ذكر أخبار الزنج
ص 291
وفيها غلب أبو العباس بن الموفق على عامة ما كان بيد سليمان بن جامع والزنج من أعمال دجلة
وهذا أبو العباس هو الذي صار خليفة بعد المعتمد فلقب المعتضد بالله
وكان سبب مسيره أن الزنج لما دخلوا واسط وعملوا بأهلها ما ذكرنا فبلغ ذلك الموفق فأمر ابنه بتعجيل المسير بين يديه إليهم
فسار في ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين وشيعه أبوه وسير معه عشرة آلاف من الرجالة والخيالة في العدة الكاملة
وأخذ معه الشذوات والسميريات والمعابر للرجالة فسار حتى وافى دير العاقول
وكان على مقدمته في الشذوات نصير المعروف بأبي حمزة
فكتب إليه نصير يخبره أن سليمان بن جامع قد وافى في خيله ورجله وشذاوات وسميريات والحياتي على مقدمته حتى نزل الجزيرة بحضرة بردرويا وأن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى نهر أبا بخيله ورجله في سميريات
فركب أبو العباس حتى وافى الصلح ووجه طلائعه ليعرف أخبارهم فعادوا وأعلموه بموافاة الزنج وجيشهم وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط
وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا إن أبا العباس فتى حدث غر بالحرب
والرأي لنا أن نرميه بحدنا كله ونجبهه في أول مرة نلقاه في إزالته فلعل ذلك يروعه فينصرف عنا
فجمعوا وحشدوا
فلما علم أبو العباس قربهم عدل عن سنن الطريق واعترض في مسيره ولقى أصحابه أوائل الزنج فتطاردوا لهم حتى طمعوا فيهم واغتروا واتبعوهم وجعلوا يقولون اطلبوا أمير المؤمنين للحرب فإن أميركم قد اشتغل بالصيد
فلما قربوا منه خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل وصاح بنصير إلى أين تتأخر عن هذه الأكلب فرجع نصير وركب أبو العباس سميرية وحف به أصحابه من جميع الجهات
فانهزمت الزنج وكثر القتل فيهم وتبعوهم إلى أن وصلوا قرية عبد الله وهي على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم به وأخذوا منهم خمس شذاوات وعدة سميريات وأسر جماعة واستأمن جماعة فكان هذا أول الفتح
فسار سليمان بن جامع إلى نهر الأمير وسار سليمان بن موسى الشعراني إلى سوق الخميس وانحدر أبو العباس فأقام بالعمر وهو على فرسخ من واسط وأصلح شذاواته وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم ثم إن سليمان استعد وحشد وجعل أصحابه في ثلاثة أوجه وقالوا إنه حدث غريغرر بنفسه وكمنوا له كمناء
فبلغ الخبر أبا العباس فحذورا وأقبلوا وقد كمنوا الكمناء ليغتر بأتباعهم فيخرج الكمين عليه
فمنع أبو العباس أصحابه أن يتبعوهم
فلما علموا أن كيدهم لم يتم خرج سليمان في الشذاوات والسميريات فأمر أبو العباس نصيرا أن يبرز إليهم وركب هو شذاة من شذاواته سماها الغزال ومعه جماعة من خاصته وأمر الخيالة بالمسير بإزائه على شاطئ النهر إلى أن ينقطع
فعبر دوابهم ونشبت الحرب بين الفريقين فوقعت الهزيمة على الزنج وغنم أبو العباس منهم أربع عشرة شذاة وأفلت سليمان والحياتي بعد أن أشفيا على الهلاك وبلغوا طهثا وأسلموا ما كان معهم
ورجع أبو العباس إلى معسكره وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذاوات والسميريات
وأقام الزنج عشرين يوما لا يظهر منهم أحد وجعلوا على طريق الخيل آبارا وجعلوا فيها سفافيد حديد وجعلوا على رؤوسها البواري والتراب ليسقط فيها المجتازون
فاتفق أنه سقط فيها رجل من الفراغنة ففطنوا لها وتركوا ذلك الطريق
واستمد سليمان صاحب الزنج فأمده بأربعين سميرية بآلاتها ومقاتلتها فعادوا للتعرض للحرب فلم يكونوا يثبتون لأبي العباس
ثم سير إليهم عدة سميريات فأخذها الزنج فبلغه الخبر وهو يتغدى فركب في سميرية ولم ينتظر أصحابه وتبعه منهم من خف
فأدرك الزنج فانهزموا وألقوا أنفسهم في الماء فاستنقذ سميرياته ومن كان فيها
وأخذ معهم إحدى وثلاثين سميرية ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس حتى دميت أبهامه
فلما رجع أمر لمن معه بالخلع وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج
ثم أن أبا العباس رأى أن يتوغل مازروان حتى يصير إلى الحجاجية ونهر الأمير ويعرف ما هناك فقدم نصيرا في أول السميريات وركب أبو العباس في سميرية ومعه محمد بن شعيب ودخل مازروان وهو يظن أن نصيرا أمامه فلم يقف له على خبر
