ذكر الحرب بين الموفق والصفار
ص 259
في هذه السنة في المحرم سار الصفار من فارس إلى الأهواز
فلما بلغ المعتمد إقباله أرسل إليه إسماعيل بن إسحاق وبفراج وأطلق من كان في حبسه من أصحاب يعقوب
فإنه كان حبسهم لما أخذ يعقوب محمد بن طاهر بن الحسين وعاد إسماعيل برسالة من عند يعقوب
فجلس أبو أحمد ببغداد وكان قد أخر مسيره إلى الزنج لما بلغه من خبر يعقوب
وأحضر التجار وأخبرهم بتولية يعقوب خراسان وجرجان وطبرستان والري وفارس والشرطة ببغداد
وكان بمحضر من درهم صاحب يعقوب
كان يعقوب قد أرسله يطلب لنفسه ما ذكرنا
وأعاده أبو أحمد إلى يعقوب ومعه عمر بن سيما بما أضيف إليه من الولايات
فعاد الرسل من عند يعقوب يقولون إنه لا يرضيه ما كتب به إليه دون أن يسير إلى باب المعتمد
وارتحل يعقوب من عسكر مكرم وسار إليه أبو الساج وصار معه فأكرمه وأحسن إليه ووصله
فلما سمع المعتمد رسالة يعقوب خرج من سامرا في عساكره وسار إلى بغداد ثم إلى الزعفرانية فنزلها وقدم أخاه الموفق
وسار يعقوب من عسكر مكرم إلى واسط فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة
وارتحل المعتمد من الزعفرانية إلى سيب بني كوما فوافاه هناك مسرور البلخي عائدا من الوجه الذي كان فيه
وسار يعقوب من واسط إلى دير العاقول وسير المعتمد أخاه الموفق في العساكر لمحاربة يعقوب فجعل الموفق على ميمنته موسى بن بغا وعلى ميسرته مسرورا البلخي
وقام هو في القلب والتقيا فحملت ميسرة يعقوب على ميمنة الموفق فهزمتها وقتلت منها جماعة من قوادهم منهم إبراهيم بن سيما وغيره
ثم تراجع المنهزمون وكشف أبو أحمد الموفق رأسه وقال أنا الغلام الهاشمي
وحمل معه سائر عسكره على عسكر يعقوب فثبتوا وتحاربوا حربا شديدة وقتل من أصحاب يعقوب جماعة منهم الحسن الدرهمي وأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه ولم تزل الحرب إلى آخر وقت العصر
ثم توفي أبا أحمد الموفق الديراني ومحمد بن أوس فاجتمع جميع من بقي من عسكره
وقد ظهر من أصحاب يعقوب كراهة للقتال معه إذ رأوا الخليفة يقاتله فحملوا على يعقوب ومن قد ثبت معه للقتال
فانهزم أصحاب يعقوب وثبت يعقوب في خاصة أصحابه حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب
وتبعهم أصحاب الموفق فغنموا ما في عسكرهم وكان فيه من الدواب والبغال أكثير من عشرة آلاف
ومن الأموال ما يكل عن حمله ومن جرب المسك أمر عظيم
وتخلص محمد بن طاهر وكان مثقلا بالحديد وخلع عليه الموفق وولاه الشرطة ببغداد بعد ذلك
وسار يعقوب من الهزيمة إلى خوزستان فنزل جنديسابور وراسله العلوي البصري يحثه على الرجوع إلى بغداد ويعده المساعدة
فقال لكاتبه اكتب إليه قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السورة وسير الكتاب إليه
وكانت الوقعة لإحدى عشرة خلت من رجب
وكتب المعتمد إلى ابن واصل بتولية فارس
وكان قد سار إليها وجمع جماعة فغلب عليها فسير إليه يعقوب عسكرا عظيما عليهم ابن عزيز بن السري إلى فارس واستولى عليها ورجع المعتمد إلى سامرا
