وفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد العلوي فهزمه ودخل طبرستان وكان سبب ذلك أن عبد الله السجزي ينازع يعقوب الرياسة بسجستان فقهره يعقوب فهرب منه عبد الله إلى نيسابور فلما سار يعقوب إلى نيسابور كما ذكرنا هرب عبد الله إلى الحسن بن زيد بطبرستان فسار يعقوب في أثره فلقيه الحسن بن زيد بقرية سارية وكان يعقوب قد أرسل إلى الحسن يسأله أن يبعث إليه عبد الله ويرجع عنه فإنه إنما جاء لذلك لا لحربه فلم يسلمه الحسن فحاربه يعقوب فانهزم الحسن ومضى نحو الشرز وأرض الديلم ودخل يعقوب سارية وآمل وجبى أهلها خراج سنة ثم سار في طلب الحسن فسار إلى بعض جبال طبرستان وتتابعت عليه الأمطار نحوا من أربعين يوما فلم يتخلص إلا بمشقة شديدة وهلك عامة ما معه من الظهر ثم أراد الدخول خلف الحسن فوقف على الطريق الذي يريد يسلكه وأمر أصحابه بالوقوف ثم تقدم وحده وتأمل الطريق ثم رجع إليهم فأمرهم بالانصراف فقال لهم إن لم يكن طريق غير هذا وإلا لا طريق إليه وكان نساء أهل تلك الناحية قلن للرجال دعوه يدخل فإنه إن دخل كفيناكم أمره وعلينا أسره لكم فلما خرج من طبرستان عرض رجاله ففقد منهم أربعون ألفا وذهب أكثر ما كان معه من الخيل والإبل والبغال والأثقال وكتب إلى الخليفة بما فعله مع الحسن من الهزيمة وسار إلى الري في طلب عبد الله لأنه كان سار إليها بعد هزيمة الحسن فلما قاربها يعقوب كتب إلى الصلاني واليها يخيره بين تسليم عبد الله إليه وينصرف عنه وبين المحاربة فسلم إليه عبد الله فرحل عنه وقتل عبد الله
ثم دخلت سنة ستين ومائتين
كان الخليفة المعتمد على الله قد استعمل على الموصل اساتكين وهو من أكابر قواد الأتراك فسير إليها ابنه اذكوتكين في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ومائتين فلما كان يوم النيروز من هذه السنة وهو الثالث عشر من نيسان فغيره المعتضد بالله ودعا إلى اذكوتكين ووجوه أهل الموصل إلى قبة في الميدان وأحضر أنواع الملاهي وأكثر الخمر وشرب ظاهرا وتجاهر أصحابه بالفسوق وفعل المنكرات وأساء السيرة في الناس وكان تلك السنة برد شديد أهلك الأشجار والثمار والحنطة والشعير وطالب الناس بالخراج على الغلات التي هلكت فاشتد ذلك عليهم وكان لا يسمع بقرس جيد عند أحد إلا أخذه وأهل الموصل صابرون إلى أن وثب رجل من أصحابه على امرأة فأخذها في الطريق فامتنعت واستغاثت فقام رجل اسمه إدريس الحميري وهو من أهل القرآن والصلاح فخلصها من يده فعاد الجندي إلى أذكوتكين فشكى من الرجل فأحضره وضربه ضربا شديدا من غير أن يكشف الأمر فاجتمع وجوه أهل الموصل إلى الجامع وقالوا قد صبرنا على أخذ الأموال وشتم الأعراض وابطال السنن والعسف وقد أفضى الأمر إلى أخذ الحريم فأجمع رأيهم على إخراجه والشكوى منه إلى الخليفة وبلغه الخبر فركب إليهم في جنده وأخذ معه النفاطين فخرجوا إليه وقاتلوه قتالا شديدا حتى أخرجوه عن الموصل ونهبوا داره وأصابه حجر فأثخنه ومضى من يومه إلى بلده وسار منها إلى سامرا واجتمع الناس إلى يحيى بن سليمان وقلدوه أمرهم ففعل فبقي كذلك إلى أن انقضت سنة ستين
فلما دخلت سنة إحدى وستين كتب اساتكين إلى الهيثم بن عبد الله بن المعمر التغلبي ثم العدوي في أن يتقلد الموصل وأرسل إليه الخلع واللواء وكان بديار ربيعة فجمع جموعا كثيرة وسار إلى الموصل ونزل بالجانب الشرقي وبينه وبين البلد دجلة فقاتلوه فعبر إلى الجانب الغربي وزحف إلى باب البلد فخرج إليه يحيى بن سليمان في أهل الموصل فقاتلوه فقتل بينهم قتلى كثيرة وكثرت الجراحات وعاد الهيثم عنهم فاستعمل اساتكين على الموصل إسحاق بن أيوب التغلبي فخرج في جمع يبلغون عشرين ألفا منهم حمدان بن حمدون التغلبي وغيره فنزل عند الدير الأعلى فقاتله أهل الموصل ومنعوه فبقوا كذلك مدة فمرض يحيى بن سليمان الأمير فطمع إسحاق في البلد وجد في الحرب فانكشف الناس بين يديه فدخل إسحاق ووصل إلى سوق الأربعاء وأحرق سوق الحشيش فخرج بعض العدول اسمه زياد بن عبد الواحد وعلق في عنقه مصحفا واستغاث بالمسلمين فأجابوه وعادوا إلى الحرب وحملوا على إسحاق وأصحابه وأخرجوهم من المدينة وبلغ يحيى بن سليمان الخبر فأمر فحمل في محفة وجعل أمام الصف فلما رآه أهل الموصل قويت نفوسهم واشتد قتالهم ولم يزل الأمر كذلك وإسحاق يراسل أهل الموصل ويعدهم الأمان وحسن السيرة فأجابوه إلى أن يدخل البلد ويقيم بالربض الأعلى فدخل وأقام سبعة أيام ثم وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل شر فرجعوا إلى الحرب وأخرجوه عنها واستقر يحيى بن سليمان الموصل