وكان قد سار على غير طريق أبي العباس وخرج من مع أبي العباس من الملاحين إلى غنم رأوها ليأخذوها فبقي هو ومحمد بن شعيب فأتاهما جمع من الزنج من جانبي النهر فقاتلهم أبو العباس بالنشاب ووافاه زيرك في باقي الشذاوات فسلم أبو العباس وعاد إلى عسكره ورجع نصير وجمع سليمان بن جامع أصحابه وتحصن بطهثا وتحصن الشعراني وأصحابه بسوق الخميس وجعلوا يحملون الغلات إليها
وكذلك اجتمع بالصينية جمع كثير فوجه أبو العباس جماعة من قواده على الخيل إلى ناحية الصينية وأمرهم بالمسير في البر وإذا عرض لهم نهر عبروه وركب هو في الشذاوات والسميريات
فلما أبصرت الزنج الخيل خافوا ولجأوا إلى الماء والسفن فلم يلبثوا أن وافتهم الشذاوات مع أبي العباس فلم يجدوا ملجأ فاستسلموا فقتل منهم فريق وأسر فريق وألقى نفسه في الماء فريق وأخذ أصحاب أبي العباس سفنهم وهي مملوءة أرزا وأخذ الصينية وأزاح الزنج عنها فانحازوا إلى طهثا وسوق الخميس
وكان قد رأى أبو العباس كركيا فرماه بسهم فسقط في عسكر الزنج فعرف الزنج السهم فزاد ذلك في خوفهم
ورجع أبو العباس إلى عسكره وقد فتح الصينية وبلغه أن جيشا عظيما للزنج مع ثابت بن أبي دلف ولؤلؤ الزنجيين
فسار إليهم وأوقع بهم وقعة عظيمة وقت السحر فقتل منهم خلقا كثيرا منهم لؤلؤ وأسر ثابتا فمن عليه وجعله مع بعض قواده واستنقذ من النساء خلقا كثيرا فأمر بإطلاقهن وردهن إلى أهلهن وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه وأمر أصحابه أن يستريحوا للمسير إلى سوق الخميس
وأمر نصيرا بتعبية أصحابه للمسير فقال له إن نهر سوق الخميس ضيق فأقم أنت ونسير نحن فأبى عليه فقال له محمد بن شعيب إن كنت لا بد فاعلا فلا تكثر من الشذاوات ولا من الرجال فإن النهر ضيق
فسار إليه ونصير بين يديه إلى فم نهر مساور فوقف أبو العباس وتقدمه نصير في خمسة عشر شذاة في نهر براطق وهو الذي يؤدي إلى مدينة الشعراني التي سماها المنيعة في سوق الخميس
فلما غاب عنه نصير خرج جماعة كثيرة في البر على أبي العباس فمنعوه من الوصول إلى المدينة وقاتلوه قتالا شديدا من أول النهار إلى الظهر وخفي عليه خبر نصير وجعل الزنج يقولون قد قتلنا نصيرا واغتم أبو العباس لذلك وأمر محمد بن شعيب بتعرف خبره فسار فرآه عند عسكر الزنج وقد أحرقه وأضرم النار في مدينتهم وهو يقاتلهم قتالا شديدا فعاد إلى أبي العباس فأخبره فسر بذلك وأسر نصير من الزنج جماعة كثيرة ورجع حتى وافى أبا العباس فأخبره
ووقف أبو العباس يقاتلهم فرجعوا عنه وكمن بعض شذاواته وأمر أن يظهر واحدة منها فطمعوا فيها وتبعوها حتى أدركوها فعلقوا بسكانها فخرجت عليهم السفن المكمنة وفيها أبو العباس فانهزم الزنج وغنم أبو العباس منهم ست سميريات وانهزموا لا يلوون على شيء من الخوف ورجع إلى عسكره سالما وخلع على الملاحين وأحسن إليهم
ذكر وصول الموفق إلى قتال الزنج وفتح المنيعة
ص 294
وفيها في صفر سار الموفق عن بغداد إلى واسط لحرب الزنج
وكان سبب ذلك تأخره عن ابنه أبي العباس هذه المدة يجمع ويحشد الفرسان والرجالة ويستكثر من العدة التي يقوى بها على حرب الزنج
ويسد الجهات التي يخاف فيها لئلا يبقى له ما يشغل قلبه إلا أن الخبيث رئيس الزنج قد أرسل إلى علي بن أبان المهلبي يأمره بالاجتماع مع سليمان بن جامع على حرب أبي العباس فخاف
وهنا يتطرق إلى ابنه أبي العباس فسار عن بغداد في صفر فوصل إلى واسط في ربيع الأول فلقيه ابنه وأخبره بحال جنده وقواده فخلع عليه وعليهم ورجع أبو العباس إلى معسكره بالعمر ثم نزل الموفق على نهر شداد بإزاء قرية عبد الله وأمر ابنه فنزل شرقي دجلة بإزاء فوهة بردودا وولاه مقدمته وأعطى الجيش أرزاقهم وأمر ابنه أن يسير بما معه من آلات الحرب إلى فوهة نهر مساور فرحل في نخبة أصحابه
ورحل الموفق بعده فنزل فوهة ابن مساور فأقام يومين ثم رحل إلى المدينة التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة
وسلك بالسفن في نهر مساور وسارت الخيل بإزائه شرقي ابن مساور حتى جاوزوا برطق الذي يوصل إلى المنيعة وأمر بتعبير الخيل وتصييرها من الجانبين وأمر انه أبا العباس بالتقدم بالشذاوات بعامة الجيش ففعل فلقيه الزنج فحاربوه حروبا شديدة
ووافاهم أبو أحمد الموفق والخيل من جانبي النهر فلما رأوا ذلك انهزموا وتفرقوا وعلا أصحاب أبي العباس السور ووضعوا السيوف فيمن لقيهم ودخلوا المدينة فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأسروا عالما عظيما وغنموا ما كان فيها
