الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
51

ثم دخلت سنة سبعين ومائتين

الجزء السادس 6 عنصر صفحة 330
ذكر قتل الخبيث صاحب الزنج ص 330

قد ذكرنا من حرب الزنج وعود الموفق عنهم مؤيدا بالظفر

فلما عاد من قتالهم إلى مدينة الموفقية عزم على مناجزة الخبثاء فأتاه كتاب لؤلؤ غلام ابن طولون يستأذنه في المسير إليه فأذن له وترك القتال ينتظره ليحضر القتال فوصل إليه ثالث المحرم من هذه السنة في جيش عظيم فأكرمه الموفق وأنزله وخلع عليه وعلى أصحابه ووصلهم وأحسن إليهم وأمر لهم بالأرزاق على قدر مراتبهم وأضعف ما كان لهم

ثم تقدم إلى لؤلؤ بالتأهب لحرب الخبثاء

وكان الخبيث لما غلب على نهر أبي الخصيب وقضت القناطر والجسور التي عليه أحدث سكرا في النهر من جانبيه وجعل في وسط النهر بابا ضيقا لتحتد جرية الماء فيه فتمتنع الشذاوات من دخوله في الجزر ويتعذر خروجها منه في المد

فرأى الموفق أن جريه لا يتهيأ إلا بقلع هذا السكر فحاول ذلك فاشتد محاماة الخبثاء عليه وجعلوا يزيدون كل يوم فيه وهو متوسط دورهم والمروية تسهل عليهم وتعظم على من أراد قلعه

فشرع في محاربتهم بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ ليتمرنوا على قتالهم ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم

فأمر لؤلؤا أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر ففعل فرأى الموفق من شجاعة لؤل وإقدامه وشجاعة أصحابه ما سره

فأمر لؤلؤا بصرفهم اشفاقا عليهم ووصلهم الموفق وأحسن إليهم

وألح الموفق على هذا السكر وكان يحارب المحامين عليه بأصحابه وأصحاب لؤلؤ وغيرهم والفعلة يعملون في قلعة ويحارب الخبيث وأصحابه في عدة وجوه فيحرق مساكنهم ويقتل مقاتليهم واستأمن إليه جماعة

وكان قد بقي للخبيث وأصحابه بقية من أرضين بناحية النهرالغربي لهم فيها مزارع وحصون وقنطرتان وبه جماعة يحفظونه فسار إليهم أبو العباس وفرق أصحابه من جهاتهم وجعل كمينا ثم أوقع بهم فانهزموا فكلما قصدوا جهة خرج عليهم من يقاتلهم فيها فقتلوا عن آخرهم ولم يسلم منهم إلا الشريد

فأخذوا من أسلحتهم ما أثقلهم حمله وقطع القنطرتين

ولم يزل الموفق يقاتلهم على سكرهم حتى تهيأ له فيه ما أحبه في خرقه

فلما فرغ منه عزم على لقاء الخبيث فأمر بإصلاح السفن والآلات للماء والظهر

وتقدم إلى أبي العباس ابنه أن يأتي الخبيث من ناحية دار المهلبي وفرق العساكر من جميع جهاته وأضاف المستأمنة إلى شبل وأمره بالجد في قتال الخبيث

وأمر الناس أن لا يزحف أحد حتى يحرك علما أسود كان نصبه على دار الكرماني وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت

وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم فعجل بعض الناس وزحف نحوهم فلقيه الزنج فقتلوا منهم وردوهم إلى مواقفهم ولم يعلم سائر العسكر بذلك لكثرتهم

وبعد المسافة فيما بين بعضهم البعض

وأمر الموفق بتحريك العلم الأسود والنفخ في البوق فزحف الناس في البر والماء يتلو بعضهم بعضا

فلقيهم الزنج وقد حشدوا واجترؤا بما تهيأ لهم على من كان يسرع إليهم فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة

واشتد القتال وقتل من الفريقين جمع كثير فانهزم أصحاب الخبيث وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون

واختلط بهم ذلك اليوم أصحاب الموفق فقتل منهم ما لا يحصى عددا وغرق منهم مثل ذلك

وحوى الموفق المدينة بأسرها فغنمها أصحابه واستنقذوا من كان بقي من الأسرى من الرجال والنساء والصبيان

