ذكر أخبار الزنج
ص 314
وفي هذه السنة رمي الموفق بسهم في صدره
وكان سبب ذلك أن بهبود لما هلك طمع العلوي فيما له من الأموال وكان قد صح عنده أن ملكه قد حوى مائتي ألف دينار وجوهرا وفضة
فطلب ذلك وأخذ أهله وأصحابه فضربهم وهدم أبنيته طمعا في المال
فلم يجد شيئا فكان فعله مما أفسد قلوب أصحابه عليه ودعاهم إلى الهرب منه
فأمر الموفق بالنداء بالأمان في أصحاب بهبود فسارعوا إليه فألحقهم في العطاء بمن تقدم
ورأى الموفق ما كان يتعذر عليه من العبور إلى الزنج في الأوقات التي تهب فيها الرياح لتحرك الأمواج
فعزم على أن يوسع لنفسه ولأصحابه موضعا في الجانب الغربي فأمر بقطع النخل وإصلاح المكان أن يعمل له الخنادق والسور ليأمن البيات
وجعل حماية العمالين فيه نوبا على قواده
فعلم صاحب الزنج وأصحابه أن الموفق إذا جاورهم قرب على من يريد اللحاق به المسافة مع ما يدخل قلوب أصحابه من الخوف وانتقاض تدبيره عليه فاهتموا بمنع الموفق من ذلك وبذلوا الجهد فيه وقاتلوا أشد قتال
فاتفق أن الريح عصفت في بعض تلك الأيام وقائد من القواد هناك
فانتهز الخبيث الفرصة في إنفاذ هذا القائد وانقطاع المدد عنه
فسير إليه جميع أصحابه فقاتلوه فهزموه
وقتلوا كثيرا من أصحابه
ولم يجد الشذاوات التي لأصحاب الموفق سبيلا إلى القرب منهم خوفا من الزنج أن تلقيها على الحجارة فتنكسر
فغلب الزنج عليهم وأكثروا القتل والأسر
ومن سلم منهم ألقى نفسه في الشذاوات وعبروا إلى الموفقية فعظم ذلك على الناس
ونظر الموفق فرأى أن نزوله بالجانب الغربي لا يأمن عليه حيلة الزنج وصاحبهم وانتهاز الفرصة لكثرة الأدغال وصعوبة المسالك وأن الزنج أعرف بتلك المضايق
وأجرأ عليها من أصحابه فترك ذلك وجعل قصده إلى هدم سور الفاسق وتوسعة الطريق والمسالك
فأمر بهدم السور من ناحية النهر المعروف بمكنى وباشر الحرب بنفسه واشتد القتال وكثر القتل والجراح من الجانبين ودام ذلك أياما عدة
وكان أصحاب الموفق لا يستطيعون الولوج لقنطرتين كانتا في نهر منكى كان الزنج يعبرون عليهما وقت القتال فيأتون أصحاب الموفق من وراء ظهورهم فينالون منهم فعمل الحيلة في إزالتهما
فأمر أصحابه بقصدهما عند اشتغال الزنج وغفلتهم من حراستهما وأمرهم أن يعدوا الفؤوس والمناشير وما يحتاجون إليه من الآلات فقصدوا القنطرة الأولى نصف النهار فأتاهم الزنج لمنعهم فاقتتلوا فانهزم الزنج وكان مقدمهم أبو الندى فأصابه سهم في صدره فقتله وقطع أصحاب الموفق القنطرتين ورجعوا
وألح الموفق على الخبيث بالحرب وهدم أصحابه من السور ما أمكنهم
ودخلوا المدينة وقاتلوا فيها وانتهوا إلى دار ابن سمعان وسليمان بن جامع فهدموهما ونهبوا ما فيهما
وانتهوا إلى سويقة للخبيث سماها الميمونة فهدمت وأخربت
وهدموا دار الحياتي وانتهبوا ما كان فيها من خزائن الفاسق
وتقدموا إلى الجامع ليهدموه فاشتد محاماة الزنج عنه
فلم يصل إليه أصحاب الموفق لأنه كان قد خلص مع الخبيث نخبة أصحابه وأرباب البصائر
فكان أحدهم يقتل أو يجرح فيجذبه الذي إلى جنبه ويقف مكانه
فلما رأى الموفق ذلك أمر أبا العباس بقصد الجامع من أحد أركانه بشجعان أصحابه وأضاف إلى الفعول للهدم ونصب السلاليم
ففعل ذلك وقاتل عليه أشد قتال فوصلوا إليه فهدموه فأخذ منبره فأتى به الموفق
ثم عاد الموفق لهدم السور فأكثر منه
وأخذ أصحابه دواوين الخبيث وبعض خزائنه فظهر للموفق أمارات الفتح
فإنهم لعلى ذلك إذ وصل سهم إلى الموفق فأصابه في صدره رماه به رومي كان مع صاحب الزنج اسمه قرطاس
وذلك لخمس بقين من جمادى الأولى فستر الموفق ذلك وعاد إلى مدينته وبات ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم الجراح ليشتد بذلك قلوب أصحابه
فزاد في علته وعظم أمرها حتى خيف عليه واضطرب العسكر والرعية وخافوا
فخرج من مدينة جماعة وأتاه الخبر وهو في هذه الحال بحادث في سلطانه
فأشار عليه أصحابه وثقاته بالعود إلى بغداد ويخلف من يقوم مقامه فأبى ذلك وخاف أن يستقيم من حال الخبيث ما فسد
واحتجب عن الناس مدة ثم برأ من علته وظهر لهم ونهض لحرب الخبيث وكان ظهوره في شعبان من هذه السنة
ذكر إحراق قصر صاحب الزنج
ص 316