وهرب الشعراني ومن معه وتبعه أصحاب الموفق إلى البطائح فغرق منهم خلق كثير ولجأ الباقون إلى الآجام
ورجع أبو أحمد إلى معسكره من يومه وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأة سوى من ظفر به من الزنجيات وأمر أبو أحمد بحفظ النساء وحملهن إلى واسط ليدفعن إلى أهلهن ثم بكر إلى المدينة فأمر الناس بأخذ ما فيها
فأخذ جميعه وأمر بهدم سورها وطم خندقها وإحراق ما بقي فيها من السفن وأخذوا من الطعام والشعير والأرز وغير ذلك ما لا حد عليه فأمر ببيع ذلك وصرفه إلى الجند
ولما انهزم سليمان لحق بالمراز وكتب إلى الخائن صاحب الزنج بذلك فورد الكتاب عليه وهو يتحدث فانحل بطنه فقام إلى الخلاء دفعات
وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني ويأمره بالتيقظ
وأقام الموفق بنهر مساور يومين يتعرف أخبار الشعراني وسليمان بن جامع فأتاه من أخبره أن سليمان بن جامع بالجوانيت فسار حتى وافى الصينية وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم بالشذاوات والسميريات إلى الجوانيت متخفيا فسار أبو العباس إليها فلم ير سليمان بها
ورأى هناك جمعا من الزنج مع قائدين لهم خلفهم سليمان بن جامع هناك لحفظ غلات كثيرة لهم فيها فحاربهم أبو العباس ودامت الحرب إلى أن حجز بينهم الليل
واستأمن إلى أبي العباس رجل فسأله عن سليمان بن جامع فأخبره أنه مقيم بطهثا
بمدينته التي سماها المنصورة فعاد أبو العباس إلى أبيه بالخبر فأمره بالمسير إليه فسار حتى نزل بردودا فأقام بالإصلاح ما يحتاج إليه واستكثر من الآلات التي يسد بها الأنهار ويصلح بها الطرق للخيل وخلف ببردودا بفراج التركي
ذكر استيلاء الموفق على طهثا
ص 296
لما فرغ الموفق من الذي يحتاج إليه سار عن بردودا إلى طهثا لعشر بقين من ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين
وكان مسيره على الظهر في خيله وانحدرت السفن والآلات فنزل بقرية الجوزية وعقد جسرا ثم غدا فعبر خيله عليه ثم عبر بعد ذلك فسار حتى نزل معسكرا على ميلين من طهثا فأقام هنالك يومين ومطرت السماء مطرا شديدا فشغل عن القتال ثم ركب لينظر موضعا للحرب فانتهى إلى قريب من سور مدينة سليمان بطهثا وهي التي سماها المنصورة فتلقاه خلق كثير وخرج عليهم كمناء من مواضع شتى
واشتدت الحرب وترجل جماعة من الفرسان وقاتلوا حتى خرجوا عن المضيق الذي كانوا فيه وأسروا من غلمان الموفق جماعة ورمى أبو العباس بن الموفق أحمد بن هندي الحيامي بسهم خالط دماغه فسقط وحمل إلى العلوي صاحب الزنج فلم يلبث أن مات
فحضره الخبيث وصلى عليه وعظمت لديه المصيبة بموته إذ كان أعظم أصحابه عناء عنه
وانصرف الموفق إلى عسكره وقت المغرب وأمر أصحابه بالتحارس ليلتهم والتأهب للحرب
فلما أصبحوا وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر عبى الموفق أصحابه وجعلهم كتائب يتلو بعضهم بعضا فرسانا ورجالة
وأمر بالشذاوات والسميريات أن يسار بها إلى النهر الذي يشق مدينة سليمان وهو النهر المعروف بنهر المنذر ورتب أصحابه في المواضع التي يخاف منها ثم نزل فصلى أربع ركعات وابتهل إلى الله تعالى في النصر
ثم لبس سلاحه وأمر ابنه أبا العباس أن يتقدم إلى السور فتقدم إليه فرأى خندقا فأحجم الناس عنه
فحرضهم قوادهم وترجلوا معهم فاقتحموه وعبروه وانتهوا إلى الزنج وهم على سورهم
فلما رأى الزنج تسرعهم إليهم ولوا منهزمين واتبعهم أصحاب أبي العباس فدخلوا المدينة
وكان الزنج قد حصنوها بخمسة خنادق وجعل أمام كل خندق سورا
فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق
فكشفهم أصحاب أبي العباس ودخلت الشذاوات والسميريات المدينة من النهر فجعلت تغرق كل ما مرت لهم به من سميرية وشذاة
وقتلوا من بجانبي النهر وأسروا حتى أجلوهم عن المدينة وعما اتصل بها
وكان مقدار العمارة فيها فرسخا
وحوى الموفق ذلك كله
وافلت سليمان بن جامع ونفر من أصحابه وكثر القتل فيهم والأسر
واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط والكوفة والقرى وغيرها وصبيانهم أكثر من عشرين ألفا فأمر أبو أحمد بحملهم إلى واسط ودفعهم إلى أهليهم
وأخذ ما كان فيها من الذخائر والأموال وأمر بصرفه إلى الأجناد
وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة وتخلص من كان أخذ من أصحاب الموفق
ونجا جمع كثير إلى الآجام
فأمر أصحابه بطلبهم فأقام سبعة عشر يوما وهدم سور المدينة وطم خنادقها
وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلا فكان إذا أتى بالواحد منهم عفا عنه وضمه إلى قواده وغلمانه لما كان دبره من استمالتهم
وأرسل في طلب سليمان بن جامع حتى بلغوا دجلة العوراء فلم يظفروا به وأمر زيرك بالمقام بطهثا ليتراجع إلى تلك الناحية أهلها ويأمنوا
ذكر مسير الموفق إلى الأهواز وإجلاء الزنج عنها
ص 297
فلما فرغ أبو أحمد الموفق من المنصور رحل نحو الأهواز لإصلاحها وإجلاء الزنج عنها
فأمر ابنه أبا العباس أن يتقدمه فأمر بإصلاح الطريق للجيوش
واستخلف على من ترك من عسكره بواسط ابنه هارون ولحقه زيرك فأخبره بعود أهلها طهثا إليها وأمن الناس فأمره الموفق بالانحدار في الشذاوات والسميريات مع نصير
وتتبع المنهزمين والإيقاع بهم وبمن ظفروا به من الزنج حتى ينتهي إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخصيب
وسار وارتحل الموفق مستهل جمادى الآخرة من واسط حتى أتى السوس وأمر مسرورا بالقدوم عليه وهو عامله هناك فأتاه
وكان الخبيث لما بلغه ما عمل الموفق بسليمان بن جامع والزنج خاف أن يأتيه وهو على حال تفرق أصحابه عنه وكتب إلى علي بن أبان بالقدوم عليه وكان بالأهواز في ثلاثين ألفا فترك جميع ما كان عنده من طعام ودواب وأغنام وغير ذلك
واستخلف عليه محمد بن يحيى الكرنبائي فلم يقم واتبع عليا وكتب صاحب الزنج أيضا إلى بهبود بن عبد الوهاب وهو بالفيدم والباسيان وما اتصل بهما يأمره بالقدوم عليه فترك ما كان عنده من الذخائر وسار نحوه فحوى ذلك جميعه الموفق وقوي به على حرب الخبيث
ولما سار علي بن أبان عن الأهواز تخلف بها جمع من أصحابه زهاء ألف رجل فأرسلوا إلى الموفق يطلبون الأمان فأمنهم فقدموا عليه فأجرى عليهم الأرزاق ثم رحل عن السوس إلى جنديسابور وتستر وجبى الأموال
ووجه إلى محمد بن عبيد الله الكردي وكان خائفا منه فأمنه وعفا عنه فطلب منه الأموال والعساكر فحضر عنده فأحسن إليه
ثم رحل إلى عسكر مكرم ووافى الأهواز ثم رحل عنها إلى نهر المبارك من فرات البصرة
وكتب إلى ابنه هارون ليوافيه بجميع الجيش إلى نهر المبارك فلقيه الجيش بالمبارك منتصف رجب وكان زيرك ونصير لما خلفهما الموفق ليتبعا الزنج انحدروا حتى وافيا الأبلة فاستأمن إليهما رجل أخبرهما أن الخبيث قد أنفذ إليهما عددا كثيرا في الشذاوات والسميريات إلى دجلة ليمنع عنها من يريدها
فإنهم يريدون عسكر نصير وكان عسكره بنهر المرأة فرجع نصير إلى عسكره من الأبلة لما بلغه ذلك وسار زيرك من طريق آخر لأنه قدر أن الزنج يأتي عسكر نصير من ذلك الوجه فكان كذلك فلقيهم في طريقهم فظفر بهم وانهزموا منه وكانوا قد جعلوا كمينا فدل زيرك عليه فتوغل حتى أتاه فقتل من الكمناء جماعة وأسر جماعة
وكان ممن ظفر به مقدم الزنج وهو أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري وهو من أكابر قوادهم وأخذ منهم ما يزيد على ثلاثين سميرية فجزع لذلك جميع الزنج فاستأمن إلى نصير منهم زهاء ألفي رجل فكتب بذلك إلى الموفق فأمره بقبولهم والإقبال إليه بالنهر المبارك فوافاه هناك
وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى محاربة العلوي بنهر أبي الخصيب فسار إليه فحاربه من بكرة إلى الظهر فاستأمن إليه قائد من قواد العلوي ومعه جماعة فكسر ذلك الخبيث وعاد أبو العباس بالظفر
وكتب الموفق إلى العلوي كتابا يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان واستحلال الفروج والأموال وادعاء النبوة والرسالة ويبذل له الأمان
فوصل الكتاب إليه فقرأه ولم يكتب جوابه
ذكر محاصرة مدينة صاحب الزنج
ص 299
لما أنفذ الموفق الكتاب إلى العلوي ولم يرد جوابه عرض عسكره وأصلح آلاته ورتب قواده ثم سار هو وابنه أبو العباس في العشرين من رجب إلى مدينة الخبيث التي سماها المختارة وأشرف عليها وتأملها ورأى حصانتها بالأسوار والخنادق وغور الطريق إليها وما أعد من مجانيق والعرادات والقسي وسائر الآلات على سورها مما لم ير مثله لمن تقدم من منازعي السلطان ورأى من كثرة عدد المقابلة ما استعظمه
