ذكر أخبار الزنج مع أغرتمش
ص 285
في هذه السنة ولى أغرتمش ما كان يتولاه تكين البخاري من أعمال الأهواز
فدخل تستر في رمضان ومعه أبا ومطر بن جامع
وقتل مطر بن جامع جعفرويه غلام علي بن أبان وجماعه معه كانوا مأسورين وساروا إلى عسكر مكرم وأتاهم الزنج هناك مع علي بن أبان فاقتتلوا فلما رأوا كثرة الزنج قطعوا الجسر وتحاجزوا ورجع علي إلى الأهواز وأقام أخوه الخليل بالمسرقان في جماعة كثيرة من الزنج
وسار أغرتمش ومن معه نحو الخليل ليعبروا إليه من قنطرة إربك
فكتب إلى أخيه علي فوافاه في النهر وأخاف أصحابه الذين خلفهم بالأهواز
فارتحلوا إلى نهر السدرة وتحارب علي وأغرتمش يومهم
ثم انصرف علي إلى الأهواز فلم يجد أصحابه الذين خلفهم بالأهواز
فوجه من يردهم من نهر السدرة فعسر عليهم ذلك فتبعهم وأقام معهم
ورجع أغرتمش فنزل عسكر مكرم واستعد علي لقتالهم
وبلغ ذلك أغرتمش ومن معه من عسكر الخليفة فساروا إليه فكمن لهم علي وقدم الخليل إلى قتالهم فاقتتلوا فكان أول النهار لأصحاب الخليفة ثم خرج عليهم الكمين فانهزموا وأسر مطر بن جامع وعدة من القواد فقتله علي بغلامه جعفرويه
وعاد إلى الأهواز وأرسل رؤوس القتلى إلى الخبيث العلوي
وكان علي وأغرتمش بعد ذلك في حروبهم على السواء
وصرف صاحب الزنج أكثر جنوده إلى علي بن أبان
فما رأى ذلك أغرتمش وادعه وجعل علي يغير على النواحي
فمن ذلك أنه أغار على قرية بيروذ فنهبها ووجه الغنائم إلى صاحبه
ذكر دخول الزنج رامهرمز
ص 286
وفيها دخل علي بن أبان والزنج رامهرمز
وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله كان يخاف علي بن أبان لما في نفس علي منه لما ذكرناه
فكتب إلى انكلاي بن العلوي وسأله أن يسأل أباهليرفع يد علي عنه ويضمه إلى نفسه
فزاد ذلك غيظ علي منه وكتب إلى الخبيث بالإيقاع بمحمد ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته بالخراج فأذن له
فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج فمطله ودافعه
فسار إليه علي وهو برامهرمز
فهرب محمد عنها ودخلها علي والزنج فاستباحها ولحق محمد بأقصى معاقله وانصرف علي غانما
وخاف محمد فكتب إليه بطلب المسالمة فأجابه إلى ذلك على ما يؤديه إليه
فحمل إليه مائتي ألف درهم فأنفذها إلى صاحب الزنج وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله
وفيها كانت وقعة للزنج إنهزموا فيها
وكان سببها أن محمد بن عبيد الله كتب إلى علي بن أبان بعد الصلح يسأله المعونة على الأكرد الدارنان على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم
فكتب علي إلى صاحبه يستأذنه فكتب إليه أن وجه إليه جيشا وأقم أنت ولا تنفذ أحدا حتى تستوثق منه بالرهائن ولا يأمن غزوه والطلب بثأره
فكتب علي إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن فبذل له اليمين ومطله الرهائن فلحرص علي على الغنائم أنفذ إليه جيشا
فسير محمد معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم
ونشبت الحرب فتخلى أصحاب محمد عن الزنج فانهزموا وقتلت الأكراد منهم خلقا كثيرا
وكان محمد قد أعد لهم من يتعرضهم إذا إنهزموا فصادفوهم وأوقعوا بهم وسلبوهم وأخذوا دوابهم ورجعوا بأسوأ حال
فكتب علي إلى الخبيث بذلك فعنفه وقال ضيعت أمري في ترك الرهائن
وكتب إلى محمد يتهدده فخاف محمد وكتب يخضع ويذل
ورد بعض الجواب وقال إنني كبست من كانت عندهم خلصت هذه منهم
فاظهر الخبيث الغضب عليه
فأرسل محمد إلى بهبود ومحمد بن يحيى الكرماني وكانا أقرب الناس إلى علي فضمن لهما مالا أن أصلحا له عليا وصاحبه ففعلا ذلك