وظفروا بجميع عيال علي بن أبان المهلبي وبأخويه الخليل ومحمد وأولادهما وعبر بهما إلى المدينة الموفقية ومضى الخبيث في أصحابه ومعه ابن انكلاي وسليمان بن جامع وقواد من الزنج وغيرهم هربا عامدين إلى موضع كان الخبيث قد أعده ملجأ إذا غلب على مدينته وذلك المكان على النهر المعروف بالسفياني

وكان أصحاب الموفق قد اشتغلوا بالنهب والإحراق

وتقدم الموفق في الشذاوات نحو نهر السفياني ومعه لؤلؤ أصحابه فظن أصحاب الموفق أنه رجع إلى مدينتهم الموفقية فانصرفوا إلى سفنهم بما قد حووا

وانتهى الموفق ومن معه إلى عسكر الخبيث وهم منهزمون وأبعهم لؤلؤ في أصحابه حتى عبر السفياني فاقتحم لؤلؤ بفرسه واتبعه أصحابه حتى انتهى إلى النهر المعروف بالفربري

فوصل إليه لؤلؤ وأصحابه فأوقعوا به ومن معه

فهزمهم حتى عبر النهر السفياني ولؤلؤ في أثرهم فاعتصموا بجبل وراءه وانفرد لؤلؤ وأصحابه باتباعهم إلى هذا المكان في آخر النهار

فأمر الموفق بالانصراف فعاد مشكورا محمودا لفعله

فحمله الموفق معه وجدد له من البر والكرامة ورفعة المنزلة ما كان مستحقا له

ورجع الموفق فلم ير أحدا من أصحابه بمدينة الزنج فرجع إلى مدينته واستبشر الناس بالفتح وهزيمة الزنج وصحابهم

وكان الموفق قد غضب على أصحابه بمخالفتهم أمره وتركهم الوقوف حيث أمرهم فجمعهم جميعا ووبخهم على ذلك وأغلظ لهم فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه وإنهم لم يعلموا بمسيره ولو علموا ذلك لأسرعوا نحوه

ثم تعاقدوا وتحالفوا بمكانهم على أن لا ينصرف أحد إذا توجهوا نحو الخبيث حتى يظفروا به فإن أعياهم أقاموا بمكانه حتى يحكم الله بينهم وبينه

وسألوا الموفقأن يرد السفن التي يعبرون فيها إلى الخبيث لينقطع الناس عن الرجوع فشكرهم وأثنى عليهم وأمرهم بالتأهب

وأقام الموفق بعد ذلك إلى الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه

وأمر الناس عشية الجمعة بالمسير إلى حرب الخبثاء بكرة السبت وطاف عليهم هو بنفسه يعرف كل قائد مركزه والمكان الذي يقصده وغدا الموفق يوم السبت لثلاثين خلت من صفر

فعبر بالناس وأمر برد السفن فردت وسار يقدمهم إلى المكان الذي قدر أن يلقاهم فيه

وكان الخبيث وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم بعد انصراف الجيش عنهم وأملوا أن تتطاول بهم الأيام وتندفع عنهم المناجزة

فوجد الموفق المتسرعين من فرسان غلمانه والرجالة قد سبقوا الجيش فأوقعوا بالخبيث وأصحابه وقعة هزموهم بها

وتفرقوا لا يلوي بعضهم على بعض وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم

وانقطع الخبيث في جماعة من حماة أصحابه وفيهم المهلبي وفارقه ابنه انكلاي وسليمان بن جامع فقصد كل فريق منهم جمعا كثيفا من الجيش

فوضع أصحابه فيهم السلاح

ولقيهم طائفة أخرى فأوقعوا بهم أيضا وقتلوا منهم جماعة وأسروا سليمان بن جامع فاتوا به الموفق من غير عهد ولا عقد

فاستبشر الناس بأسره وكثر التكبير وأيقنوا بالفتح إذ كان أكثر أصحا الخبيث عتا عنه

وأسر من بعده إبراهيم بن جعفر الهمذاني وكان أحد أمراء جيوشه

فأمر الموفق بالاستيثاق منهم وجعلهم في شذاة لأبي العباس

ثم أن الزنج الذين انفردوا مع الخبيث حملوا على الناس حملة أزالوهم عن مواقفهم ففتروا فأحس الموفق بفتورهم فجد في طلب الخبيث وأمعن فتبعه أصحابه