وأما أبو أحمد الموفق فإنه سار إلى واسط ليتبع الصفار وأمر أصحابه بالتجهز لذلك فأصابه مرض فعاد إلى بغداد ومعه مسرور وقبض ما لأبي الساج من الضياع والمنازل واقطعها مسرورا البلخي وقدم محمد بن طاهر بغداد
ذكر أخبار الزنج
ص 261
وفيها نفذ قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودست ميسان
وكان سبب ذلك أن تلك النواحي لما خلت من العساكر السلطانية بسبب عود مسرور لحرب يعقوب بث صاحب الزنج سراياه فيها تنهب وتخرب وأتته الأخبار بخلو البطيحة من جند السلطان
فأمر سليمان بن جامع وجماعة من أصحابه بالمسير إلى الحوانيت وسليمان بن موسى بالمسير إلى القادسية
وقدم ابن التركي في ثلاثين شذاوة يريد عسكر الزنج فنهب وأحرق
فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى يأمره بمنعه من العبور فأخذ سليمان عليه الطريق فقاتلهم شهرا حتى تخلص
وانحاز إلى سليمان بن جامع من مذكوري البلالية وإنجادهم جمع كثير في خمسين ومائة سميرية
وكان مسرور قد وجه قبل مسيره عن واسط إلى المعتمد جماعة من أصحابه إلى سليمان في شذاوات
فظفر بهم سليمان وهزمهم وأخذ منهم سبع شذاوات وقتل من أسر منهم
وأشار الباهليون على سليمان أن يتحصن في عقر ما وراء بطهشا والأدغال التي فيها
وكرهوا خروجه عنهم لموافقته في فعله وخافوا السلطان فسار إليه فنزل بقرية مروان بالجانب الشرقي من نهر طهشا
وجمع إليه رؤساء الباهلين وكتب إلى الخبيث يعلمه بما صنع
فكتب إليه يصوب رأيه ويأمره بإنفاذ ما عنده من ميرة ونعم فأنفذ ذلك إليه
وورد على سليمان أن أغرتمش وحشيشا قد أقبلا في الخيل والرجال والسميريات والشذاوات يريدون حربه فجزع جزعا شديدا
فلما أشرفوا عليه رآهم أخذ جمعا من أصحابه وسار راجلا واستدبر أغرتمش
وجد أغرتمش في المسير إلى عسكر سليمان
وكان سليمان قد أمر الذي استخلفه من جيشه أن لا يظهر منهم أحد لأصحاب أغرتمش وأن يخفوا أنفسهم ما قدروا إلى أن يسمعوا أصوات طبولهم
فإذا سمعوها خرجوا عليه وأقبل أغرتمش إليهم فجزع أصحاب سليمان جزعا عظيما فتفرقوا
نهض شرذمة منهم فواقعوهم وشغلوهم عن دخول العسكر
وعاد سليمان من خلفهم وضرب طبولهم وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم
فانهزم أغرتمش وظهر من كان من السودان بطهثا
ووضعوا السيوف فيهم وقتل حشيش وانهزم أغرتمش وتبعه الزنوج إلى عسكره فنالوا حاجاتهم منه وأخذوا منهم شذوات فيها مال وغيره
فعاد أغرتمش فانتزعها من أيديهم فعاد سليمان وقد ظفر وغنم وكتب إلى صاحب الزنج بالخبر وسير إليه رأس حشيش فسيره إلى علي بن أبان وهو بنواحي الأهواز
وسير سليمان سرية فظفروا بإحدى عشرة شذاوة وقتلوا أصحابها
ذكر وقعة للزنج عظيمة انهزموا فيها
ص 262
وفيها كانت وقعة للزنوج مع أحمد بن ليثويه وكان سببها أن مسرورا البلخي وجه أحمد بن ليثويه إلى كور الأهواز فنزل السوس
وكان يعقوب الصفار قد قلد محمد بن عبيد الله بن هزارمرد الكردي كور الأهواز
فكاتب محمد قائد الزنج يطمعه في الميل إليه وأوهمه أنه يتولى له كور الأهواز