وفي هذه السنة ظهر موسى بن ذي النون الهواري بشنت برية وأغار على أهل طليطلة ودخل حصن وليد من شنت برية فخرج أهل طليطلة إليه في نحو عشرين ألفا فلما التقوا بموسى واقتتلوا انهزم محمد بن طريشة في أصحابه وهو من أهل طليطلة فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة وأنهزم معهم مطرف بن عبد الرحمن فعمل ذلك محمد مكافأة لمطرف حين انهزم بالناس في العام الماضي فقتل من أهل طليطلة خلق كثير وقوي موسى بن ذي النون وهابه من حاذره
في هذه السنة قتل رجل من أصحاب مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمر رآه وهو يريد سامرا فقتله وحمل رأسه إلى مساور فطلبت ربيعة بثاره فندب مسرور البخلي وغيره إلى أخذ الطرق على مساور وفيها اشتد الغلاء في عامة بلاد الاسلام فانجلى من أهل مكة كثير ورحل عنها عاملها وهو برة وبلغ الكر الحنطة ببغداد عشرين ومائة دينار ودام ذلك شهورا
وفيها قتلت الأعراب منجورا والي حمص واستعمل عليها بكتمر وفيها قتل العلاء بن أحمد الأزدي عامل أذربيجان وكان سبب قتله أنه فلج فاستعمل الخليفة مكانه أبا الرديني عمر بن علي فلما قاربها خرج إليه العلاء فتحاربا فقتل العلاء وانهزم أصحابه وأخذ أبو الرديني ما خلفه العلاء وكان مبلغه ألفي ألف وسبعمائة ألف درهم وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المعروف ببرية وهو أمير مكة
وفيها ظهر بمصر إنسان يكنى أبا روح واسمه سكن وكان من أصحاب ابن الصوفي واجتمع له جماعة فقطع الطريق وأخاف السبيل فوجه إليه ابن طولون جيشا فوقف أبو روح في أرض كثيرة الشقوق وقد كان بها قمح فحصد وبقي من تبنه على الأرض ما يستر الشقوق وقد ألقوا المشي على مثل هذه الأرض فلما جاءهم الجيش لقوهم ثم انهزم أصحاب أبي روح فتبعهم عسكر ابن طولون فوقعت حوافر خيولهم في تلك الشقوق فسقط كثير من فرسانها عنها وتراجع أصحاب أبي روح عليهم فقتلوهم شر قتلة وانهزم الباقون أسوأ هزيمة فسير أحمد جيشا إلى طريقهم إلى الواحات وجيشا في طلبه فلقيه الجيش الذي في طلبه وقد تحصن في مثل تلك الأرض فحذرها عسكر أحمد فحين بطلت حيلهم انهزموا وتبعهم العسكر فلما خرجوا إلى طريق الواحات رأى أبو روح الطريق قد ملكت عليه فراسل يطلب الأمان فبذل له وبطلت الحرب وكفي المسلمون شره
وفيها توفي علي بن محمد بن جعفر العلوي الحماني وكان يسكن الحمان فنسب إليها
وفيها قتل علي بن يزيد صاحب الكوفة قتله صاحب الزنج وفيها كان بإفريقية وبلاد المغرب والأندلس غلاء شديد وعم غيرها من البلاد وتبعه وباء وطاعون عظيم هلك فيه كثير من الناس وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه المالكي صاحب المجموعة في الفقه وهو من أهل افريقية وفيها مات مالك بن طوق التغلبي بالرحبة وهو بناها وإليه تنسب وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام
وهو أبو محمد العلوي العسكري وهو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الامامية وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامرا وكان مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائتين
وفيها توفي أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني الفقيه الشافعي وهو من أصحاب الشافعي البغداديين وفيها توفي حسين بن إسحاق الحكيم الطبيب وهو الذي نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى العربية وكان عالما بها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
