ذكر أسر عبد الله بن كاوس
ص 273
في هذه السنة أسرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاوس
وكان سبب ذلك أنه دخل بلد الروم في أربعة آلاف من أهل الثغور الشامية فغنم وقتل فلما رحل عن البدندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قرة كوكب وخرشنة فاحدقوا بالمسلمين فنزل المسلمون وعرقبوا دوابهم وقاتلوا فقتلوا إلا خمسمائة فإنهم حملوا حملة رجل واحد ونجوا على دوابهم
وقتل الروم وأسروا عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته وحمل إلى ملك الروم
ذكر أخبار الزنج هذه السنة ودخولهم واسط
ص 273
قد ذكرنا سنة اثنتين وستين ومائتين مسير سليمان بن جامع إلى البطائح وما كان منه مع أغرتمش فلما أوقع به كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ليحدث به عهدا ويصلح أمور منزله فأذن له في ذلك
فأشار عليه الحياتي أن يتطرق إلى عسكر تكين البخاري وهو بيزدود فقبل قوله وسار إلى تكين
فلما كان على فرسخ منه قال له الحياتي الرأي أن تقيم أنت ههنا وأمضي أنا في السميريات وأجر القوم إليك فيأتونك وقد تعبوا فتنال منهم حاجتك
ففعل سليمان ذلك
وجعل بعض أصحابه كمينا ومضى الحياتي إلى تكين فقاتله ساعة ثم تطارد لهم فتبعوه فأرسل إلى سليمان يعلمه ذلك
وقال لأصحابه وهو بين يدي أصحاب تكين شبه المنهزم ليسمع أصحاب تكين قوله فيطمعوا فيه غررتموني وأهلكتموني وكنت نهيتكم عن الدخول ههنا فأبيتم ولا أرانا ننجوا منه
وطمع أصحاب تكين وجدوا في طلبه وجعلوا ينادون بلبل في قفص
فما زالوا كذلك حتى جازوا موضع الكمين وقاربوا عسكر سليمان وقد كمن أيضا خلف جدار هناك
فخرج سليمان إليهم في أصحابه فقاتلهم
وخرج الكمين من خلفهم وعطف الحياتي على من في النهر فاشتد القتال فانهزم أصحاب تكين من الوجوه كلها وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم أكثر من ثلاثة فراسخ وعادوا عنهم
فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم فكبسوه فقاتلهم تكين وأصحابه فانكشف سليمان
ثم عبى أصحابه فأمر طائفة أن تأتيهم من جهة ذكرها لهم وطائفة في الماء وأتى هو في الباقين فقصدوا تكين من جهاته كلها فلم يقف من أصحابه أحد وانهزموا وتركوا عسكرهم فغنم الزنج ما فيه وعادوا بالغنيمة واستخلف سليمان الحياتي على عسكره وسار إلى صاحبه وكان ذلك سنة ثلاث وستين ومائتين
فلما سار سليمان إلى الخبيث خرج الحياتي بالعسكر الذي خلفه سليمان معه إلى مازوران لطلب الميرة فاعترضه جعلان فقاتله فانهزم الحياتي وأخذت سفنه
وأتته الأخبار أن منجورا ومحد بن علي بن حبيب اليشكري قد بلغا الحجاجية فكتب إلى صاحبه بذلك فسير إليه سليمان فوصل إلى طهثا مجدا وأظهر أنه يريد قصد جعلان وقدم الحياتي وأمره أن يأتي جعلان ويقف بحيث يراه ولا يقاتله ثم سار سليمان نحو محمد بن علي بن حبيب مجدا فأوقع به وقعه عظيمة وغنم غنائم كثيرة وقتل أخا لمحمد بن علي ورجع وكان ذلك في رجب من هذه السنة أيضا
ثم سار في شعبان إلى قرية حسان وبها قائد يقال له حسن بن خمار تكين فأوقع به فهزمه ونهب القرية وأحرقها وعاد ثم سار في شعبان أيضا إلى مواضع فنهبها وعاد
ثم سار في رمضان وأظهر أنه يريد جعلان بمازوران فبلغت الأخبار إلى جعلان بذلك فضبط عسكره فتركه سليمان وعدل إلى أبا فأوقع به وهو غار وغنم منه ست شذاوات
ثم أرسل الحياتي في جماعة لينتهب فصادفهم جعلان فأخذ سفنهم وغنم منهم فأتاه سليمان في البر فهزمه واستنقذ سفنهم وغنم شيئا آخر وعاد
ثم سار سليمان إلى الرصافة في ذي القعدة فأوقع بمطر بن جامع وهو بها فغنم غنائم كثيرة وأحرق الرصافة واستباحها وحمل أعلاما وانحدر إلى مدينة الخبيث وأقام ليعيد هناك بمنزله
فسار مطر إلى الحجاجية فأوقع بأهلها وأسر جماعة وكان بها قاض لسليمان فأسره مطر وحمله إلى واسط
وسار مطر إلى ثريب طهثا ورجع فكتب الحياتي إلى سليمان بذلك فسار نحوه فوافاه لليلتين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين
ثم صرف جعلان ووافى أحمد بن ليثويه فأقام بالشديدية ومضى سليمان إلى نهر أبان وبه قائد من قواد أحمد فأوقع به فقتله
ثم سار سليمان إلى تكين في خمس شذاوات سنة أربع وستين فواقعه تكين بالشديدة وكان أحمد بن ليثويه حينئذ قد سار إلى الكوفة وجنبلاء
فظهر تكين على سليمان وأخذ الشذاوات بما فيها وكان بها صناديد سليمان وقواده فقتلهم ثم أن أحمد عاد إلى الشديدية وضبط تلك الأعمال حتى وافاه محمد بن المولد وقد ولاه الموفق مدينة واسط فكتب سليمان إلى الخبيث يستمده فأمده بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس فلما أتاه المدد قصد إلى محاربة محمد بن المولد ودخل سليمان مدينة واسط فقتل فيها خلقا كثيرا ونهب وأحرق وكان بها ابن منكجور البخاري فقاتله يومه إلى العصر ثم قتل وانصرف سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعبث ويخرب فأقام هناك تسعين ليلة وعسكرهم بنهر الأمير
ذكر وزارة سليمان بن وهب للخليفة ووزارة الحسن بن مخلد وعزله
ص 275
وفيها خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامراء وشيعه الموفق والقواد
فلما صار إلى سامراء غضب عليه المعتمد وحبسه وقيده وانتهب داره وداري ابنيه وهب وإبراهيم واستوزر الحسن بن مخلد في ذي القعدة فسار الموفق من بغداد إلى سامراء ومعه عبد الله بن سليمان بن وهب فما قرب من سامراء تحول المعتمد إلى الجانب الغربي فعسكر به مغاضبا للموفق
واختلف الرسل بينه وبين الموفق واتفقا وخلع على الموفق ومسرور وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا وأطلق سليمان بن وهب وعاد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد وأحمد بن صالح بن شيرزاد فكتب بقبض أموالهما وقبض أحمد بن أبي الأصبغ وهرب القواد الذين كانوا سامراء مع المعتمد خوفا من الموفق فوصلوا إلى الموصل وجبوا الخراج
ذكر وفاة أماجور وملك ابن طولون الشام وطرسوس وقتل سيما الطويل
ص 276
وفي هذه السنة توفي أماجور مقطع دمشق وولي انه مكانه فتجهز ابن طولون ليسير إلى الشام فيملكه
فكتب إلى ابن أماجور يذكر له أن الخليفة قد أقطعه الشام والثغور
فأجابه بالسمع والطاعة