لما صح الموفق من جراحه عاد إلى ما كان عليه من محاربة العلوي
وكان قد أعاد بناء بعض الثلم في السور
فأمر الموفق بهدم ذلك وهدم ما يتصل له
وركب في بعض العشايا وكان القتال ذلك اليوم متصلا مما يلي نهر منكى والزنج مجتعون فيه قد شغلوا أنفسهم بتلك الجهة وظنوا أنهم لا يأتون إلا منها فأتى الموفق ومعه الفعلة وقرب من نهر منكى وقاتلهم
فلما اشتدت الحرب أمر الذين بالشذاوات بالمسير إلى أسفل نهر أبي الخصيب وهو فارغ من المقاتلة والرجالة
فقدم أصحاب الموفق وأخرجوا الفعلة فهدموا السور من تلك الناحية
وصعد المقاتلة فقتلوا في النهر مقتلة عظيمة وانتهوا إلى قصور من قصور الزنج فأحرقوها وانتهبوا ما فيها واستنقذوا عددا كثيرا من النساء اللواتي كن فيها وغنموا منها
وانصرف الموفق عند غروب الشمس بالظفر والسلامة
وبكر إلى حربهم وهدم السور فأسرع الهدم حتى اتصل بدار الكلابي وهي متصلة بدار الخبيث فلما أعيت الخبيث الحيل أشار عليه علي بن أبان بإجراء الماء على السباخ التي يسلكها أصحاب الموفق لئلا يجدوا إلى سلوكها سبيلا وأن يحفر خنادق في مواضع عدة يمنعهم عن دخول المدينة ففعل ذلك
فرأى الموفق أن يجعل قصده لطم الخنادق والأنهار والمواضع المغورة فدام ذلك فحامى عنه الخبثاء
ودامت الحرب ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم وذلك لتقارب ما بين الفريقين
فلما رأى شدة الأمر من هذه الناحية قصد لإحراق دار الخبيث والهجوم عليها من دجلة
فكان يعوق عن ذلك كثرة ما أعد الخبيث لها من المقاتلة والحماة عن داره
فكانت الشذا إذا قربت من قصره رميت من فوق القصر بالسهام والحجارة من المجانيق والمقلاع وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم فتعذر إحراقها لذلك
فأمر الموفق أن تسقف الشذا بالأخشاب ويعمل عليها الجبس ويطلى بالأدوية التي تمنع النار من إحراقها
ففرغ منها ورتب فيها أنجاد أصحابه ومن النفاطين جمعا كثيرا
واستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان كاتب الخبيث وكان أوثق أصحابه في نفسه
وكان سبب استئمانه أن الخبيث أطلعه على أنه عازم على الخلاص وحده بغير أهل ولا مال
فلما رأى ذلك من عزمه أرسل يطلب الأمان فأمنه الموفق وأحسن إليه وقيل كان سبب خروجه أنه كان كارها لصحبة الخبيث مطلعا على كفره وسوء باطنه ولم يمكنه التخلص منه إلا الآن
ففارقه وكان خروجه عاشر شعبان
فلما كان الغد بكر الموفق إلى محاربة الخبثاء فأمر أبا العباس بقصد دار محمد الكرنابي وهي بإزاء دار الخبيث وإحراقها وما يليها من منازل قواد الزنج ليشغلهم بذلك عن حماية دار الخبيث
وأمر المرتبين في الشذا المطلية بقصد دار الخبيث وإحراقها ففعلوا ذلك
وألصقوا شذاواتهم بسور قصره وحاربهم الفجرة أشد حرب ونضحوهم بالنيران فلم تعمل شيئا
وأحرق من القصر الرواشين والأبنية الخارجية وعملت النار فيها وسلم الذين كانوا في الشذا مما كان الخبثاء يرسلونه عليهم بالظلال التي كانت بالشذا
وكان ذلك سببا لتمكينهم من قصره
وأمر الموفق الذين في الشذا بالرجوع فرجعوا
فأخرج من كان فيها من الغلمان ورتب غيرهم وانتظر إقبال المد وعلوه فلما أقبل عادت الشذا إلى قصره وأحرقوا بيوتا منه كانت تشرع على دجلة وأضرمت النار فيها واتصلت وقويت فأعجلت الخبيث ومن معه عن التوقف على شيء مما كان له من الأموال والذخائر وغير ذلك
فخرج هاربا وتركه كله وعلا غلمان الموفق قصره مع أصحابهم فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من الذهب والفضة والحلى وغير ذلك
واستنقذوا جماعة من النساء اللواتي كان الخبيث يأنس بهن ممن كان استرقهن
ودخلوا دوره ودور ابنه انكلاي فأحرقوها جميعا
وفرح الناس بذلك وتحاربوا هم وأصحاب الخبيث على باب قصره فكثر القتل في أصحابه والجراح والأسر
وفعل أبو العباس في دار الكرنابي من النهب والهدم والاحراق مثل ذلك
وقطع أبو العباس يومئذ سلسلة عظيمة كان الخبيث قطع بها نهر أبي الخصيب ليمنع الشذا من دخوله فحازها أبو العباس وأخذها معه
وعاد الموفق بالناس مع المغرب مظفرا وأصيب الفاسق في ماله ونفسه وولده ومن كان عنده من نساء المسلمين مثل الذي أصاب المسلمين منه من الذعر والجلاء وتشتت الشمل والمصيبة