فلما عاين الزنج أصحاب الموفق ارتفعت أصواتهم حتى ارتجت الأرض فأمر الموفق ابنه بالتقدم إلى سور المدينة والرمي لمن عليه بالسهام فتقدم حتى الصق شذاواته بمسناة قصر الخبيث
فكثر الزنج وأصحابهم على أبي العباس ومن معه وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم ومقاليعهم ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم حتى ما يقع الطرف إلا على سهم أو حجر
وثبت أبو العباس فرأى العلوي من صبره وثبات أصحابه ما لا رأى مثله من أحد حاربهم ثم أمرهم الموفق بالرجوع ففعلوا
واستأمن إلى الموفق مقاتلة في سميريتين فأمنهم على من فيهما من المقاتلة والملاحين على أقدارهم ووصلهم وأمر بإدنائهم إلى موضع يراهم فيه نظراؤهم وكان ذلك من أنجع المكايد فلما رآهم الباقون رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه وابتدروا إليه فصار إلى الموفق عدد كثير ذلك اليوم من أصحاب السميريات فعمهم بالخلع والصلات
فلما رأى صاحب الزنج ذلك أمر برد أصحاب السميريات إلى نهر أبي الخصيب ووكل بفوهة النهر من يمنعهم من الخروج وأمر بهبود وهو نم أشرس قواده أن يخرج في الشذاوات فخرج وبرز إليه أبو العباس في شذاواته وقاتله واشتدت الحرب فانهزم بهبود إلى فناء قصر الخبيث وأصابته طعنتان وجرح بالسهام وأوهنت أعضاؤه بالحجارة فأولجوه نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت فقتل ممن كان معه قائد ذو بأس يقال له عميرة وظفر أبو العباس بشذاة فقتل أهلها ورجع هو ومن معه سالمين
فاستأمن إلى أبي العباس أهل شذاة منهم فأمنهم وأحسن إليهم وخلع عليهم
ورجع الموفق ومن معه إلى عسكره بالنهر المبارك واستأمن إليه عند منصرفه خلق كثير فأمنهم وخلع عليهم ووصلهم وأثبت أسماءهم مع أبي العباس وأقام في عسكره يومين ثم نقل عسكره لست بقين من رجب إلى نهر جطى فنزله وأقام به إلى منتصف شعبان لم يقاتل
ثم ركب منتصف شعبان في الخيل والرجال وأعد الشذاوات والسميريات وكان من معه من الجند والمتطوعة زهاء خمسين ألفا وكان من مع الخبيث أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان كلهم من يقاتل بسيف أو رمح أو قوس أو مقلاع أو منجنيق وأضعفهم رماة الحجارة من أيديهم وهم بالنظارة والنساء تشركهم في ذلك
فأقام أبو أحمد ذلك اليوم ونودي بالأمان للناس كافة إلا الخبيث
وكتب الأمان في رقاع ورماها في السهام ووعد فيها الإحسان فمالت قلوب أصحاب الخبيث واستأمن ذلك اليوم خلق كثير فخلع عليهم ووصلهم ولم يكن ذلك اليوم حرب
ثم رحل من نهر جطى من الغد فعسكر قرب مدينة الخبيث ورتب قواده وأجناده وعين لكل طائفة موضعا يحافظون عليه ويضبطونه
وكتب الموفق إلى البلاد في عمل السميريات والشذاوات والزواريق والإكثار منها ليضبط بها الأنهار ليقطع الميرة عن الخبيث وأسس في منزلته مدينة سماها الموفقية وكتب إلى عماله في النواحي بحمل الأموال والميرة في البر والبحر إلى مدينته وأمرهم بإنفاذ من يصلح للإثبات في الديوان وأقام ينتظر ذلك شهرا
فوردت عليه الميرة متتابعة وجهز التجار صنوف التجارات إلى الموفقية واتخذت فيها الأسواق وردتها مراكب البحر
وبنى الموفق بها المسجد الجامع وأمر الناس بالصلاة فيه
فجمعت هذه المدينة من المرافق وسيق إليها من صنوف الأشياء ما لم يكن في مصر من الأمصار القديمة وحملت الأموال وأدرت الأرزاق وعبرت طائفة من الزنج فنهبوا أطراف عسكر نصير وأوقعوا به فأمر الموفق نصيرا بجمع عسكره وضبطهم
وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى طائفة من الزنج كانوا خارج المدينة فقاتلهم فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم ما كان معهم
فصار إليه طائفة منهم في الأمان فأمنهم وخلع عليهم ووصلهم
وأقام أبو أحمد يكايد الخبيث ببذل الأموال لمن صار إليه ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم
وكانت قافلة قد أتت من الأهواز وأسرى إليها بهبود في سميريات فأخذها وعظم ذلك على الموفق وغرم لأهلها ما أخذ منهم وأمر بترتيب الشذاوات على مخارج الأنهار
وقلد ابنه أبا العباس الشذاوات وحفظ الأنهار بها من البحر إلى المكان الذي هم به
وفي رمضان عبر طائفة من أصحاب الخبيث يريدون الإيقاع بنصير فنذر بهم الناس فخرجوا إليهم فردوهم خائبين
وظفروا بصندل الزنجي وكان يكشف رؤوس المسلمات ويقلبهن تقليب الإماء