وانتهى الموفق إلى آخر نهر أبي الخصيب فلقيه البشير بقتل الخبيث وأتاه بشير آخر ومعه كف

ذكر أنها كفه فقوي الخبر عنده

ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس الخبيث فأدناه منه وعرضه على جماعة من المستأمنة فعرفوه فخر لله ساجدا وسجد معه الناس

وأمر الموفق برفع رأسه على قناة فتأمله الناس فعرفوه وكثر الضجيج بالتحميد

وكان مع الخبيث لما أحيط به المهلبي وحده فولى عنه هاربا وقصد نهر الأمير فألقى نفسه فيه يريد النجاة

وكان انكلاي قد فارق أباه قبل ذلك وسار نحو الديناري ورجع الموفق ورأس الخبيث بين يديه وسليمان معه وأصحابه إلى مدينته وأتاه من الزنج عالم كبير يطلبون الأمان فأمنهم وانتهى إليه خبر إنكلاي والمهلبي ومكانهما ومن معهما من مقدمي الزنج فبث الموفق أصحابه في طلبهم وأمرهم بالتضييق عليهم

فلما أيقنوا أن لا ملجأ أعطوا بأيديهم فظفر بهم وبمن معهم وكانوا زهاء خمسة آلاف

فأمر بالاستيثاق من المهلبي

وإنكلاي وكان ممن هرب قرطاس الرومي الذي رمى الموفق بالسهم في صدره فانتهى إلى رامهرمز فعرفه رجل فدل عليه عامل البلد فأخذه وسيره إلى الموفق فقتله أبو العباس

وفيها استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد وكان درمويه من أنجاد الزنج وأبطالهم

وكان الخبيث قد وجهه قبل هلاكه بمدة إلى موضع كثير الشجر والأدغال والآجام متصل بالبطيحة

فكان هو ومن معه يقطعون الطريق هنالك على السابلة في زواريق خفاف فإذا طلبوا دخلوا الأنهار الصغار الضيقة واعتصموا بالأدغال وإذا تعذر عليهم مسلك لضيقه حملوا سفنهم ولجأوا إلى الأمكنة الوسيعة ويعبرون على قرى البطيحة ويقطعون الطريق فظفر بهم بجماعة من عسكر الموفق معهم نساء قد عادوا إلى منازلهم فقتل الرجال وأخذ النساء

فسألهن عن الخبر فأخبرته بقتل الخبيث وأسر أصحابه وقواده ومصير كثير منهم إلى الموفق بالأمان وإحسانه إليهم فسقط في يده ولم ير لنفسه ملجأ إلا طلب الأمان والصفح عن جرمه فأرسل يطلب الأمان فأجابه الومفق إليه فخرج وجيمع من معه حتى وافى بعسكره الموفق فأحسن إليهم وأمنهم

فلما اطمأن درمويه أظهر ما كان في يده من الأموال والامتعة وردها إلى أربابها ردا ظاهرا فعلم بذلك حسن نيته فازداد إحسان الموفق إليه وأمر أن يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل النواحي التي دخلها الزنج بالرجوع إلى أوطانهم فسار الناس إلى ذلك

وأقام الموفق بالمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه وولى البصرة والابلة وكور دجلة رجلا من قواده قد حمد مذهبه وعلم حسن سيرته يقال له العباس بن تركس وأمره بالمقام بالبصرة وولي قضاء البصرة والابلة وكور دجلة محمد بن حماد وقدم ابنه العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث ليراه الناس فبلغها لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة

وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين

وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين

وكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام

وقيل في أمر الموفق وأصحاب الزنج أشعار كثيرة

فمن ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي

( أقول وقد جاء البشير بوقعة % أعزت من الإسلام ما كان واهيا )

( جزى الله خير الناس للناس بعدما % أبيح حماهم خير ما كان جازيا )

( تفرد إذ لم ينصر الله ناصر % بتجديد دين كان أصبح باليا )

( وتجيجد ملك قد وهي بعده عزه % وأخذ بثارات تبين الأعاديا )

( ورد عمارات أزيلت وأخربت % ليرجع فيء قد تخزم وافيا )

( وترجع أمصار أبيحت وأحرقت % مرارا فقد أمست قواء عوفيا )