وجرح ابنه انكلاي في بطنه جراحة أشفى منها على الهلاك
ذكر غرق نصير
ص 318
وفي يوم الأحد لعشر بقين من شعبان غرق أبو حمزة نصير وهو صاحب الشذاوات
وكان سبب غرقه أن الموفق بكر إلى القتال وأمر نصيرا بقصد قنطرة كان الخبيث عملها في نهر أبي الخصيب دون الجسرين اللذين كان اتخذهما على النهر وفرق أصحابه من الجهات
فعجل نصير فدخل نهر أبي الخصيب في أول المد في عدة من شذاواته فحملها الماء فألصقها بالقنطرة
ودخلت عدة من شذاوات الموفق مع غلمانه ممن لم يأمرهم بالدخول
فصكت شذاوات نصير وصك بعضها بعضا ولم يبق للملاحين فيها عمل
ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على جانبي النهر وألقى الملاحون أنفسهم في الماء خوفا من الزنج
ودخل الزنج الشذاوات فقتلوا بعض المقاتلة وغرق أكثرهم وصابرهم نصير حتى خاف الأسر فقذف نفسه في الماء فغرق
وأقام الموفق يومه يحاربهم وينهبهم ويحرق منازلهم ولم يزل يومه مستعليا عليهم
وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من أشد الناس قتالا لأصحاب الموفق وثبت مكانه حتى خرج عليه كمين للموفق فانهزم أصحابه وجرح سليمان جراحة في ساقه وسقط لوجهه في موضع كان فيه حريق وفيه بعض الجمر فاحترق بعض جسده وحمله أصحابه بعد أن كان يؤسر
وانصرف الموفق سالما ظافرا وأصاب الموفق مرض المفاصل فبقي به شهر شعبان وشهر رمضان وأياما من شوال
وأمسك عن حرب الزنج ثم برأ وتماثل فأمر بإعداد آلة الحرب
ذكر إحراق قنطرة العلوي صاحب الزنج
ص 319
ولما اشتغل الموفق بعلته أعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير وزاد فيها وأحكمها ونصب دونها أدقال ساج وألبسها الحديد وسكر أمام ذلك سكرا من حجارة ليضيق المدخل على الشذا وتحتد جرية الماء في النهر فندب الموفق أصحابه وسير طائفة من شرقي نهر أبي الخصيب وطائفة من غربيه وأرسل معهما النجارين والفعلة لقطع القنطرة وما جعل أمامها
وأمر بسفن مملوءة من القصب أن يصب عليها النفط وتدخل النهر ويلقي فيها النار ليحترق الجسر
وفرق جنده على الخبثاء ليمنعوهم عن معاونة من عند القنطرة
فسار الناس إلى ما أمرهم به عاشر شوال وتقدمت الطائفتان إلى الجسر فلقيهما انكلاي بن الخبيث وعلي بن أبان وسليمان بن جامع
واشتبكت الحرب ودامت وحامى أولئك عن القنطرة لعلمهم بما عليهم في قطعها من المضرة وأن الوصول إلى الجسرين العظيمين اللذين يأتي ذكرهما يسهل ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر
ثم أن غلمان الموفق أزالوا الخبثاء عنها وقطعها النجارون ونقضوها وما كان عمل من الادقال الساج
وكان قطعها قد تعذر عليهم فأدخلوا تلك السفن التي فيها القصب والنفط وأضرموها نارا فوافت القنطرة فأحرقوها
فوصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا وأمكن أصحاب الشذاوات دخول النهر فدخلوه وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن موقفهم إلى الجسر الأول الذي يتلو هذه القنطرة وقتل من الزنج خلق كثير واستأمن بشر كثير
وصل أصحاب الموفق إلى جسر المغرب فكره أن يدركهم الليل فأمرهم بالرجوع فرجعوا
وكتب إلى البلدان أن يقرأ على المنابر أن يؤتى المحسن على قد إحسانه ليزدادوا جدا في حرب عدوه
وأخرب من الغد برجين من حجارة كانوا عملوهما ليمنعوا بهما الشذاوات من الخروج من النهر إذا دخلته فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه
ذكر انتقال صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي وإحراق سوقه
ص 320
لما أحرقت دوره ومساكن أصحابه ونهبت أموالهم انتقلوا إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب وجمع عياله حوله ونقل أسواقه إليه فضعف أمره بذلك ضعفا شديدا ظهر للناس
فامتنعوا من جلب الميرة إليه فانقطعت عنه كل مادة
وبلغ الرطل من خبز البر عشرة دراهم
فأكلوا الشعير وأصناف الحبوب
ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كان أحدهم يأكل صاحبه إذا انفرد به والقوي يأكل الضعيف
ثم أكلوا أولادهم
ورأى الموفق أن يخرب الجانب الشرقي كما أخرب الغربي
