الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
49

ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين

الجزء السادس 5 عنصر صفحة 308
ذكر أخبار الزنج ص 308

في هذه السنة في المحرم خرج إلى الموفق من قواد الخبيث جعفر بن إبراهيم المعروف بالسحان وكان من ثقات الخبيث فارتاع لذلك

وخلع عليه الموفق وأحسن إليه وحمله في سميرية إلى إزاء قصر الخبيث

فكلم الناس من أصحابه وأخبرهم أنهم في غرور من الخبيث

وأعلمهم بما وقف عليه من كذب الخبيث وفجوره

فاستأمن في ذلك اليوم خلق كثير من قواد الزنج وغيرهم

فأحسن إليهم الموفق وتتابع الناس في طلب الأمان

ثم أقام الموفق لا يحارب ليريح أصحابه إلى شهر ربيع الآخر فلما انتصف ربيع الآخر قصد الموفق إلى مدينة الخبيث وفرق قواده على جهاتها وجعل مع كل طائفة منهم من النقابين جماعة لهدم السور

وتقدم إلى جميعهم أن لا يزيدوا على هدم السور ولا يدخلوا المدينة

وتقدم إلى الرماة أن يحموا بالسهام من يهدم السور وينقبه فتقدموا إلى المدينة من جهاتها وقابلوها فوصلوا إلى السور وثلموه في مواضع كثيرة

ودخل أصحاب الموفق وتبعوهم حتى أوغلوا في طلبهم

فاختلف بهم طرق المدينة فبلغوا أبعد من الموضع الذي وصلوا إليه في المرة الأولى

وأحرقوا وأسروا

وتراجع الزنج عليهم وخرج الكمناء من مواضع يعرفونها ويجهلها والآخرون فتحيروا ودافعوا عن أنفسهم وتراجعوا نحو دجلة بعد أن قتل منهم جماعة وأخذ الزنج أسلابهم ورجع الموفق إلى مدينته وأمر بجمعهم فلامهم على مخالفة أمره والإفساد عليه من رأية وتدبيره

وأمر بإحصاء من فقد وأقر ما كان لهم من رزق على أولادهم وأهليهم

فحسن ذلك عندهم وزاد في صحة نياتهم

ذكر الوقعة بين المعتضد والأعراب ص 309

في هذه السنة أوقع أبو العباس أحمد بن الموفق وهو المعتضد بالله بقوم من الأعراب كانوا يحملون الميرة إلى عسكر الخبيث فقتل منهم جماعة وأسر الباقين

وغنم ما كان معهم وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة

وسير الموفق رشيقا مولى أبي العباس فأوقع بقوم من بين تميم كانوا يجلبون الميرة إلى الخبيث فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم

فحمل الأسرى والرؤوس إلى الموفقية فأمر بهم الموفق فوقفوا بإزاء عسكر الزنج

وكان فيهم رجل يسفر بين صاحب الزنج والإعراب بجلب الميرة فقطعت يده ورجله وألقي في عسكر الخبيث وأمر بضرب أعناق الأسارى

وانقطعت الميرة بذلك عن الخبيث بالكلية فأضر بهم الحصار وأضعف أبدانهم

فكان يسأل الأسير والمستأمن عن عهده بالخبز فيقول عهدي به منذ زمان طويل

فلما وصلوا إلى هذا الحال رأى الموفق أن يتابع عليهم الحرب ليزيدهم ضرا وجهدا

فكثر المستأمنون في هذا الوقت وخرج كثير من أصحاب الخبيث فتفرقوا في القرى والأنهار البعيدة في طلب القوت

فبلغ ذلك الموفق فأمر جماعة من قواد غلمانه السودان بقصد تلك المواضع ويدعون من بها إليه فمن أبى قتلوه

فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأتاه أكثر منهم

فلما كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم فمن كان ذا قوة وجلد أحسن إليه وخلطهم بغلمانه ومن كان منهم ضعيفا أو شيخا أو جريحا قد أزمنته الجراحة كساه وأعطاه الدراهم وأمر به أن يحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك ويأمره بذكر ما رأى من إحسان الموفق إلى ما صار إليه وأن ذلك رأيه فيهم

فتهيأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث

وجعل الموفق وابنه أبو العباس يلازمان قال الخبيث تارة هذا وتارة هذا وجرح أبو العباس ثم برأ

وكان من جملة من قتل من أعيان قواد الخبيث بهبود بن عبد الوهاب وكان كثير الخروج في السميريات

وكان ينصب عليها أعلاما تشبه أعلام الموفق فإذا رأى من يستضعفه أخذه وأخذ من ذلك مالا جزيلا فواقعه في بعض خرجاته أبو العباس فأفلت بعد أن أشفى على الهلاك