( ويشفي صدور المسلمين بوقعة % يقر بها منها العيون البواكيا )

( ويتلي كتاب الله في مسجد % ويلقى دعاء الطالبين خاسيا )

( فأعرض عن جناته ونعيمه % وعن لذة الدنيا وأصبح عاريا )

وهي قصيدة طويلة

وقال غيره في هذا المعنى أيضا شعرا كثيرا وقد انقضى أمر الزنج

ذكر الظفر بالروم ص 335

وفي هذه السنة خرجت الروم في مائة ألف فنزلوا على قلمية وهي على ستة أميال من طرسوس فخرج إليهم بازمار فبيتهم في ربيع الأول

فقتل منهم فيما يقال سبعين ألفا

( وقتل مقدمهم وهو بطريق البطارقة وقتل أيضا بطريق الفنادين وبطريق الباطليق

وأفلت بطريق قرة وبه عدة جراحات

وأخذ لهم سبع صلبان من ذهب وفضة وصليبهم الأعظم من ذهب مكلل بالجوهر

وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل

ومن السروج وغير ذلك وسيوفا محلاة وأربع كراسي من ذهب ومائتي كرسي من فضة وآنية كثيرة ونحوا من عشرة آلاف علم ديباج وديباجا كثيرا وبزيون وغير ذلك

ذكر وفاة الحسن بن زيد وولاية أخيه محمد ص 335

وفيها توفي الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام

وولى مكانه أخوه محمد بن زيد وكان الحسن جوادا امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم

وكان متواضعا لله تعالى حكي عنه أنه امتدحه شاعر فقال الله فرد وابن زيد فرد

فقال بفيك الحجر يا كذاب هلا قلت الله فرد وابن زيد عبد

ثم نزل عن مكانه وخر ساجدا لله تعالى وألصق خده بالتراب وحرم الشعر وكان عالما بالفقه والعربية

مدحه شاعر فقال

( لا تقل بشرى ولكن بشريان % غرة الداعي ويوم المهرجان )

فقال له كان الواجب أن تفتتح الأبيات بغير لا فإن الشاعر المجيد يتخير لأول القصيدة ما يعجب السامع ويتبرك به ولو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن

فقال له الشاعر ليس في الدنيا كلمة أجل من لا إله إلا الله وأولها لا فقال أصبت وأجازه وحكى عنه أنه غنى عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب التي أولها

( وأنا الأخضر من يعرفني % أخضر الجلدة من بيت العرب )

فلما وصل إلى قوله

( برسول الله وابن عمه % وبعباس بن عبد المطلب )

غير البيت فقال

( لا بعباس بن عبد المطلب % )

فغضب الحسن وقال يا ابن اللخناء تهجو بني عمنا بين يدي وتحرف ما مدحوا به لئن فعلتها مرة ثانية لأجعلنها آخر غنائك

ذكر وفاة أحمد بن طولون وولاية ابنه خمارويه ص 336

في هذه السنة توفي أحمد بن طولون صاحب مصر والشام والثغور الشامية

وكان سبب موته أن نائبة بطرسوس وثب عليه بازمار الخادم وقبض عليه وعصي على أحمد وأظهر الخلاف

فجمع أحمد العساكر وسار إليه

فلما وصل اذنة كاتبه وراسله يستميله فلم يلتفت إلى رسالته فسار إليه أحمد ونازله وحصره فخرق بازمار نهر البلد على منزلة العسكر فكاد الناس يهلكون

فرحل أحمد مغيظا حنقا

وكان الزمان شتاء

وأرسل بازمار إنني لم أرحل إلا خوفا أن تخترق حرمة هذا الثغر فيطمع فيه العدو

فلما عاد إلى أنطاكية أكل لبن الجواميس فأكثر منه فأصابه منه هيضة واتصلت حتى صار منها ذرب وكان الأطباء يعالجونه وهو يأكل سرا فلم ينجع الدواء فتوفي رحمه الله

وكانت امارته نحو ست وعشرين سنة

وكان عاقلا حازما كثير المعروف والصدقة متدينا يحب العلماء وأهل الدين

وعمل كثيرا من أعمال البر ومصالح المسلمين وهو الذي بنى قلعة يافا وكانت المدينة بغير قلعة