فأمر أصحابه بقصد دار الهمذاني ومعهم الفعلة وكان هذا الموضع محصنا بجمع كثير وعليه عرادات ومنجنيقات وقسي
فاشتبكت الحرب وكثرت القتلى فانتصر أصحاب الموفق عليهم
وقتلوهم وهزموهم وانتهوا إلى الدار فتعذر عليهم الصعود إليها لعلو سورها
فلم تبلغه السلاليم الطوال
فرمى بعض غلمان الموفق بكلاليب كانت معهم فعلقوها في أعلام الخبيث وجذبوها فتساقطت الأعلام منكوسة
فلم يشك المقاتلة عن الدار في أن أصحاب الموفق قد ملكوها
فانهزموا لا يلوي أحد منهم على صاحبه
فأخذها أصحاب الموفق وصعد النفاطون وأحرقوها وما كان عليها من المجانيق والعرادات
ونهبوا ما كان فيها من المتاع والأثاث وأحرقوا ما كان حولها من الدور واستنقذوا ما كان فيها من النساء
وكن عالما كثيرا من المسلمات فحملن إلى الموفقية وأمر الموفق بالاحسان إليهن واستأمن يومئذ من أصحاب الخبيث وخاصته الذي يلون خدمته جماعة كثيرة فأمنهم الموفق وأحسن إليهم
ودلت جماعة من المستأمنة الموفق على سوق عظيمة كانت للخبيث متصلة بالجسر الأول تسمى المباركة وأعلموه إن أحرقها لم يبق لهم سوق غيرها
وخرج عنهم تجارهم الذين كان بهم قوامهم
فعزم الموفق على إحراقها وأمر أصحابه بقصد السوق من جانبيها فقصدوها
وأقبلت الزنج إليهم فتحاربوا أشد حرب تكون
واتصلت أصحاب الموفق إلى طرف من أطراف السوق وألقوا فيه النار فاحترق
واتصلت النار وكان الناس يقتتلون والنار محيطة بهم
واتصلت النار بظلال السوق فاحترقت وسقطت على المقاتلة واحترق بعضهم
فكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس ثم تحاجزوا ورجع أصحاب الموفق إلى عسكرهم
وانتقل تجار السوق إلى أعلى المدينة وكانوا قد نقلوا معظم أمتعتهم وأموالهم من هذه السوق خوفا من مثل هذه
ثم إن الخبيث فعل بالجانب الشرقي من حفر الخنادق وتغوير الطرق
مثل ما كان فعل الجانب الغربي بعد هذه الوقعة واحتفر خندقا عريضا حصن به منازل أصحابه التي كان على النهر الغربي
فرأى الموفق باقي السور إلى النهر الغربي
ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة
وكان للخبيث في الجانب الغربي جمع من الزنج قد تحصنوا بالسور وهو منيع وهم أشجع أصحابه فكانوا يحمون عنه وكانوا يخرجون على أصحاب الموفق عند محاربتهم على حرى كور وما يليه
وأمر الموفق أن يقصد هذا الموضع ويخرب سوره ويخرج من فيه
فأمر أبا العباس والقواد بالتأهب لذلك وتقدم إليهم
وأمر بالشذاوات أن تقرب من السور ونشبت الحرب ودامت إلى الظهر وهدم مواضع وأحرق ما كان عليه من العرادات
وتحاجز الفريقان وهما على السواء سوى هدم السور وإحراق عرادات كانت عليه فنال الفريقين من الجراح أمر عظيم
وعاد الموفق فوصل أهل البلاء والمجروحين على قدر بلائهم
وهكذا كان عمله في محاربتهم
وأقام الموفق بعد هذه الوقعة أياما ثم رأى معاودة هذا الموضع لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه وأنه لا يقدر على ما بينه وبين حرى كور إلا بعد إزالة هؤلاء
فأعد الآلات ورتب أصحابه وقصده وقاتل من فيه وأدخلت الشذاوات النهر واشتدت الحرب ودامت
وأمد الخبيث أصحابه بالمهلبي وسليمان بن جامع في جيشهما فحملوا على أصحاب الموفق حتى الحقوهم بسفنهم وقتلوا منهم جماعة
فرجع الموفق ولم يبلغ منهم ما أراد
وتبين له أنه كان ينبغي أن يقاتلهم من عدة وجوه لتخف وطأتهم على من يقصد هذا الموضع
ففعل ذلك وفرق أصحابه على جهات أصحاب الخبيث وسار هو إلى جهة النهر الغربي وقاتل من فيه وطمع الزنج بما تقدم من تلك الوقعة فصدقهم أصحاب الموفق القتال فهزموهم فولوا منهزمين وتركوا حصنهم في أيدي أصحاب الموفق فهدموه وغنموا ما فيه وأسروا وقتلوا خلقا لا تحصى وخلصوا من هذا الحصن خلقا كثيرا من النساء والصبيان
ورجع الموفق إلى عسكره بما أراد
ذكر استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية
ص 322
لما هدم الموفق دور الخبيث أمر بإصلاح المسالك لتتسع على المقاتلة الطريق للحرب
ثم رأى قلع الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضا
وأمر بسفينة كبيرة أن تملأ قصبا ويجعل فيها النفط ويوضع وسطها دقل طويل يمنعها من مجاورة الجسر إذا التصقت به