فأجابهما الخبيث إلى الرضا عن محمد علي أن يخطب له على منابر بلاده
وأعلما محمدا ذلك فأجابهما إلى كل ما طلبا وجعل يراوغ في الدعاء له على المنابر
ثم أن عليا استد لمتوث وسار إليها فلم يظفر بها لحصانتها وكثرة من يدافع عنها من أهلها
فرجع خائبا وعمل السلاليم والآلات التي يصعد بها إلى السور
واستعد لقصدها فعرف ذلك مسرور البلخي وهو يومئذ بكور الأهواز فلما سار علي إليها سار إليه مسرور فوافاه قبل المغرب وهو نازل عليها
فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح هزيمة وتركوا جميع ما كانوا أعدوه وقتل منهم خلق كثير وانصرف علي مهزوما فلم يلبث إلا أن يسيرا حتى أتته الأخبار باقبال الموفق
ولم يكن لعلي بعد متوث وقعة حتى فتحت سوق الخميس وطهثا على الموفق
فكتب إليه صاحبه بالعودة إليه ويستحثه حثا شديدا
ذكر عدة حوادث
ص 287
في هذه السنة ولي عمرو بن الليث عبيد الله بن عبد الله بن طاهر خلافته على الشرطة ببغداد وسر من رأى في صفر
وخلع عليه الموفق وعمرو بن الليث
وفيها في صفر غلب اساتكين على الشرطة وهي الآن من أعمال سجستان وعلى الري وأخرج منها حظلخجور العامل عليها
ثم مضى إلى قزوين وعليها أخو كيغلغ فصالحه ودخل اساتكين قزوين ثم رجع إلى الري
وفيها وردت سرية من سرايا الروم إلى تل يسهى من ديار ربيعة فأسرت نحو من مائتين وخمسين إنسانا ومثلت بالمسلمين فنقر إليهم أهل الموصل ونصيبين فرجعت الروم
وفيها مات أبو الساج بجنديسابور منصرفا من عسكر عمرو بن الليث إلى بغداد ومات قبله سليمان بن عبد الله بن طاهر
وولى عمرو بن الليث فيها أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف أصبهان
وولى محمد بن أبي الساج طريق مكة والحرمين
وفيها فارق إسحاق بن كنداج أحمد بن موسى بن بغا
وكان سبب ذلك أن أحمد لما سار إلى الجزيرة وولى موسى بن أتامش ديار ربيعة فأنكر ذلك إسحاق بن كنداج وفارق عسكره وسار إلى بلد فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزمهم وأخذ أموالهم
ثم لقي ابن مساور الخارجي فقتله
وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على مال قد أعدوه
وكان قائد كبير بمعلثايا اسمه علي بن داود وهو المخاطب له عن أهل الموصل والمدافع فسار ابن كنداج إليه فلما بلغه الخبر فارق معلثايا وعبر دجلة ومعه حمدان بن حمدون إلى إسحاق بن أيوب بن أحمد التغلبي العدوي
فاجتمعوا كلهم فبلغت عدتهم نحو خمسة عشر ألفا
وسمع ابن كنداج بإجتماعهم فعبر إلى بلد وعبر دجلة إليه وهو في ثلاث آلاف وسار إلى نهر أيوب فالتقوا بكرثا وهي التي تعرف اليوم بتل موسى وتصافوا للحرب
فأرسل مقدم ميسرة بن أيوب إلى ابن كنداج يقول له إنني في الميسرة فاحمل علي لأنهزم
ففعل ذلك
فانهزمت ميسرة ابن أيوب وتبعها الباقون
فسار حمدان بن حمدون وعلي بن داود إلى نيسابور وأخذ ابن أيوب نحو نصيبين فاتبعه ابن كنداج
فسار ابن أيوب عن نصيبين إلى آمد واستولى ابن كنداج على نصيبين وديار ربيعة
واستجار ابن أيوب بعيسى بن الشيخ الشيباني وهو بآمد فأنجده
وطلب النجدة من أبي المعز بن موسى بن زرارة وهو بارزن فأنجده أيضا
وعاد ابن كنداج إلى الموصل ووصل إليه من الخليفة المعتمد عهد بولاية الموصل فعاد إليها
فأرسل إليه ابن الشيخ وابن زرارة وغيرهم
بذلوا له مائتي ألف دينار ليقرهم على أعمالهم فلم يجبهم فاجتمعوا على حربه
فلما رأى ذلك أجابهم إلى ما طلبوا وعاد عنهم وقصدوا بلادهم
وفيها أمر محمد بن عبد الرحمن بانشاء مراكب بنهر قرطبة وحملها إلى البحر المحيط