وكان محمد يكاتب قديما وعزم على مداراة الصفار وقائد الزنج حتى يستقيم له الأمر فيها
فكاتبه صاحب الزنج يجيبه إلى ما طلب على أن يكون علي بن أبان المتولي للبلاد ومحمد بن عبيد الله يخلفه عليها
فقبل محمد ذلك فوجه إليه علي بن أبان جيشا كبيرا وأمدهم محمد بن عبيد الله
فساروا نحو السوس فمنعهم أحمد بن ليثويه ومن معه من جند الخليفة عنها وقاتلهم فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر جماعة
وسار أحمد حتى نزل جندي سابور وسار علي بن أبان من الأهواز ممدا محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثويه فلقيه محمد في جيش كثير من الأكراد والصعاليك ودخل محمد تستر فانتهى إلى أحمد بن ليثويه الخبر بتظافرهما على قتاله فخرج على جند يسابور إلى السوس
وكان محمد قد وعد علي بن أبان أن يخطب لصاحبه قائد الزنج يوم الجمعة على منبر تستر
فلما كان يوم الجمعة خطب للمعتمد وللصفار فلما علم علي بن أبان ذلك انصرف إلى الأهواز وهدم قنطرة كانت هناك لئلا يلحقه الخيل
فانتهى أصحاب علي إلى عسكر مكرم فنهبوها وكانت داخلة في سلم الخبيث
فغدروا بها وساروا إلى الأهواز فلما علم أحمد ذلك أقبل إلى تستر فواقع محمد بن عبيد الله ومن معه فانهزم محمد بن عبيد الله ودخل أحمد تستر
وأتت الأخبار علي بن أبان بن أحمد على قصدك
فسار إلى لقائه ومحاربته
فالتقيا واقتتل العسكران فستأمن جماعة من الأعراب إلى أحمد من الأعراب الذين مع علي بن أبان
فانهزم باقي أصحاب علي وثبت معه جماعة يسيرة واشتد القتال
وترجل علي بن أبان وباشر القتال راجلا فعرفه بعض أصحاب أحمد فانذر الناس به
فلما عرفوه انصرف هاربا وألقى نفسه في المسرقان فأتاه بعض أصحابه بسميرية فركب فيها ونجا مجروحا وقتل من أبطال أصحابه جماعة كثيرة
ذكر أخبار أحمد بن عبد الله الخجستاني
ص 263
كان أحمد بن عبد الله الخجستاني من خجستان وهي من جبال هراة من أعمال باذغيس وكان من أصحاب محمد بن طاهر
فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور على ما ذكرناه ضم أحمد إليه وإلى أخيه علي بن الليث
وكان بنو شركب ثلاثة أخوة إبراهيم وأبو حفص يعمر وأبو طلحة منصور بنو مسلم
وكان أسنهم إبراهيم وكان قد أبلى بين يدي يعقوب عند مواقعة الحسن بن زيد بجرجان فقدمه فدخل عليه يوما نيسابور وهو يوم فيه برد شديد فخلع عيه يعقوب وبرسمو كان على كتفه
فحسده عليه الخجستاني فقال له إن يعقوب يريد الغدر بك لأنه لا يخلع على أحد من خاصته خلعة إلى غدر به
فغم ذلك إبراهيم وقال كيف الحيلة في الخلاص قال الحيلة أن نهرب جميعا إلى أخيك يعمر فإني خائف عليه أيضا
وكان يعمر قد حاصر أبا داود الناهجوزي ببلخ ومعه نحو من خمسة آلاف رجل فاتفقا على الخروج ليلتهم فسبقه إبراهيم إلى الموعد فانتظره ساعة فلم يره
فسار نحو سرخس وذهب الخجستاني إلى يعقوب فأعلمه فأرسله في أثره فلحقوه بسرخس فقتلوه ومال يعقوب إلى الخجستاني