فلما أتى به أمر الموفق أن يرمى بالسهام ثم قتله
واستأمن إلى الموفق من الزنج خلق كثير فبلغت عدة من استأمن إليه في آخر رمضان خمسين ألفا
وفي شوال انتخب صاحب الزنج من عسكره خمسة آلاف من شجعانهم وقوادهم
وأمر علي بن أبان المهلبي بالعبور لكبس عسكر الموفق فكان فيهم أكثر من مائتي قائد فعبروا ليلا واختفوا في آخر النخل وأمرهم إذا ظهر أصحابهم وقاتلوا الموفق من بين يديه ظهروا وحملوا على عسكره وهم غارون مشاغيل بحرب من أمامهم
فاستأمن منهم إنسان من الملاحين فأخبر الموفق فسير ابنه أبا العباس لقتالهم وضبط الطرق التي يسلكونها فقاتلوا قتالا شديدا وأسر أكثرهم وغرق منهم خلق كثير وقتل بعضهم ونجا بعضهم
فأمر أبو العباس أن يحمل الأسرى والرؤوس والسميريات ويعبر بهم على مدينة الخبيث ففعلوا
وبلغ المفوفق أن الخبيث قال لأصحابه إن الأسرى من المستأمنة وأن الرؤوس تمويهع عليكم
فأمر بإلقاء الرؤوس في منجنيق إليهم
فلما رأوها عرفوها فأظهروا الجزع والبكاء وظهر لهم كذب الخبيث
وفيها أمر الخبيث باتخاذ شذاوات فعملت له فكانت له خمسون شذاة فقسمها بين ثلاثة من قواده وأمرهم بالتعرض لعسكر الموفق وكانت شذاوات الموفق يومئذ قليلة لأنه لم يصل إليه ما أمر بعمله
والتي كانت عنده منها فرقها على أفواه الأنهار لقطع الميرة عن الخبيث
فخافهم أصحاب الموفق فورد عليهم شذاوات
كان الموفق أمر بعملها فسير ابنه أبا العباس ليوردها خوفا عليها من الزنج
فلما أقبل بها رآها الزنج فعارضوها بشذاواتهم فقصدهم غلام لأبي العباس ليمنعهم وقاتلهم فانكشفوا بين يديه
وتبعهم حتى أدخلهم نهر أبي الخصيب وانقطع عن أصحابه فعطفوا عليه فأخذوه ومن معه بعد حرب شديدة فقتلوا
وسلمت الشذاوات مع أبي العباس وأصلحها ورتب فيها من يقاتل
ثم أقبلت شذاوات العلوي على عادتها فخرج إليهم أبو العباس في أصحابه فقاتلهم فهزمهم وظفر منهم بعدة شذاوات
فقتل منهم من ظفر به فيها
فمنع الخبيث أصحابه من الخروج عن فناء قصره
وقطع أبو العباس الميرة عنهم فاشتد جزع الزنج
وطلب جماعة من وجوه أصحابه الأمان فأمنوا
وكان منهم محمد بن الحرث القمي وكان إليه ضبط السور مما يلي عسكر الموفق
فخرج ليلا فأمنه الموفق ووصله بصلات كثيرة له ولمن خرج معه وحمله على عدة دواب بآلاتها وحليتها
وأراد إخراج زوجته فلم يقدر فأخذها الخبيث فباعها
ومنهم أحمد اليربوعي وكان من أشجع رجال العلوي وغيرهما
فخلع عليهم ووصلهم بصلات كثيرة
ولما انقطعت النيرة والمواد عن العلوي أمر شبلا وأبا البذي وهما من رؤساء قواده يثق بهم بالخروج إلى البطيحة في عشرة آلاف من ثلاث وجوه للغارة على المسلمين
وقطع الميرة عن الموفق فسير الموفق إليهم زيرك في جمع من أصحابه فلقيهم بنهر ابن عمر
فرأى كثرتهم فراعه ذلك ثم استخار الله تعالى في قتالهم
فحمل عليهم وقاتلهم فقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم فانهزموا ووضع فيهم السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم مثل ذلك وأسر خلقا كثيرا
وأخذ من سفنهم ما أمكنه وغرق ما أمكنه تغريقه
وكان ما أخذه من سفنهم نحو أربعمائة سفينة وأقبل بالأسارى والرؤوس إلى مدينة الموفق
ذكر عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج
ص 303
وفيها عبر الموفق إلى مدينة الخبيث لست بقين من ذي الحجة
وكان سبب ذلك أن جماعة من قواد الخبيث لما رأوا ما حل بهم من البلاء من قبل من يظهر منهم وشدة الحصار على من لزم المدينة
وحال من خرج بالأمان جعلوا يهربون من كل وجه ويخرجون إلى الموفق بالأمان
فلما رأى الخبيث ذلك جعل على الطرق التي بمكنهم الهرب منها من يحفظها
فأرسل جماعة من القواد إلى الموفق يطلبون الأمان وأن يوجه لمحاربة الخبيث جيشا ليجدوا طريقا إلى المسير إليه
فأمر ابنه أبا العباس بالمسير إلى النهر الغربي وبه علي بن أبان يحميه
فنهض أبو العباس ومعه الشذاوات والسميريات والمعابر فقصده وتحارب هو وعلي بن أبان واشتدت الحرب واستظهر أبو العباس على الزنج
وأمد الخبيث أصحابه بسليمان بن جامع في جمع كثيف
فاتصلت الحرب من بكرة إلى العصر
وكان الظفر لأبي العباس
وصار إليه القوم الذين كانوا طلبوا الأمان
واجتاز أبو العباس بمدينة الخبيث عند نهر الأتراك فرأى قلة الزنج هناك فطمع فيهم فقصدهم أصحابه وقد انصرف أكثرهم إلى الموفقية