وكان سبب عملها أنه قيل له أن جليقية ليس لها مانع من جهة البحر المحيط وأن ملكها من هناك سهل
فأمر بعمل المراكب فلما فرغت وكملت برجالها وعدتها سيرها إلى البحر المحيط
فلما دخلته المراكب تقطعت ولم يجتمع منها مركبان ولم يرجع منها إلا اليسير
وفيها التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم عند صقلية
فجرى بينهم قتال شديد فظفر الروم بالمسلمين وأخذوا مراكبهم وانهزم من سلم منهم إلى مدينة بلرم بصقلية
وفيها كان بأفريقية غلاء شديد وقحط عظيم كادت الاقوات تعدم
وفيها قتل أهل حمص عاملهم عيسى الكرخي
وفيها أسرى لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من رابية بني تميم إلى موسى بن أتامش وهو برأس عين فأخذه أسيرا وسيره إلى الرقة
ثم لقي لؤلؤ أحمد بن موسى بن أتامش ومن معه من الأعراب
فانهزم لؤلؤ ورجع الأعراب إلى عسكر أحمد لينهبوه فعطف عليه لؤلؤ وأصحابه فانهزموا
فبلغت هزيمتهم قرقيسيا ثم ساروا إلى بغداد وسامرا
وقد ذكرت فيما تقدم أن الذي أسر موسى غير لؤلؤ على ما ذكره مؤرخو مصر
وفيها كانت بين أحمد بن عبد العزيز وبكتمر وقعة فانهزم بكتمر وسار إلى بغداد
وفيها أوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان وهو غار فلحق بآمل وغلب الخجستاني على جرجان وأطراف طبرستان
فكان الحسن لما سار عن طبرستان إلى جرجان استخلف بسارية الحسن بن محمد بن حعفر بن عبد الله بن حسين الأصغر العقيقي
فما انهزم الحسن بن زيد أظهر العقيقي بسارية أنه قتل ودعا إلى البيعة لنفسه فبايعه قوم ووافاه الحسن بن زيد فحاربه ثم ظفر به فقتله
وفيها كانت وقعة بين الخجستاني وعمرو بن الليث انهزم فيها عمرو ودخل الخجستاني نيسابور وأخرج منها عامل عمرو ومن كان يميل إليه
وفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين العلويين والجعفرية
وفيها وثب الأعراب على كسوة الكعب فانتهبوها وصار بعضها إلى صاحب الزنج وأصاب الحجاج فيها شدة شديدة
وفيها خرجت الروم على ديار ربيعة فاستنفر الناس فنفروا في برد شديد لا يمكن فيه دخول الدرب
وفيها غزا سيما خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة رجل من أهل طرسوس فخرج عليهم نحو من أربعة آلاف من بلاد هرقلة
فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل المسلمون خلقا كثيرا من العدو وأصيب من المسلمين جماعة
وفيها كانت بمدينة النبي حرب بين العلويين والجعفريين وغلا السعر حتى تعذرت الأقوات وعم الغلاء سائر البلاد من الحجاز والعراق والموصل والجزيرة والشام وغير ذلك إلا أنه لم يبلغ الشدة التي بالمدينة
وفيها كان الناس في البلاد التي تحت حكم الخليفة جميعها في شدة عظيمة بتغلب القواد وأمراء الأجناد على الأمر وقلة المراقبة والأمن من إنكار ما يأتونه ويفعلونه لاشتغال الموفق بقتال صاحب الزنج ولعجز الخليفة المعتمد واشتغاله بغير ذلك
وفيها اشتد الحر في تشرين الثاني ثم اشتد فيه البرد حتى جمد الماء
وفيها تقدم محمد بن أبي الساج مكة فحاربه المخزومي فهزمه محمد واستباح ماله وذلك يوم التروية
وفيها سار كيغلغ إلى الجبل وبكتمر راجعا إلى الدينور
وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي
وفيها توفي محمد بن شجاع أبو بكر الثلجي وكان من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة الثلجي بالثاء المعجمة بثلاث والجيم وفيها توفي صالح بن أحمد بن حنبل وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين