ذكر أخبار الزنج
ص 280
في هذه السنة كانت وقعة بين أحمد بن ليثويه وبين سليمان بن جامع والزنج بناجية جنبلاء وكان سببها أن سليمان كتب إلى الخبيث يخبره بحال نهر يسمى الزهري ويسأله أن يأذن في عمله فإنه متى أنفذه تهيأ له حمل ما في جنبلاء وسواد الكوفة
فأنفذ إليه نكرويه لذلك وأمره بمساعدته والنفقة على عمل النهر
فمضى سليمان فيمن معه وأقام بالشريطة نحوا من شهر وشرعوا في عمل النهر
وكان أصحاب سليمان في أثناء ذلك يتطرقون ما حولهم فواقعه أحمد بن ليثويه وهو عامل الموفق بجنبلاء فقتل من الزنوج نيفا وأربعين قائدا ومن عامتهم ما لا يحصى كثرة وأحرق سفنهم
فمضى سليمان مهزوما إلى طهثا
وفيها سار جماعة من الزنوج في ثلاثين سميرية إلى جبل فأخذوا أربع سفن فيها طعام وانصرفوا وفيها دخل الزنج النعمانية فأحرقوها وسبوا فساروا إلى جرجرايا ودخل أهل السواد بغداد
ذكر استعمال مسرور البلخي على الأهواز وانهزام الزنج منه
ص 280
وفيها استمعل الموفق مسرورا البلخي على كور الأهواز فولى مسرور ذلك تكين البخاري فسار إليها تكين وكان علي بن أبان والزنج قد أحاطوا بتستر فخاف أهلها وعزموا على تسليمها إليهم فوافاهم في تلك الحال تكين البخاري فواقع علي بن أبان قبل أن ينزع ثيابه فانهزم علي والزنج وقتل منهم كثير وتفرقوا
ونزل تكين بتستر وهذه الوقعة تعرف بوقعة باب كورك وهي مشهورة ثم إن عليا قدم عليه جماعة من قواد الزنج فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس فهرب منهم غلام رومي إلى تكين وأخبره بمقامهم بالقنطرة وتشاغلهم بالنبيذ وتفرقهم في جمع الطعام
فسار تكين إليهم ليلا فأوقع بهم وقتل من قوادهم جماعة فانهزم الباقون
وسار تكين إلى علي بن أبان فلم يقف له علي وانهزم وأسر غلام له يعرف بجعفرويه
ورجع علي إلى الأهواز ورجع تكين إلى تستر
وكتب علي إلى تكين يسأله الكف عن قتل غلامه فحبسه
ثم تراسل علي وتكين وتهاديا
فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين إلى الزنج فسار حتى وافى تكين وقبض عليه وحبسه عند إبراهيم بن جعلان حتى مات
وتفرق أصحاب تكين ففرقة سارت إلى الزنج وفرقة إلى محمد بن عبيد الله الكردي فبلغ ذلك مسرورا فأمنهم فجاءه منهم الباقون
وكان بعض ما ذكرناه من أمر مسرور سنة خمس وستين وبعضه سنة ست وستين ومائتين
ذكر عصيان العباس بن أحمد بن طولون على أبيه
ص 281
وفيها عصي العباس بن أحمد بن طولون على أبيه وسبب ذلك أن أباه كان قد خرج إلى الشام واستخلف ابنه العباس كما ذكرناه
فما أبعد عن مصر حسن للعباس جماعة كانوا عنده أخذ الأموال والإنشراح إلى برقة ففعل ذلك وأتى برقة في ربيع الأول
وبلغ الخبر أباه فعاد إلى مصر وأرسل إلى ابنه ولاطفه واستعطفه فلم يرجع إليه
وخاف من معه فأشاروا عليه بقصد أفريقية فسار إليها وكاتب وجوه البربر فأتاه بعضهم وامتنع بعضهم
وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب يقول إن أمير المؤمنين قد قلدني أمر أفريقية وأعمالها ورحل حتى أتى حصن لبدة ففتحه أهله له فعاملهم أسواء معاملة ونهبهم فمضى أهل الحصن إلى إلياس بن منصور النفوسي رئيس الأباضية هناك فاستعانوا به فغضب لذلك وسار إلى العباس ليقاتله
وكان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس جيشا وأمره بقتال العباس فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا قاتل العباس فيه بيده
فلما كان الغد وافاهم إلياس بن منصور الأباضي في اثنتي عشر ألفا من الأباضية فاجتمع هو وعامل طرابلس على قتال العباس فقتل من أصحابه خلق كثير وانهزم أقبح هزيمة وكاد يؤسر فخلصه مولى له ونهبوا سواده وأكثر ما حمله من مصر وعاد إلى برقة أقبح عودة وشاع بمصر أن العباس انهزم فاغتنم والده حتى ظهر عليه وسير إليه العساكر لما علم سلامته فقاتلوه قتالا صبر فيه الفريقان فانهزم العباس ومن معه وكثر القتلى في أصحابه
وأخذ العباس أسيرا وحمل إلى أبيه فحبسه في حجرة في داره إلى أن قدم باقي الأسرى من أصحابه
فلما قدموا أحضرهم أحمد عنده والعباس معهم فأمره أبوه أن يقطع أيدي أعيانهم وأرجلهم ففعل