فدخلوا ذلك المسلك وصعد جماعة منهم السور وعليه فريق من الزنج فقتلوهم
وسمع العلوي فجهز أصحابه لحربهم
فلما رأى أبو العباس اجتماعهم وحشدهم لحربه مع قلة أصحابه رحل فأرسل إلى الموفق يستمده فأتاه من خف من الغلمان فظهروا على الزنج فهزموهم
وكان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أبي العباس سار في النهر مصعدا في جمع كبير ثم أتى أصحاب أبي العباس من خلفهم وهم يحاربون من بإزائهم
وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبي العباس ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج فأصيب جماعة من غلمان الموفق وغيرهم
فأخذ الزنج عدة أعلام وحامى أبو العباس عن أصحابه فسلم أكثرهم ثم انصرف
وطمع الزنج بهذه الوقعة وشدت قلوبهم فاجمع الموفق على العبور إلى مدينتهم بجيوشه أجمع
وأمر الناس بالتأهب وجمع المعابر والسفن وفرقها عليهم
وعبر يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة وفرق أصحابه على المدينة ليضطر الخبيث إلى تفرقه أصحابه
وقصد الموفق إلى ركن من أركان المدينة وهو أحصن ما فيها وقد أنزله الخبيث ابنه وهو انكلاي وسليمان بن جامع وعلي بن أبان وغيرهما وعليه من المجانيق والآلات للقتال ما لا حد له فلما التقى الجمعان أمر الموفق غلمانه بالدنو من ذلك الركن وبينهم وبين ذلك السور نهر الأتراك وهو نهر عريض كثير الماء فلما انتهوا إليه أحجموا عنه
فصاح بهم الموفق وحرضهم على العبور فعبروا سباحة والزنج ترميهم بالمجانيق والمقاليع والحجارة والسهام
فصبروا حتى جاوزوا النهر وانتهوا إلى السور
ولم يكن عبر معهم من الفعلة من كان أعد لهدم السور فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح وسهل الله تعالى ذلك
وكان معهم بعض السلاليم فصعدوا على ذك الركن ونصبوا علما من أعلام الموفق
فانهزم الزنج عنه وأسلموه بعد قتال شديد
وقتل من الفريقين خلق كثير
ولما علا أصحاب الموفق السور أحرقوا ما كان عليه من منجنيق وقوس وغير ذلك
وكان أبو العباس قصد ناحية أخرى فمضى علي بن أبان إلى مقاتلته فهزمه أبو العباس وقتل جمعا كثيرا من أصحابه ونجا علي
ووصل أصحاب أبي العباس إلى السور فثلموا في ثلمة ودخلوه فلقيهم سليمان بن جامع فقاتلهم حتى ردهم إلى مواضعهم
ثم أن الفعلة وافوا السور فهدموه في عدة مواضع فعملوا على الخندق جسرا فعبر عليه الناس من ناحية الموفق فانهزم الزنج عن سور باب
كانوا قد اعتصموا به وانهزم الناس معهم وأصحاب الموفق يقتلونهم حتى انتهوا إلى نهر ابن سمعان
وقد صارت دار ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق فأحرقوها وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا حتى بلغوا ميدان الخبيث
فركب في جمع من أصحابه فانهزم أصحابه عنه وقرب منه بعض رجالة الموفق
فضرب وجه فرسه بترسه وكان ذلك مع مغيب الشمس
فأمر الموفق الناس بالرجوع فرجعوا ومعهم من رؤوس أصحاب الخبيث شيء كثير
وكان قد استأمن إلى أبي العباس أول النهار نفر من قواد الخبيث فتوقف عليهم حتى حملهم في السفن وأظلم الليل وهبت الريح ريح عاصف وقوي الجزر فلصق أكثر السفن بالطين
فخرج جماعة من الزنج فنالوا منها وقتلوا فيها نفرا وكان بهبود بإزاء مسرور البلخي
فأوقع أصحاب مسرور وقتل منهم جماعة وأسر جماعة فكسر ذلك من نشاط أصحاب الموفق
وكان بعض أصحاب الخبيث قد انهزم على وجهه نحو نهر الأمير والقندل وعبادان
وهرب جماعة من الأعراب إلى البصرة وأرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم الموفق وخلع عليهم وأجرى الأرزاق عليهم
وكان ممن رغب في الأمان من قواد الفاجر ريحان بن صالح المغربي
وكان من رؤساء أصحابه أرسل يطلب الأمان وأن يرسل جماعة إلى مكان ذكره ليخرج إليهم
ففعل الموفق فصار إليه فخلع عليه وأحسن إليه ووصله وضمه إلى أبي العباس
واستأمن من بعده جماعة من أصحابه وكان خروج ريحان لليلة بقيت من ذي الحجة من السنة
ذكر الحرب بين الخوارج ببلد الموصل
ص 305
في هذه السنة كان بين هارون الخارجي وبين محمد بن خرزاد وهو من الخوارج أيضا وقعة ببعدرا من أعمال الموصل وسبب ذلك إنا قد ذكرنا سنة ثلاث وستين ومائتين الحرب الحادثة بين هارون ومحمد بعد موت مساور
فلما كان الآن جمع محمد بن خرزاد أصحابه وسار إلى هارون محاربا له