ثم أرسلها عند غفلة الزنج وقوة المد فوافت الجسر
وعلم بها الزنج فأتوها وطموها بالحجارة والتراب
ونزل بعضهم في الماء فنقبها فغرقت وكان قد احترق من الجسر شيء يسير فأطفأه الزنج
فعند ذلك اهتم الموفق بالجسر فندب أصحابه وأعد النفاطين والفعلة والفؤوس وأمرهم بقصده من غربي النهر وشرقيه
وركب الموفق في أصحابه وقصد فوهة نهر أبي الخصيب وذلك منتصف شوال سنة تسع وستين
فسبق الطائفة التي في غرب النهر فهزم الموكلين على الجسر وهم سليمان بن جامع وانكلاي ولد الخبيث وأحرقوه
وأتى بعد ذلك الطائفة الأخرى ففعلوا بالجانب الشرقي مثل ذلك وأحرقوا الجسر وتجاوزوه إلى جانب حظيرة كانت تعمل في سميريات الخبيث وآلاته واحترقذلك عن آخره إلا شيئا يسيرا من الشذاوات والسميريات كانت في النهر
وقصدوا سجنا للخبيث فقاتلهم الزنح عليه ساعة من النهار ثم غلبهم أصحاب الموفق عليه فأطلقوا من فيه وأحرقوا كل ما مروا به إلى دار مصلح وهو من قدماء أصحابه فدخلوها فنهبوها وما فيها وسبوا النساء وولده واستنقذوا خلقا كثيرا
وعاد الموفق وأصحابه سالمين
وانحاز الخبيث وأصحابه من هذا الجانب إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب واستولى الموفق على الجانب الغربي غير طريق يسير على الجسر الثاني
فأصلحوا الطرق فزاد ذلك في رعب الخبيث وأصحابه
فاجتمع كثير من أصحابه وقواده وأصحابه الذين كان يرى أنهم لا يفارقونه على طلب الأمان فبذل لهم فخرجوا إرسالا فأحسن الموفق إليهم وألحقهم بأمثالهم
ثم أن الموفق أحب أن يتمرن أصحابه بسلوك النهر ليحرق الجسر الثاني فكان يأمرهم بإدخال الشذاوات فيه وإحراق ما على جانبه من المنزل
فهرب إليه بعض الأيام قائد للزنج ومعه قاض كان لهم ومنبر ففت ذلك في اعضاد الخبثاء
ثم إن الخبيث وكل بالجسر الثاني من يحفظه وشحنه بالرجال
فأمر الموفق بعض أصحابه بإحراق ما عند الجسر من سفن ففعلوا حتى أحرقوها
فزاد ذلك في احتياط الخبيث وفي حراسته للجسر لئلا يحرق ويستولي الموفق على الجانب الغربي فيهلك
وكان قد تخلف من أصحابه جمع في منازلهم المقاربة للجسر الثاني وكان أصحاب الموفق يأتونهم ويقفون على الطريق الخفية
فلما عرفوا ذلك عزموا على إحراق الجسر الثاني
فأمر الموفق ابنه أبا العباس والقواد بالتجهز لذلك
وأمرهم أن يأتوا من عدة جهات ليوافوا الجسر وأعد معهم الفؤوس والنفط والآلات
ودخل هو في النهر بالشذاوات ومعه إنجاد غلمانه ومعهم الآلات أيضا
واشتبكت الحرب في الجانبين جميعا بين الفريقين واشتد القتال
وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ومن معه انكلاي بن الخبيث وسليمان بن جامع
وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد مولى الموفق ومن معه الخبيث والمهلبي في باقي الجيش
فدامت الحرب مقدار ثلاث ساعات ثم انهزم الخبثاء لا يلوون على شيء
وأخذت السيوف منهم مأخذها ودخل أصحاب الشذاوات النهر ودنوا من الجسر فقاتلوا من يحميه بالسهام وأضرموا نارا وكان من المنهزمين سليمان وإنكلاي وكانا قد أثخنا بالجراح فوافيا الجسر والنار فيه فحالت بينهما وبين العبور وألقيا أنفسهما في النهر ومن معهما
فغرق منهم خلق كثير
وأفلت انكلاي وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك وقطع الجسر وأحرق
وتفرق الجيش في مدينة الخبيث في الجانبين فأحرقوا من دروهم وقصورهم وأسواقهم شيئا كثيرا
واستنقذوا من النساء والصبيان ما لا يحصى
ودخلوا الدار التي كان الخبيث سكنها بعد إحراق قصره وأحرقوها ونهبوا ما كان فيها مما كان سلم معه
وهرب الخبيث ولم يقف ذلك اليوم على مواضع أمواله
واستنقذ في هذا اليوم نسوة من العلويات كن محبسات في موضع قريب من داره التي كان يسكنها
فأحسن الموفق إليهن وحملهن
وفتح سجنا كان له وأخرج منه خلقا كثيرا ممن كان يحارب الخبيث
ففك الموفق عنهم الحديد
وأخرج ذلك اليوم كل ما كان في نهر أبي الخصيب من شذاوات ومراكب بحرية وسفن صغار وكبار وحراقات وغير ذلك من أصناف السفن إلى دجلة فأباحها الموفق أصحابه مع ما فيها من السلب وكانت له قيمة عظيمة
وأرسل انكلاي بن الخبيث يطلب الأمان