فلما أراد يعقوب العودة إلى سجستان استخلف على نيسابور عزيز بن السري وولي أخاه عمرو بن الليث هراة
فاستخلف عمرو عليها طاهر بن حفص الباذغيسي
وسار يعقوب إلى سجستان سنة إحدى وستين ومائتين وأحب الخجستاني التخلف لما كان يحدث به نفسه فقال لعلي بن الليث إن أخويك قد اقتسما خراسان وليس لك بها من يقوم بشغلك فيجب أن تردني إليها لأقوم بأمورك
فاستأذن أخاه يعقوب في ذلك فأذن له
فلما حضر أحمد يودع يعقوب أحسن له القول ورده وخلع عليه
فلما ولي عنه قال يعقوب أشهد أن قفاه قفا مستعص وأن هذا آخر عهدنا بطاعته
فلما فارقهم جمع نحوا من مائة رجل فورد بهم بشت نيسابور
فحارب عاملها وأخرجه عنها وجباها
ثم خرج إلى قومس فقتل ببسطام مقتلة عظيمة وتغلب عليها وذلك سنة إحدى وستين ومائتين
وسار إلى نيسابوروبها عزيز بن السري فهرب عزيز وأخذ أحمد أثقاله واستولى على نيسابور يدعو إلى الطاهرية وذلك أول سنة اثنتين وستين ومائتين
وكتب إلى رافع بن هرثمة يستقدمه فقدم عليه فجعله صاحب جيشه
وكتب إلى يعمر بن شركب وهو يحاصر بلخ يستقدمه ليتفقا على تلك البلاد فلم يثق إليه يعمر لفعله بأخيه
وسار يعمر إلى هراة فحارب طاهر بن حفص فقتله واستولى على أعمال طاهر
فسار إليه أحمد فكانت بينهما مناوشات
وكان أبو طلحة بن شركب غلاما من أحسن الغلمان وكان عبد الله بن بلاب يميل إليه وهو أحد قواد يعمر فراسل الخجستاني وأعلمه أنه يعمل ضيافة ليعمر وقواده ويدعوهم إليه يوما ذكره ويأمره بالنهوض إليهم فيه فإنه يساعده وشرط عليه أن يسلم إليه أبا طلحة فأجابه أحمد إلى ذلك
فصنع ابن بلال طعاما ودعا يعمر وأصحابه وكبسهم أحمد وقبض على يعمر وسيره إلى نائبه بنيسابور فقتله
واجتمع إلى أبي طلحة جماعة من أصحاب أخيه فقتلوا ابن بلال وساروا إلى نيسابور وكان بها الحسين بن طاهر أخو محمد بن طاهر قد وردها من اصبهان طمعا أن يخطب لهم أحمد كما كان يظهره من نفسه
فلم يفعل فخطب له أبو طلحة بها وأقام معه
فسار إليه الخجستاني من هراة في اثنتي عشرة ألف عنان فأقام على ثلاثة مراحل من نيسابور
ووجه أخاه العباس إليها فخرج إليه أبو طلحة فقاتله فقتل العباس وانهزم أصحابه
فلما بلغ خبرهم إلى أحمد عاد إلى هراة ولم يعلم لأخيه خبرا فبذل الأموال لمن يأتيه بخبره فلم يقدم على ذلك أحد
وأجابه رافع بن هرثمة إليه فاستأمن إلى أبي طلحة فأمنه وقربه ووثق إليه
وتحقق رافع خبر العباس فانهاه إلى أخيه أحمد وأنفذه أبو طلحة إلى بيهق وبست ليجبي أموالهما لنفسه
وضم إليه قائدين فجبى رافع الأموال وقبض على القائدين وسار إلى الخجستاني إلى قرية من قرى خواف فنزلها وبها حلي بن يحيى الخارجي
فنزل ناحية عنه
فبلغ الخبر إلى أبي طلحة فركب مجدا فوصل إليهم ليلا فأوقع بحلي وأصحابه وهو يظنه رافعا
وهرب رافع سالما وعلم أبو طلحة بحال حلي بعد حرب شديدة فكف عنه وأحسن إليه وإلى أصحابه ثم وجه أبو طلحة جيشا إلى جرجان وبها ثابت بن الحسن بن زيد ومعه الديلم وكان جيش أبي طلحة إسحاق الشاري فحاربوا الديلم بجرجان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأجلوهم عنها
وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ومائتين
ثم عصي إسحاق على أبي طلحة فسار إليه أبو طلحة واشتغل في طريقه باللهو والصيد فكبسه إسحاق وقتل أصحابه وانهزم أبو طلحة إلى نيسابور فاستضعفه أهلها فأخرجوه منها
فنزل على فرسخ عنها وجمع جمعا وحاربهم ثم افتعل كتابا عن أهل نيسابور إلى إسحاق يستقدمونه إليهم ويعدونه المساعدة على أبي طلحة فاغتر إسحاق بذلك
وكتب أبو طلحة عن إسحاق كتابا إلى أهل نيسابور يعدهم أنه يساعدهم على أبي طلحة ويأمرهم بحفظ الدروب وترك مقاربة البلد إلى ان يوافيهم فاغتروا بذلك وظنوه كتابه ففعلوا ما أمرهم
وسار إسحاق مجدا فلما قارب نيسابور لقيه أبو طلحة فغافصه فطعنه أبو طلحة فألقاه عن فرسه في بئر هناك
فلم يعلم له خبر وانهزم أصحابه ودخل بعضهم إلى نيسابور وضيق عليهم أبو طلحة فكاتبوا الخجستاني واستقدموه من هراة فأتاهم في يومين وليلتين
وورد عليهم ليلا ففتحوا له الأبواب ودخلها وسار عنها أبو طلحة إلى الحسن بن زيد فأمده بجنود فعاد إلى نيسابور فلم يظفر بشيء
فسار إلى بلخ وحصر أبا داود الناهجوزي واجتمع معه خلق كثير وذلك سنة خمسين وقيل ست وستين ومائتين
وسار الخجستاني إلى محاربة الحسن بن زيد لمساعدته أبا طلحة فاستعان الحسن بأهل جرجان فأعانوه فحاربهم الخجستاني فهزمهم وأغار عليهم وجباهم أربعة آلاف ألف درهم
وذلك في رمضان سنة خمس وستين واتفق أن يعقوب بن الليث توفي سنة خمس وستين أيضا
وولي مكانه أخوه عمرو فعاد إلى سجستان وقصد هراة فعاد الخجستاني من جرجان إلى نيسابور ووافاه عمرو بن الليث فاقتتلا وانهزم عمرو ورجع إلى هراة وأقام أحمد بنيسابور
وكان كيكان وهو يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي وجماعة من المتطوعة والفقهاء بنيسابور يميلون إلى عمرو لتولية السلطان إياه
فرأى الخجستاني أن يوقع بينهم ليشتغل بعضهم ببعض وأحضر منهم جماعة من الفقهاء القائلين بمذاهب أهل العراق
فأحسن إليهم وقربهم وأكرمهم وأظهروا الخلاف على كيكان ونابذوه
وكان كيكان يقول بمذهب أهل المدينة فكفى شرهم وسار إلى هراة فحصر بها عمرو بن الليث سنة سبع وستين فلم يظفر بشيء فسار نحو سجستان فحصر في طريقه رمل ( سي ) فلم يظفر بشيء منها
فاحتال حتى استمال رجلا قطانا كانت داره إلى جانب السور ووعده أن ينقب إلى العسكر من داره ويخرج أصحابه إلى البلد
فاستأمن رجلان إلى البلد من أصحاب الخجستاني وذكرا الخبر لصاحبه فأخذ القطان وأخربت داره وبطل ما كان الخجستاني عزم عليه
وكان خليفة الخجستاني بنيسابور قد أساء السيرة وقوي العيارين وأهل الفساد
فاجتمع الناس إلى كيكان فثار على نائبه وأعانهم عمرو بن الليث بجنده فقبضوا على خليفة الخجستاني وأقام أصحاب عمرو بنيسابور فبلغ الخبر إلى أحمد فوافى نيسابور فخرج عنها كيكان وغيره فردهم أصحاب أحمد الخجستاني فقتل منهم جماعة وغيب كيكان فلم يظهر إلا بعد مدة ميتا وقد بنى عليه حائطا فمات فيه
