من أعمال الموصل وديار ربيعة ابنه محمد وتوفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي وكان كثير الحديث والصلاح

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.