وسأل أشياء فأجابه الموفق إليها فعلم أبوه بذلك فعذله ورده عما عزم عليه فعاد إلى الحرب ومباشرة القتال
ووجه سليمان بن موسى الشعراني وهو أحد رؤساء الخبيث يطلب الأمان فلم يجبه الموفق إلى ذلك لما كان قد تقدم منه سفك الدماء الفساد فاتصل به أن جماعة من رؤساء أصحاب الخبيث قد استوحشوا المنعة فأجابه إلى الأمان فأرسل الشذاوات إلى موضع ذكره فقاتلهم ووصل إلى الموفق فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى من معه وأمر بإظهاره لأصحاب الخبيث ليزدادوا ثقة
فلم يبرح من مكانه حتى استأمن جماعة من قواد الزنج منهم شبل بن سالم
فأجابه الموفقوأرسل إليه شذاوات فركب فيها هو وعياله وولده وجماعة من قواده
فلقيهم قوم الزنج فقاتلهم ونجا ووصل إلى الموفق فأحسن إليه ووصله بصلة جليلة وهو من قدماء أصحاب الخبيث فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما رأوا من رغبة رؤسائهم في الأمان
ولما رأى الموفق مناصحة شبل وجودة فهمه أمره أن يكفيه بعض الأمور
فسار ليلا في جمع من الزنج لم يخالطهم غيرهم إلى عسكر الخبيث يعرف مكانهم وأوقع بهم وأسر منهم وقتل وعاد
فأحسن إليه الموفق وإلى أصحابه
وصار الزنج بعد هذه الوقعة لا ينامون الليل ولا يزالون يتحارسون للرعب الذي دخلهم
وأقام الموفق ينفذ السرايا إلى الخبيث ويكيده ويحول بينه وبين القوت وأصحاب الموفق يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ويوسعونها
ذكر استيلاء الموفق على مدينة الخبيث الشرقية
ص 324
لما علم الموفق أن أصحابه قد تمرنوا على سلوك تلك الأرض وعرفوها صمم العزم على العبور إلى محاربة الخبيث من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب فجلس مجلسا عاما وأحضر قواد المستأمنة وفرسانهم فوقفوا بحيث يسمعون كلامه
ثم كلمهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم ومعصية الله عز وجل
وإن ذلك قد أحل له دماءهم وأنه غفر لهم زلتهم ووصلهم وإن ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته وأنهم لن يرضوا ربهم وسلطانهم بأكثر من الجد في مجاهدة الخبيث
وأنهم يعرفون مسالك العسكر ومضايق مدينته ومعاقلها التي أعدها فهم أولى أن يجتهدوا في الولوج على الخبيث والوغول إلى حصونه حتى يمكنهم الله منه فإذا فعلوا ذلك فلهم الاحسان والمزيد ومن قصر منهم فقد أسقط منزلته وحاله فارتفعت أصواتهم بالدعاء له والاعتراف بإحسانه وبما هم عليه من المناصحة والطاعة وإنهم يبذلون دماءهم في كل ما يقربهم منه
وسألوه أن يفردهم بناحية ليظهر من نكايتهم في العدو ما يعرف به اخلاصهم وطاعتهم
فأجابهم إلى ذلك وأثنى عليهم ووعدهم
وكتب في جمع السفن والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره إذ كان ما عنده يقصر عن الجيش لكثرته
وأحصى من في الشذاوات والسميريات وأنواع السفن
فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة سوى سفن أهل العسكر التي يحمل فيها الميرة ويركبها الناس في حوائجهم وسوى ما كان لكل قائد من السميريات والحربيات والزواريق
فلما تكاملت السفن تقدم إلى ابنه أبي العباس وقواده بقصد مدينة الخبيث الشرقية من جهاتها فسير ابنه أبا العباس إلى ناحية دار المهلبي أسفل العسكر
وكان قد شحنها بالرجال والمقاتلين
وأمر جميع أصحابه بقصد دار الخبيث وإحراقها فإن عجزوا عنها اجتمعوا على دار المهلبي وسار هو في الشذاوات وهي مائة وخمسون قطعة فيها إنجاز غلمانه وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة آلاف وأمرهم أن يسيروا على جانبي النهر معه إذا سار وأن يقفوا معه
إذا وقف ليتصرفوا بأمره
وبكر الموفق لقتال الفاسقين يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين
وكانوا قد تقدموا إليهم يوم الاثنين وواقعهم وتقدم كل طائفة إلى الجهة التي أمرهم بها فلقيهم الزنج واشتدت الحرب وكثر القتل والجراح في الفريقين
وحامى الفسقة عن الذي اقتصروا عليه من مدينتهم واستماتوا وصبروا فنصر الله أصحاب الموفق
فانهزم الزنج وقتل منهم خلق كثير وأسر من أنجادهم وشجعانهم جمع كثير
فأمر الموفق بضرب أعناق الأسرى في المعركة