وسار أحمد واستخلف بمصر ابنه العباس فلقيه ابن أماجور بالرملة فأقره عليها وسار إلى دمشق فملكها وأقر قواد أماجور على أقطاعهم
وسار إلى حمص فملكها وكذلك حماة وحلب
وأرسل سيما الطويل بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقره على ولايته فامتنع فعاوده فلم يطعه فسار إليه أحمد بن طولون فحصره بأنطاكية وكان سيء السيرة مع أهل البلد
فكاتبوا أحمد بن طولون ودلوه على عورة البلد فنصب عليه المجانيق وقاتله فملك البلد عنوة والحصن الذي له وركب سيما وقاتل قتالا شديدا حتى قتل ولم يعلم به أحد
فاجتاز به بعض قواده فرآه قتيلا فحمل رأسه إلى أحمد فساءه قتله ورحل عن أنطاكية إلى طرسوس فدخلها وعزم على المقام بها وملازمة الغزاة فغلا السعر بها وضاقت عنه وعن عساكره
فركب أهلها إليه بالمخيم وقالوا له قد ضيقت بلدنا وأغليت أسعارنا فإما أقمت في عدد يسير وإما ارتحلت عنا
وأغلظوا له في القول وشغبوا عليه فقال أحمد لأصحابه لتنهزموا من الطرسوسيين وترحلوا عن البلد ليظهر للناس وخاصة العدو أن ابن طولون على بعد صيته وكثرة عساكره لم يقدر على أهل طرسوس وانهزم عنهم ليكون أهيب في قلب العدو وعاد إلى الشام فأتاه خبر ولده العباس وهو الذي استخلفه بمصر أنه قد عصي عليه وأخذ الأموال وسار إلى برقة مشاققا لأبيه فلم يكترث بذلك ولم ينزعج له
وثبت وقضى أشغاله وحفظ أطراف بلاده وترك بحران عسكرا وبالرقة عسكرا مع غلامة لؤلؤ
وكانت حران لمحمد بن أتامش وكان شجاعا فأخرجه عنها وهزمه هزيمة قبيحة واتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش وكان شجاعا بطلا فجمع عسكرا كثيرا وسار نحو حران وبها عسكر ابن طولون ومقدمهم أحمد بن جيعويه
فلما اتصل به خبر مسير موسى أقلقه ذلك وأزعجه ففطن له رجل من الأعراب يقال له أبو الأغر فقال له أيها الأمير أراك مفكرا منذ أتاك خبر ابن أتامش وما هذا محله فإنه طياش قلق ولو شاء الأمير أن آتيه به أسيرا لفعلت
فغاظه قوله وقال قد شئت أن تأتي به أسيرا قال فاضمم إلي عشرين رجلا أختارهم قال افعل
فاختار عشرين رجلا وسار بهم إلى عسكر موسى فلما قاربهم كمن بعضهم وجعل بينه وبينهم علامة إذا سمعوها ظهروا ثم دخل العسكر في الباقين في زي الأعراب وقارب مضارب موسى وقصد خيلا مربوطة فأطلقها وصاح هو وأصحابه فيها فنفرت وصاح هو ومن معه من الأعراب وأصحاب موسى غارون وقد تفرق بعضهم في حوائجهم وانزعج العسكر وركبوا وركب موسى فانهزم أبو الأغر من بين يديه فتبعه حتى أخرجه من العسكر وجاز به الكمين فنادى أبو الأغر بالعلامة التي بينهم
فثاروا من النواحي وعطف أبو الأغر على موسى فأسروه فأخذوه وساروا حتى وصلوا إلى ابن جيعويه فعجب الناس من ذلك وحاروا فسيره ابن جيعويه إلى ابن طولون فاعتقله وعاد إلى مصر وكان ذلك في سنة خمس وستين ومائتين
ذكر الفتنة ببلاد الصين
ص 277
وفي هذه السنة ظهر ببلاد الصين إنسان لا يعرف فجمع جمعا كثيرا من أهل الفساد والعامة فأهمل الملك أمره استصغارا لشأنه فقوي وظهر حاله وكثف جمعه وقصده أهل الشر من كل ناحية فأغار على البلاد وخربها ونزل على مدينة خانقوا وحصرها وهي حصينة ولها نهر عظيم وبها عالم كثير من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس وغيرهم من أهل الصين فلما حصر البلد اجتمعت عساكر الملك وقصدته فهزمها وافتتح المدينة عنوة وبذل السيف فقتل منهم ما لا يحصى كثرة