وأقام أحمد بنيسابور تمام سنة سبع وستين ومائتين
ثم أن عمرا كاتب أبا طلحة وهو يحاصر بلخ يستقدمه إلى هراة فأتاه فأكرمه وأعطاه مالا عظيما ووعده وتركه بخراسان وعاد إلى سجستان
فسار أحمد إلى سرخس وبها عامل عمرو فأتاه أبو طلحة فقاتله فانهزم أبو طلحة ومر على وجهه وسار أحمد خلفه فلحقه بخلم فحاربه فهزمه أيضا
وسار نحو سجستان وأقام أحمد بطخارستان وكان ناسرار عباس القطان قد أتى طلحة فسار نحو نيسابور فأعانه أهلها فأخذوا والدة الخجستاني وما كان معها وأقام بنيسابور ولحق به أبو طلحة فمنعه أهل نيسابور من دخولها
واتصل الخبر بالخجستاني وهو بطايكان من طخارستان فسار مجدا نحو نيسابور ولما أيس الطاهرية من الخجستاني
وكان أحمد بن محمد بن طاهر بخوارزم واليا عليها فأنفذ أبا العباس النوفلي في خمسة آلاف رجل ليخرج أحمد من نيسابور فبلغ خبره أحمد فارسل إليه ينهاه عن سفك الدماء فأخذ النوفلي الرسل فأمر بضربهم وحلق لحاهم وأراد قتلهم فبينما هم يطلبون الجلادين والحلاقين ليحلق لحاهم أتاهم الخبر بقرب جيش أحم منهم فاشتغلوا وتركوا الرسل فهربوا إلى أحمد وأعلموه الخبر فعبى أصحابه وحملوا على النوفلي حملة رجل واحد فأكثروا فيهم القتل وقبضوا على النوفلي وأحضروه عنده فقال له إن الرسل لتختلف إلى بلاد الكفار فلا تتعرض لهم أفلا استحيت أن تأمر في رسلي بما أمرت فقال النوفلي أخطأت فقال لكني سأصيب في أمرك ثم أمر به فقتل
وبلغه أن إبراهيم بن محمد بن طلحة بمرو قد جبى أهلها في سنتين خمسة عشر خراجا فسار إليه في أبيورد في يوم وليلة فأخذه من على فراشه وأقام بمرو فجبى خراجها ثم ولاها موسى البلخي ثم وافاها الحسين بن طاهر فأحسن فيهم السيرة ووصل إليه نحو عشرين ألف ألف درهم
ذكر قتل الخجستاني
ص 267
لما كان الخجستاني بطخارستان وافاه خبر أخذ والدته من نيسابور وسار مجدا فلما قارب هراة أتاه غلام لأبي طلحة يعرف بينال ده هزار مستأمنا فأتاه خبره قبل وصوله
وكان للخجستاني غلام اسمه رامجور على خزائنه فقال له كالممازح له إن سيدك ينال ده هزار قد استأمن إلي كما علمت فانظر كيف يكون برك به
فحقدها عليه رامجور وخاف أن يقدم ذلك الغلام عليه ويطلب الفرصة ليقتله
وكان لأحمد غلام يدعى قتلغ وهو على شرابه فسقاه يوما فرأى في الكوز شيئا فأمر به فقلعت إحدى عينيه فتواطأ قتلغ ورامجور على قتله فشرب يوما بنيسابور عند وصوله من طايكان فسكر ونام
فتفرق عنه أصحابه فقتله رامجور وقتلغ
وكان قتله في شوال سنة ثمان وستين ومائتين
وأخذ رامجور خاتمه فأرسله إلى الإصطبل يأمرهم بإسراج عدة دواب ففعلوا
فسير عليها جماعة إلى أبي طلحة وهو بجرجان يعلمه الحال ويأمره بالقدوم
ثم أغلق رامجور الباب على أحمد واختفى
وبكر القواد إلى باب أحمد فوجدوا ببا حجرته مغلقا فانتظروه ساعة طويلة فرابهم الأمر ففتحوا الباب فرأوه مقتولا فبحثوا عن الحال وأخبرهم صاحب الإصطبل خبر رامجور في إنفاذ الخاتم فطلبوه فلم يجدوه ثم وجدوه بعد مدة