وقصد بجمعه الدار التي يسكنها الخبيث وكان قد لجأ إليها وجمع أبطال أصحابه للمدافعة عنها فلم يغنوا عنها شيئا وانهزموا عنها وأسلموها
ودخلها أصحاب الموفق وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وولده وأثاثه
فنهب ذلك أجمع وأخذوا حرمه وأولاده وكانوا عشرين ما بين صبية وصبي
وسار الخبيث هاربا نحو دار المهلبي لا يلوي على أهل ولا مال واحترقت داره
وأتى الموفق بأهل الخبيث وأولاده فسيرهم إلى بغداد
وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار المهلبي وقد لجأ إليها خلق كثير من المنهزمين فغلبوهم عليها واشتغلوا بنهبها وأخذوا ما فيها من حرم المسلمين وأولادهم
وجعل من ظفر منهم بشيء حمله إلى سفينته فعلوا في الدار ونواحيها
فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم فقتلوا فيهم مقتلة يسيرة
وكان جماعة من غلمان الموفق الذين قصدوا دار الخبيث تشاغلوا بحمل الغنائم إلى السفن أيضا فأطمع ذلك الزنج فيهم فأكبوا عليهم فكشفوهم واتبعوا آثارهم
وثبت جماعة من أبطال الموفق فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى مواقفهم ودامت الحرب إلى العصر
فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم ففعلوا فانهزم الخبيث وأصحابه وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى داره أيضا
فرأى الموفق عند ذلك أن يصرف أصحابه إلى إحسانهم فردهم وقد غنموا واستنقذوا جمعا من النساء المأسورات كن يخرجن ذلك اليوم إرسالا فيحملن إلى الموفقية
وكان أبو العباس قد أرسل في ذلك اليوم قائدا
فأحرق ثم بيادر كانت ذخيرة للخبيث
وكان ذلك مما أضعف به الخبيث وأصحابه
ثم وصل إلى الموفق كتاب لؤلؤ غلام ابن طولون في القدوم عليه فأمره بذلك وأخر القتال إلى أن يحضر
ذكر خلاف لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون
ص 326
وفيها خالف لؤلؤ غلام أحمد بن طولون صاحب مصر على مولاه أحمد بن طولون وفي يده حمص وقنسرين وحلب وديار مضر من الجزيرة
وسار إلى بالس فنهبها
وكاتب الموفق في المسير إليه واشترط شروطا فأجابه أبو أحمد إليها وكان بالرقة فسار إلى الموفق فنزل قرقيسيا وبها ابن صفوان العقيلي فحاربه وأخذها منه وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق
وسار إلى الموفق فوصل إليه وهو يقاتل الخبيث العلوي
ذكر مسير المعتمد إلى الشام وعوده من الطريق
ص 327
وفيها سار المعتمد نحو مصر
وكان سبب ذلك أنه لم يكن له من الخلافة غير اسمها ولا ينفذ له توقيع لا في قليل ولا كثير وكان الحكم كله للموفق والأموال تجبى إليه
فضجر المعتمد من ذلك وأنف منه
فكتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه حاله سرا من أخيه الموفق فأشار عليه أحمد باللحاق به بمصر ووعده النصرة
وسير عسكرا إلى الرقة ينتظر وصول المعتمد إليهم
فاغتنم المعتمد غيبة الموفق عنه فسار في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد
فأقام بالكحيل يتصيد
فلما سار إلى عمل إسحاق بن كنداجيق وكان عامل الموصل وعامة الجزيرة وثب ابن كنداجيق بمن مع المعتمد من القواد فقبضهم وهم نيزك وأحمد بن خاقان
وخطارمش فقيدهم وأخذ أموالهم ودوابهم
وكان قد كتب إليه صاعد بن مخلد وزير الموفق عن الموفق
وكان سبب وصوله إلى قبضهم أنه أظهر أنه معهم في طاعة المعتمد إذ هو الخليفة ولقيهم لما صاروا إلى عمله وسار معهم عدة مراحل
فلما قارب عمل ابن طولون ارتحل الاتباع والغلمان الذين مع المعتمد وقواده
ولم يترك ابن كنداجيق أصحابه يرحلون
ثم خلا بالقواد عند المعتمد وقال لهم إنكم قاربتم عمل ابن طولون والأمر أمره وتصيرون من جنده وتحت يده
أفترضون بذلك وقد علمتم أنه كواحد منكم وجرت بينهم في ذلك مناظرة حتى تعالى النهار ولم يرحل المعتمد ومن معه
فقال ابن كنداجيق قوموا بنا نتناظر في غير حضرة أمير المؤمنين
فأخذ بأيديهم إلى خيمته لأن مضاربهم كانت قد سارت
فلما دخلوا خيمته قبض عليهم وقيدهم وأخذ سائر من مع المعتمد من القواد فقيدهم
فلما فرغ من أمورهم مضى إلى المعتمد فعذله في مسيره من دار ملكه وملك آبائه وفراق أخيه الموفق على الحال التي هو بها من حرب من يريد قتله وقتل أهل بيته وزوال ملكهم ثم حمله والذين كانوا معه حتى أدخلهم سامراء