ثم أنه خرج مرة أخرى فرأى سميرية فيها بعض أصحاب أبي العباس فقصدها طامعا في أخذها فحاربه أهلها فطعنه غلام من غلمان أبي العباس في بطنه فسقط في الماء فأخذه أصحابه فحملوه إلى عسكر الخبيث فمات قبل وصوله فأراح الله المسلمين من شره وكان قتله من أعظم الفتوح وعظمت الفجيعة على الخبيث وأصحابه واشتد جزعهم عليه

وبلغ الخبر الموفق بقتله فأحضر ذلك الغلام فوصله وكساه وطوقه وزاد في أرزاقه وفعل بكل من كان معه في تلك السميرية بنحو ذلك

ثم ظفر الموفق بالدوابني وكان ممايلا لصاحب الزنج

ذكر أخبار رافع بن هرثمة ص 310

لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني على ما ذكرناه وكان قتله هذه السنة اتفق أصحابه على رافع بن هرثمة فولوه أمرهم

وكان رافع هذا من أصحاب محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر

فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور وأزال الطاهرية صار رافع في جملته

فلما عاد يعقوب إلى سجستان صحبه رافع وكان طويل اللحية كريه الوجه قليل الطلاقة

فدخل يوما على يعقوب فلما خرج من عنده قال أنا لا أميل إلى هذا الرجل فليلحق بما شاء من البلاد

فقيل له ذلك ففارقه وعاد إلى منزله بتامين وهي من باذغيس وأقام به إلى أن استقدمه الخجستاني على ما ذكرناه وجعله صاحب جيشه

فلما قتل الخجستاني اجتمع الجيش عليه وهو بهراة فأمروه كما ذكرنا وصار رافع من هراة إلى نيسابور وكان أبو طلحة بن شركب قد وردها من جرجان فحصره فيها رافع وقطع الميرة عنه وعن نيسابور فاشتد الغلاء بها ففارقها أبو طلحة ودخلها رافع فأقام بها وذلك سنة تسع وستين ومائتين

فسار أبو طلحة إلى مرو وولى محمد بن مهتدى هراة وخطب لمحمد بن طاهر بمرو وهراة فقصده عمرو بن الليث فحاربه فهزمه واستخلف عمرو بمرو محمد بن سهل بن هاشم وعاد عنها

وخرج شركب إلى بيكند واستعان بإسماعيل بن أحمد الساماني فأمده بعسكره فعاد إلى مرو فأخرج عنها محمد بن سهل وأغار على أهل البلد وخطب لعمرو بن الليث وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين

وقلد الموفق تلك السنة أعمال خراسان محمد بن طاهر وكان ببغداد فاستخلف محمد على أعماله رافع بن هرثمة ما خلا ما وراء النهر فإنه أقر عليه نصر بن أحمد

ووردت كتب الموفق إلى خراسان بذلك وبعزل عمرو بن الليث ولعنه

فسار رافع إلى هراة وبها محمد بن مهتدي خليفة أبي طلحة شركب فقتله يوسف بن معبد وأقام بهراة

فلما وافاه رافع استأمن إليه يوسف فأمنه وعفا عنه

فاستعمل على هراة مهدي بن محسن فاستمد رافع إسماعيل بن أحمد فسار إليه بنفسه في أربعة آلاف فارس

واستقدم رافع أيضا علي بن الحسين المروروذي فقدم عليه فساروا بأجمعهم إلى شركب وهو بمرو فحاربوه فهزموه وعاد إسماعيل إلى محازل وذلك سنة اثنتين وسبعين ومائتيم

فسار شركب إلى هراة فطابقه مهدي وخالف رافعا فقصدهما رافع فهزمهما وأما شركب فإنه لحق بعمرو بن الليث وأما مهدي فإنه اختفى في سرب فدل عليه رافع فأخذه وقال له تبا لك يا قليل الوفاء ثم عفا عنه وخلى سبيله وسار رافع إلى خوارزم سنة اثنتين وسبعين فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور

ذكر الحوادث بالأندلس وبأفريقية ص 311

في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا مع ابنه المنذر إلى المخالفين عليه

فقصد مدينة سرقسطة فأهلك زرعها وخرب بلدها

وافتتح حصن روطة فأخذ منه عبد الواحد الروطي وهو من أشجع أهل زمانه وتقدم إلى دير تروجة وبلد محمد بن مركب بن موسى فهتكا بالغارة

وقصد مدينة لاردة

وقرطاجنة فكان فيها إسماعيل بن موسى فحاربه فأذعن إسماعيل بالطاعة وترك الخلاف وأعطى رهائنه على ذلك وقصد مدينة أنقرة وهي للمشركين فافتتح هنالك حصونا وعاد