فنزل واسط وهي محلة بالقرب من الموصل وكان يركب البقر لئلا يفر من القتال ويلبس الصوف الغليظ ويوقع ثيابه
وكان كثير العبادة والنسك ويجلس على الأرض ليس بينها ويبنه حائل
فلما نزل واسط خرج إليه وجوه من أهل الموصل
وكان هارون بمعلثايا يجمع لحرب محمد
فلما سمع بنزول محمد عند الموصل سار إليه ورحل ابن خرزاد نحوه فالتقوا بالقرب من قرية شمراخ واقتتلوا قتالا شديدا كان فيه مبارزة وحملات كثيرة
فانهزم هارون وقتل من أصحابه نحو مائتي رجل منهم جماعة من الفرسان المشهورين
ومضى هارون منهزما فعبر دجلة إلى العرب قاصدا بني تغلب فنصروه واجتمعوا إليه
ورجع ابن خرزاد من حيث أقبل
وعاد هارون إلى الحديثة فاجتمع عليه خلق كثير
وكاتب أصحاب ابن خرزاد واستمالهم فأتاه منهم الكثير ولم يبق مع ابن خرزاد إلا عشيرته من الشمردلية وهم من أهل شهرزور
وإنما فارقه أصحابه لأنه كان خشن العيش وهو ببلد شهرزور وهو بلد كثير الأعداء من الأكراد وغيرهم
وكان هارون ببلد المصول قد صلح حاله وحال أصحابه
فلما رأى أصحاب ابن خرزاد ذلك مالوا إليه وقصدوه وواقع ابن خرزاد بنواحي شهرزور الأكراد الجلالية وغيرهم
فقتل وتفرد هارون بالرياسة على الخوارج وقوي وكثير أتباعه وغلبوا على القرى والرساتيق
وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المنحدرة والمصعدة وبثوا نوابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من الغلات
ذكر عدة حوادث
ص 306
في هذه السنة ابتدر ابن حفصون بالأندلس بالخلاف على محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس بناحية الري
فخرج إليه جيش من تلك الناحية مع عاملها فقاتله فانهزم الجيش وقوي أمر عمر بن حفصون وشاع ذكره وأتاه من يريد الشر والفساد فسير محمد صاحب الأندلس عاملا آخر في جيش فصالحه عمر فطلب العامل كل من كان له أثر في مساعدة عمر فأهلكه
وفيهم من أبعده فاستقامت تلك الناحية
وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام ومصر وبلاد الجزيرة وافريقية والأندلس
وكان قبلها هدة عظيمة قوية
وفيها ولي جزيرة صقلية الحسن بن العباس فبث السرايا إلى كل ناحية وخرج إلى قطانية فأفسد زرعها وزرع طبرمين وقطع أشجارها وسار إلى بقارة فأفسد زرعها وانصرف إلى بلرم
وأخرجت الروم سرايا فأصابوا من المسلمين كثيرا وذلك أيام الحسن بن العباس
وفيها حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وعدة من أهل بيته بعد ظفر الخجستاني بعمرو بن الليث
وكان عمرو اتهمه بمكاتبة الخجستاني والحسين بن طاهر حيث كان يذكر أنه على منابر خراسان
وفيها كانت بين كيغلغ التركي وبين أصحاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف حرب انهزم فيها أصحاب أحمد
وسار كيغلغ إلى همذان فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن اجتمع إليه من أصحابه فانهزم كيغلغ وانحاز إلى الصيمرة
وفيها في ربيع الآخر ماتت أم حبيب بنت الرشيد
وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق وإسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبي المغراء وحمدان بن حمدان ومن اجتمع إليهم من ربيعة وتغلب وبكر واليمن
فهزمهم ابن كنداجيق إلى نصيبين وتبعهم إلى آمد وخلف على آمد من حصر عيسى
فكانت بينهم وقعات عند آمد وفيها دخل الخجستاني في نيسابور وانهزم عمرو بن الليث وأصحابه فأساء السيرة في أهلها وهدم دور معاذ بن مسلم وضرب من قدر عليه منهم وترك ذكر محمد بن طاهر ودعا للمعتمد ولنفسه
وفيها في شوال كانت لأصحاب أبي الساج وقعة بالهيصم العجلي قتلوا فيها مقدمته وغنموا عسكره
وفيها أقبل أحمد بن عبد الله الخجستاني يريد العراق فبلغ سمنان وتحصن منه أهل الري فرجع إلى خراسان وفيها رجع خلق كثير من الحجاج من طريق مكة لشدة الحر ومضى خلق كثير فمات منهم عالم عظيم من الحر والعطش
وذاك كله في البيداء
وأوقعت فزارة فيها بالتجار فأخذ فيما قيل سبعمائة حمل بز
وفيها نفي الطباع من سامراء
وفيها ضرب الخجستاني لنفسه دنانير ودراهم وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي
وفيها توفي محمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقرئ صاحب خلف بن هشام في ربيع الآخر ببغداد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.