وكان يميل إلى مذهب الشافعي ويكرم أصحابه وولى بعده ابنه خمارويه وأطاعه القواد وعصي عليه نائب أبيه بدمشق فسير إليه العساكر فأجلوه وساروا من دمشق إلى شيرز

ذكر مسير إسحاق بن كنداجيق إلى الشام ص 337

لما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجيق على الموصل والجزيرة فطمع هو وابن أبي الساج في الشام واستصغرا أولاد أحمد وكاتبا الموفق بالله في ذلك واستمداه

فأمرهما بقصد البلاد ووعدهما إنفاذ الجيوش

فجمعا وقصدا ما يجاورهما من البلاد فاستوليا عليه وأعانهما النائب بدمشق لأحمد بن طولون ووعدهما الانحياز إليهما

فتراجع من بالشام من نواب أحمد بأنطاكية وحلب وحمص وعصى متولي دمشق واستولى إسحاق على ذلك

وبلغ الخبر إلى أبي الجيش خمارويه بن أحمد فسير الجيوش إلى الشام فملكوا دمشق وهرب النائب الذي كان بها

وسار عسكر خمارويه من دمشق إلى شيرز لقتال إسحاق بن إسحاق كنداجيق وابن أبي الساج فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق

وهجم الشتاء على الطائفتين وأضر بأصحاب ابن طولون فتفرقوا في المنازل بشيرز

ووصل العسكر العراقي إلى كنداجيق وعليهم أبو العباس أحمد بن الموفق وهو المعتضد بالله فلما وصل سار مجدا إلى عسكر خمارويه بشيرز فلم يشعروا حتى كبسهم في المساكن ووضع السيف فيهم فقتل منهم مقتلة عظيمة

وسار من سلم إلى دمشق على أقبح صورة

فسار المعتضد إليهم فجلوا عن دمشق إلى الرملة وملك هو دمشق ودخلها في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين

وأقام عسكر ابن طولون بالرملة فأرسلوا إلى خمارويه يعرفونه الحال فخرج من مصر في عساكره قاصدا الشام

ذكر عدة حوادث ص 338

وفيها في جمادى الأولى توفي هارون بن الموفق ببغداد يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى وفيها كان فداء أهل سندية على يد بازمار

وفيها في شعبان شغب أصحاب أبي العباس بن الموفق على صاعد بن مخلد وهو وزير الموفق وطلبوا الأرزاق وقاتلهم أصحاب صاعد وكان بينهم حرب شديدة قتل فيها جماعة وأسر من أصحاب أبي العباس جماعة

ولم يكن أبو العباس حاضرا كان قد خرج متصيدا ودامت الحرب إلى بعد المغرب ثم كف بعضهم عن بعض ثم وضع الغطاء من الغد واصطلحوا

وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق وبين ابن دعباش وكان ابن دعباش بالرقة عاملا عليها وعلى الثغور والعواصم لابن طولون وابن كنداجيق

على الموصل للخليفة

وفيها ابتدأ إسماعيل بن موسى بناء مدينة لاردة من الأندلس وكان مخالفا لمحمد صاحب الأندلس ثم صالحه في العام الماضي

فلما سمع صاحب برشلونة الفرنجي جمع وحشد وسار يريد منعه من ذلك

فسمع به إسماعيل فقصده وقاتله فانهزم المشركون وقتل أكثرهم وبقي أكثر القتلى في تلك الأرض دهرا طويلا

وفيها توفي محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني الحافظ ومحمد بن مسلم بن عثمان المعروف بابن وارة الرازي وكان إماما في الحديث وله فيه مصنفات

وفيها توفي داود بن علي الأصبهاني الفقيه إمام أصحاب الظاهر وكان مولده سنة اثنتين ومائتين

وفيها توفي مصعب بن أحمد بن مصعب أبو أحمد الصوفي الزاهد وهو من أقران الجنيد

وفيها مات ملك الروم وهو ابن صقلبية

وحج بالناس هارون بن محمد بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس

وفيها توفي خالد بن أحمد بن خالد السدوسي الذهلي الذي كان أمير خراسان ببغداد وكان قد قصد الحج فقبض عليه الخليفة المعتمد وحبسه فمات بالحبس

وهو الذي أخرج البخاري صاحب الصحيح من بخارى وخبره معه مشهور فدعا عليه البخاري فأدركته الدعوة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.