ثم سار إلى المدينة التي فيها الملك وأراد حصرها فالتقاه ملك الصين ودامت الحرب بينهم نحو سنة ثم انهزم الملك وتبعه الخارجي إلى أن تحصن منه في مدينة من أطراف بلاده واستولى الخارجي على أكثر البلاد والخزائن وعلم أنه لا بقاء له في الملك إذ ليس هو من أهله فأخرب البلاد ونهب البلاد وسفك الدماء
فكاتب ملك الصين ملوك الهند يستمدهم فأمدوه بالعساكر فسار إلى الخارجي فالتقوا واقتتلوا نحو سنة أيضا وصبر الفريقان ثم إن الخارجي أعدم
فقيل إنه قتل وقيل بل غرق وظفر الملك بأصحابه وعاد إلى مملكته ولقب ملوك الصين يعفور ومعناه ابن السماء تعظيما لشأنه وتفرق الملك عليه وتغلب كل طائفة على طرف من البلاد وصار الصين على ما كان عليه ملوك الطوائف يظهرون له الطاعة وقنع منهم بذلك وبقي على ذلك مدة طويلة
ذكر ملك المسلمين مدينة سرقوسة
ص 278
وفي هذه السنة رابع عشر رمضان ملك المسلمون سرقوسة وهي من أعظم صقلية وكان سبب ملكها أن جعفر بن محمد أمير صقلية غزاها فأفسد زرعها وزرع قطانية وطبرمين ورمطة وغيرها من بلاد صقلية التي بيد الروم ونازل سرقوسة وحصرها برا وبحرا وملك بعض أرباضها ووصل مراكب الروم نجدة لها فسير إليها اسطولا فأصابوها فتمكنوا حينئذ من حصرها
فأقام العسكر محاصرا لها تسعة أشهر وفتحت وقتل من أهلها عدة ألوف وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصب بمدينة أخرى ولم ينج من رجالها إلا الشاذ الفذ
وأقاموا فيها بعد فتحها شهرين ثم هدموها ثم وصل بعد هدمها من القسطنطينية أسطول فالتقوا هم والمسلمون فظفر بهم المسلمون وأخذوا منهم أربع قطع فقتلوا من فيها وانصرف المسلمون إلى بلدهم آخر ذي القعدة
ذكر عدة حوادث
ص 278
في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش إلى مدينة بنبلونة وجعل طريقه على سرقسطة فقاتل أهلها ثم انتقل إلى تطيلة وجال في مواضع بني موسى ثم دخر بنبلونة فخرب كثيرا من حصونه وأذهب زروعه وعاد سالما
وفيها سار جمع من العرب إلى مدينة جليقية فكان بينهم وقعة عظيمة قتل فيها من الطائفتين كثير
وفيها فرغ إبراهيم بن محمد بن الأغلب صاحب أفريقية من بناء رقادة وكان ابتداء عمارتها سنة ثلاث وستين ومائتين ولما فرغت انتقل إبراهيم إليها وفيها وجه يعقوب بن الليث جيشا إلى الصيمرة مقدمة إليها وأخذوا صعون فأحضروه عنده فمات
وفيها ماتت قبيحة أم المعتز
وفيها وقع الطاعون بخراسان جميعها وقومس فأفنى خلقا كثيرا
وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي
وفيها توفي أبو زرعة الرازي واسمه عبيد الله بن عبد الكريم وكان حافظا للحديث ثقة ومحمد بن إسماعيل بن علية وكان موته بدمشق
وفيها مات أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي وكان موته بمصر وعلي بن حرب الطائي وكان إماما في الحديث
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.