وكان سبب إطلاعهم عليه أن صبيا من أهل تلك الدار التي هو بها طلب نارا فقيل له ما تعملون بالنار في اليوم الحار فقيل نتخذ طعاما للقائد قيل ومن القائد قال رامجور
فانهوا خبره إلى بعض القواد فأخذوه وقتلوه
واجتمع أصحاب أحمد بعد قتله على رافع بن هرثمة
وسنذكر أخبار رافع سنة ثمان وستين ومائتين
وكان أحمد بن عبد الله لما عاد من طايكان بعد قتل والدته نصب رمحا طويلا في صحن داره وقال يحتاج أهل نيسابور أن يضعوا الدر حتى يغمروا هذا الرمح فخافوا منه
واستخفى جمع من الرؤساء والتجار وفزع الناس إلى الدعاء وسألوا أبا عثمان وغيره من أصحاب أبي حفص الزاهد أن يتضرعوا إلى الله تعالى ليفرج عنهم
وفعلوا فتداركهم الله بحرمته فقتل تلك الليلة وفرج الله عنهم
وكان أحمد كريما جوادا شجاعا حسن العشيرة كثير البر لإخوانه الذين صحبوه قبل إمارته والإحسان إليهم ولم يتغير لهم عما كان يفعله من التواضع والآداب
ذكر عدة حوادث
ص 268
فيها ولي القضاء علي بن محمد بن أبي الشوارب وفيها سار الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى الجبل في صفر وفيها مات الصلاني والي الري ووليها كيغلغ وفيها نهب ابن زيدويه الطبيب
ومات صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور وولي إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداد فصار له قضاء الجانبين وفيها تنافر أبو أحمد الموفق وأحمد بن طولون أمير ديار مصر وصار ب 9 ه بينهما وحشة مستحكمة
وتطلب الموفق من يتولى الديار المصرية فلم يجد أحدا لأن ابن طولون كان خدمه وهداياه متصلة إلى القواد بالعراق وأرباب المناصب فلهذا لم يجد من يتولاها
فكتب إلى ابن طولون يهدده بالعزل فأجابه جوابا فيه بعض الغلظة
فسير إليه الموفق موسى بن بغا في جيش كثيف فسار إلى الرقة وبلغ الخبر ابن طولون فحصن الديار المصرية
وأقام ابن بغا عشرة أشهر بالرقة لم يمكنه المسير لقلة الأموال معه وطالبه الجنود بالعطاء فلم يكن معه ما يعطيهم فاختلفوا عليه وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان فاستتر
واضطر ابن بغا إلى العودة إلى العراق وكفى الله أحمد بن طولون شره فتصدق بأموال كثيرة
وفيها قتل محمد بن عتاب وكان سائرا إلى السيبين وهي في ولايته فقتله الأعراب
وفيها قتل القطان صاحب مفلح وكان عاملا بالموصل فانصرف عنها فقتل بالرقة وفيها عقد لكفتمر علي بن الحسين بن داود على طريق مكة
وفيها وقع بين الخياطين والجزارين بمكة قتال يوم التروية حتى خاف الناس أن يبطل الحج ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس وقد قتل منهم سبعة عشر رجلا وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد
وفيها سير محمد صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش إلى الجليقي وكان بمدينة بطليوس فلما سمع خبرهم فارقها ودخل حصن كركر فحوصر فيه وكثر القتل في أصحابه في شوال
وفيها مات عمرو بن شبة النميري الأخباري وكان مولده ثلاث وسبعين ومائة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.