ذكر الحرب بين عسكر ابن طولون وعسكر الموفق بمكة
ص 327
وفيها كانت وقعة بمكة بين جيش لأحمد بن طولون وبين عسكر الموفق في ذي القعدة
وكان سببها أن أحمد بن طولون سير جيشا مع قائدين إلى مكة فوصلوا إليها وجمعوا الحناطين والجزارين وفرقوا فيهم مالا وكان عامل مكة هارون بن محمد إذ ذاك ببستان ابن عامر قد فارقها خوفا منهم
فوافى مكة جعفر الناعمودي في ذي الحجة في عسكر وتلقاه هارون بن محمد في جماعة فقوي بهم جعفر والتقوا هم وأصحاب ابن طولون فاقتتلوا وأعان أهل خراسان جعفرا فقتل ن أصحاب ابن طولون مائتي رجل وانهزم الباقون في الجبال وسلبوا وأخذ أموالهم
وأخذ جعفر من القائدين نحو مائتي ألف دينار وأمن المصريين والجزاين والحناطين وقرأ كتاب في المسجد الجامع بلعن ابن طولون وسلم الناس وأموال التجار
ذكر عدة حوادث
ص 328
في المحرم من هذه السنة قطع الأعراب الطريق على قافلة من الحاج بين ثور وسميراء فسلبوهم وساقوا نحوا من خمسة آلاف بعير بأحمالها وأناسا كثيرا
وفيها انخسف القمر وغاب منخسفا وانكسفت الشمس فيه أيضا آخر النهار وغابت منكسفة فاجتمع في المحرم كسوفان
وفيها في صفر وثبت العامة ببغداد بإبراهيم الخليجي فانتهبوا داره
وكان سبب ذلك أن غلاما له رمى امرأة بسهم فقتلها فاستعدى السلطان عليه فامتنع ورمى غلمانه الناس فقتلوا جماعة وجرحوا جماعة
فثارت بهم العامة فقتلوا فيهم رجلين من أصحاب السلطان ونهبوا منزله ودوابه وخرج هاربا
فجمع محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكان نائب أبيه دواب إبراهيم وما أخذ له فرده عليه
وفيها وجه إلى أبي الساج جيش بعد ما انصرف من مكة فسيره إلى جده فأخذ للمخزومي مركبين فيهما مال وسلاح
وفيها وثب خلف صاحب أحمد بن طولون بالثغور الشامية وعامله عليها بازمار الخادم مولى الفتح بن خاقان فحبسه فوثب به جماعة من أهل الثغر فاستنقذوا بازمار وهرب خلف وتركوا الدعاء لابن طولون
فسار إليهم ابن طولون ونزل أذنة فاعتصم أهل طرسوس بها ومعهم بازمار فرجع عنهم ابن طولون إلى حمص ثم إلى دمشق فأقام بها
وفيها قام رافع بن هرثمة بما كان الخجستاني غلب عليه من مدن خراسان فاجتبى عدة من كور خراسان خراجها لبضع عشرة سنة فأفقر أهلها وأخربها
وفيها كانت وقعة بين الحسنيين والحسينيين بالحجاز والجعفريين فقتل من الجعفريين ثمانية نفر وخلصوا الفضل بن العباس العباسي عامل المدينة
وفيها في جمادى الآخرة عقد هارون بن الموفق لابن أبي الساج على الأنبار وطريق الفرات والرحبة وولى محمد بن أحمد الكوفة وسوادها فلقي محمد الهيصم العجلي فانهزم الهيصم
وفيها توفي عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني وبيده أرمينية وديار بكر
وفيها لعن المعتمد أحمد بن طولون في دار العامة وأمر بلعنه على المنابر وولى إسحاق بن كنداجيق على أعمال ابن طولون وفوض إليه من باب الشماسية إلى أفريقية وولى شرطة الخاصة وكان سبب هذا اللعن أن ابن طولون قطع خطبة الموفق وأسقط اسمه من الطرز فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعنه ففعل مكرها لأن هوى المعتمد كان مع ابن طولون
وفيها كانت وقعة بين ابن أبي الساج والأعراب فهزموه ثم بيتهم فقتل منهم وأسر
ووجه بالرؤوس والأسرى إلى بغداد
وفيها في شوال دخل ابن أبي الساج رحبة مالك بن طوق بعد أن قاتله أهلها فغلبهم وقتلهم وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشام
ثم سار ابن أبي الساج إلى قرقيسيا فدخلها وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي
وفيها خرج محمد بن الفضل أمير صقلية في عسكر إلى ناحية رمطة وبلغ العسكر إلى قطانية فقتل كثيرا من الروم وسبى وغنم ثم انصرف إلى بلرم في ذي الحجة
وفيها توفي أحمد بن مخلد مولى المعتصم وهو من دعاة المعتزلة وأخذ الكلام عن جعفر بن مبشر
وفيها توفي سليمان بن حفص بن أبي عصفور الأفريقي وكان معتزليا يقول بخلق القرآن وأراد أهل القيروان فسلم لذلك وصحب بشر المريسى وأبا الهذيل وغيرهما من المعتزلة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.