وفيها أوقع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بأهل بلد الزاب وكان قد حضر وجوههم عنده فأحسن إليهم ووصلهم وكساهم وحملهم ثم قتل أكثرهم حتى الأطفال وحملهم على العجل إلى حفرة فألقاهم فيها

وفيها سارت سرية بصقلية مقدمها رجل يعرف بأبي الثور فلقيهم جيش الروم فأصيب المسلمون كلهم غير سبعة نفر وعزل الحسن بن العباس عن صقلية ووليها محمد بن الفضل

فبث السرايا في كل ناحية من صقلية وخرج هو في حشد وجمع عظيم

فسار إلى مدينة قطانية فأهلك رزعها ثم رحل إلى أصحاب الشلندية فقاتلهم فأصاب فيهم فأكثر القتل

ثم رحل إلى طبرمين فأفسد زرعها ثم رحل فلقي عساكر الروم فاقتتلوا فانهزم الروم وقتل أكثرهم

فكانت عدة القتلى ثلاثة آلاف قتيل ووصلت رؤوسهم إلى بلرم ثم سار المسلمون إلى قلعة كان الروم بنوها عن قريب وسموها مدينة الملك فملكها المسلمون عنوة وقتلوا مقاتلتها وسبوا من فيها

ذكر عدة حوادث ص 312

فيها سار عمرو بن الليث إلى فارس لحرب عاملها محمد بن الليث عليها فهزمه عمرو واستباح عسكره ونجا محمد ودخل عمرو اصطخر فنهبها وأصحابه ووجه في طلب محمد فظفر به وأخذه أسيرا

ثم سار إلى شيراز فأقام بها

وفيها زلزلت بغداد في ربيع الأول ووقع بها أربع صواعق

وفيها زحف العباس بن أحمد بن طولون لحرب أبيه فخرج إليه أبوه إلى الاسكندرية فظفر به ورده إلى مصر فرجع معه إليها وقد تقدم خبره سابقا

وفيها أوقع أخو شركب بالخجستاني وأخذ أمه

وفيها وثب ابن شبث بن الحسين فأسر عمر بن سيما عامل حلوان

وفيها انصرف أحمد بن أبي الأصبغ من عند عمرو بن الليث وكان عمرو قد أنفذه إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف فقدم معه بمال فأرسل عمرو إلى الموفق من المال ثلاثمائة ألف دينار وخمسين منا مسكا وخمسين منا عنبرا ومائتي من عودا وثلاثمائة ثوب وشي وآنية ذهب وفضة ودواب وغلمان بقيمة مائتي ألف دينار

وفيها ولي كيغلغ الخليل بن رمال حلوان فنالهم بالمكاره بسبب عمر بن سيما وأخذهم بجريرة ابن شبث وضمنوا له خلاص عمر واصلاح ابن شبث

وفيها كانت وقعة بين اذكوتكين بن أساتكين وبين أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف فهزمه اذكوتكين وغلبه على قم

وفيها وجه عمرو بن الليث قائدا بأمر أبي أحمد إلى محمد بن عبيد الله الكردي فأسره القائد وحمله إليه

وفيها في ذي القعدة خرج بالشام رجل من ولد عبد الملك بن صالح الشامي يقال له بكاربين سلمية وحلب وحمص فدعا لأبي أحمد فحاربه ابن عباس الكلابي

فانهزم الكلابي فوجه إلي لؤلؤا صاحب ابن طولون قائدا يقال له بوذر في عسكر فرجع وليس معه كبير أمر

وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على مولاه أحمد بن طولون

وفيها قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني في ذي الحجة قتله غلام له

وفيها قتل أصحاب أبى الساج محمد بن علي بن حبيب اليشكري بالقرية بناحية واسط ونصب رأسه ببغداد

وفيها حارب محمد بن كيجور علي بن الحسين كغتمر فأسر كغتمر ثم أطلقه وذلك في ذي الحجة

وفيها سار أبو المغيرة المخزومي إلى مكة وعاملها هارون بن محمد الهاشمي

فجمع هارون جمعا نحوا من ألفين احتمى بهم فسار المخزومي إلى عين مشاش فغور ماءها

وإلى جدة فنهب الطعام وأحرق بيوت أهلها فصار الخبز بمكة أوقيتان بدرهم

وفيها خرج ملك الروم المعروف بابن الصقلبية فنازل ملطية فأعانهم أهل مرعش والحدث فانهزم ملك الروم

وغزا الصائفة من ناحية الثغور الشامية الفرغاني عامل ابن طولون فقتل من الروم بضعة عشر ألفا وغنم الناس فبلغ السهم أربعني دينارا

وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي وابن أبي الساج على الأحداث والطريق

وفيها مات محمد بن عبد الله بن عبد الحكم البصري الفقيه المالكي

وكان قد صحب الشافعي وأخذ عنه العلم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.