فما فرغ منه وبخه أبوه وذمه وقال له هكذا يكون الرئيس والمقدم كان الأحسن أنك كنت ألقيت نفسك بين يدي وسألت الصفح عنك وعنهم فكان أعلى لمحلك وكنت قضيت حقوقهم فيما ساعدوك وفارقوا أوطانهم لأجلك ثم أمر به فضرب مائة مقرعة ودموعه تجري على خده رقة لولده ثم رده إلى الحجرة واعتقله
وذلك سنة ثمان وستين ومائتين
ذكر موت يعقوب وولاية أخيه عمرو
ص 282
وفيها مات يعقوب بن الليث الصفار تاسع شوال بجنديسابور من كور الأهواز
وكانت علته القولنج فأمره الأطباء بالاحتفال بالدواء فلم يفعل واختار الموت
وكان المعتمد قد أنفذ إليه رسولا وكتابا يستميله ويترضاه ويقلده أعمال فارس فوصل الرسول ويعقوب مريض فجلس له وجعل عنده سيفا ورغيفا من الخبز الخشكار ومعه بصل
وأحضر الرسول فأدى الرسالة فقال له قل للخليفة أنني عليل فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو تكسرني وتعقرني وأعود إلى هذا الخبز والبصل وأعاد الرسول فلم يلبث يعقوب أن مات
وكان الحسن بن زيد العلوي يسمى يعقوب بن الليث السندان لثباته
وكان يعقوب قد افتتح الرخج وقتل ملكها وأسلم أهلها على يده وكانت مملكته واسعة الحدود وكان اسم ملكها كبتير وكان يحمل على سرير من ذهب يحمله اثنا عشر رجلا وابتنى على جبل عال بيتا وسماه مكة وكان يدعي الإلهية فقتله يعقوب وافتتح الخلجية وزابل وغير ذلط
ولم أعلم أي سنة كان ذلك حتى أذكره فيها
وكان يعقوب عاقلا حازما وكان يقول من عاشرته أربعين يوما فلم تعرف أخلاقه فلا تعرفها في أربعين سنة
وقد تقدم من سيرته ما يدل على عقله ولما مات قام بالأمر بعده أخوه عمرو بن الليث وكتب إلى الخليفة بطاعته فولاه الموفق خراسان وفارس وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد وأشهد بذلك وسيره إليه مع الخلع $
ذكر عدة حوادث
ص 283
وفي هذه السنة وثب القاسم بن مهاة بدلف بن عبد العزيز بن أبي دلف بأصبهان فقتله
ووثب جماعة من أصحاب أبي دلف بالقاسم فقتلوه وريسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز
وفيها لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث فأكرمه يعقوب وأحسن إليه فأمر الخليفة بقبض أمواله وعقاره
وفيها قتلت الأعراب جعلان المعروف بالعيار بدمما وكان خرج يسير قافلة فقتلوه فوجه في طلبهم فلم يلحقوا
وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب وابن عبيد الله وعدة من أصحابهما وقبض أموالهم وضياعهم خلا أحمد بن سليمان ثم صالح سليمان وابنه عبيد الله على تسعمائة ألف دينار وجعلا في موضع يصل إليهما من أرادوا
وعسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كنداجيق والفضل بن موسى بن بغا وعبروا جسر بغداد ومنعهم الموفق فلم يرجعوا ونزلوا صرصر فاستكتب أبو أحمد الموفق صاعد بنت مخلد فمضى إلى أولئك القواد فردهم من صرصر فخلع عليهم
وفيها خرج خمسة بطارقة من الروم إلى أذنة فقتلوا وأسروا
وكان أرجوز والي الثغور فعزل عنها فأقام مرابطا وأسروا نحوا من أربعمائة وقتلوا نحوا من ألف وأربعمائة وذلك في جمادى الأولى
وفيها غلب أحمد بن عبد الله الخجستاني على نيسابور وسار الحسن بن طاهر بن عبد الله إلى مرو وهو عامل أخيه محمد بن طاهر وأخربت طوس
وفيها استوزر أبو الصقر إسماعيل بن بلبل
وفيها وثب جماعة من الأعراب من بين أسد على علي بن مسرور البلخي قبل وصوله إلى المغيثة بطريق مكة وكان الموفق ولاه الطريق
وفيها بعث ملك الروم إلى أحمد بن طولون بعبد الله بن رشيد بن كاوس وعدة أسرى وأنفذ معهم عدة مصاحف منه هدية إليه وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي
وفيها كانت موافاة أبي المغيرة عيسى بن محمد المخزومي إلى مكة لصاحب الزنج
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن منصور الزنادي وعمره ثلاث وثمانون سنة وإبراهيم بن هانئ أبو إسحاق النيسابوري
وكان من الإبدال قد صحب أحمد بن حنبل وعلي بن حرب بن محمد الطائي الموصلي ومولده سنة خمس وسبعين ومائة وقيل غير ذلك وقد تقدم وعلي بن موفق الزاهد
وفيها قتل أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي
قتله الزنج بالبصرة أخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.