وفيها في ثاني عشر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرا وقد عبى أصحابه واختفى صالح بن وصيف وسار موسى إلى الجوسق والمهتدي جالس للمظالم فأعلم بمكان موسى فأمسك ساعة عن الإذن ثم أذن له ولمن معه فدخلوا فتناظروا وأقاموا المهتدي من مجلسه وحملوه على دابة من دواب الشاكرية وانتهبوا ما كان في الجوسق وأدخلوا المهتدي دار ياجور وكان سبب أخذه أن بعضهم قال إنما سبب هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكسبكم صالح بجيشه فخافوا من ذلك فأخذوه فلما أخذوه قال موسى بن بغا اتق الله ويحك فإنك قد ركبت أمرا عظيما فقال له موسى وتربة المتوكل ما نريد إلى خيرا ولو أراد به خيرا لقال وتربة المعتصم والواثق ثم أخذوا عليه العهود أن لا يمايل صالحا ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر ثم جددوا له البيعة ثم أصبحوا وأرسلوا إلى صالح ليحضر ويطالبوه بدماء الكتاب والأموال التي للمعتز وأسبابه فوعدهم فلما كان الليل رأى أن أصحابه قد تفرقوا ولم يبق إلا بعضهم فهرب واختفى
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين
وفيها قتل صالح بن وصيف لثمان بقين من صفر
وكان سببه أن المهتدي لما كان لثلاث بقين من المحرم أظهر كتابا زعم أن امرأة دفعته إلى سيما الشرابي وقالت إن فيه نصيحة وإن منزلها بمكان كذا فإن طلبوني فأنا فيه وطلبت المرأة فلم توجد وقيل إنه لم يدر من ألقى الكتاب ودعا المهتدي القواد وسليمان بن وهب فأراهم الكتاب فزعم سليمان أنه خط صالح فقرأه على القواد فإذا فيه أنه مستخف بسامرا وإنما استتر طلبا للسلامة وابقاء الموالي وطلبا لانقطاع الفتن وذكر ما صر إليه من أموال الكتاب وأم المعتز وجهة خروجها ويدل فيه على قوة نفسه فلما فرغوا من قراءته وصله المهتدي بالحث على الصلح والاتفاق والنهي عن التباغض والتباين فاتهمه الأتراك بأنه يعرف مكان صالح ويميل إليه وطال الكلام بينهم في ذلك
فلما كان الغد اجتمعوا بدار موسى بن بغا داخل الجوسق واتفقوا على خلع المهتدي فقال لهم بابكيال إنكم قتلتم ابن المتوكل وهو حسن الوجه سخي الكف فاضل النفس وتريدون قتل هذا وهو مسلم يصوم ولا يشرب النبيذ من غير ذنب والله لئن قتلتم هذا لألحقن بخراسان لأشيع أمركم هناك فاتصل الخبر بالمهتدي فتحول من مجلسه متقلدا سيفا وقد لبس ثيابا نظافا وتطيب ثم أمر بإدخالهم عليه فدخلوا فقال لهم بلغني ما أنتم عليه ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت إلى أخي بولدي وهذا سيفي والله لأضربن به ما استمسك قائمة بيدي والله لئن سقط مني شعرة ليهلكن وليذهبن أكثركم كم هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والحراءة على الله سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم ومن كان إذا بلغه هذا منكم دعا بالنبيذ فشربه مسرورا بمكروهكم حتى تعلموا أنه وصل إلى شيء من دنياكم أما إنكم لتعلمون أن بعض المتصلين بكم أيسر من جماعة من أهلي وولدي سوأة لكم يقولون إني أعلم بمكان صالح وهل هو إلا رجل من الموالي فكيف الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه وإذا أبرمتم الصلح فيه كان لكم ما أنفذه لجميعكم وإن أبيتم الإقامة على ما أنتم عليه فشأنكم واطلبوا صالحا وأما أنا فما أعلم مكانه قالوا فاخلف لنا على ذلك قال أما اليمين فنعم ولكنها تكون بحضرة بني هاشم والقضاة غدا إذا صليت الجمعة ثم قال لبابكيال ولمحمد بن بغا قد حضرتما ما عمله صالح في أموال الكتاب وأم المعتز فإن أخذ منه شيئا فقد أخذتما مثله فاحفظهما ذلك ثم أرادوا خلعه وإنما منعهم خوف الاضطراب وقلة الأموال فأتاهم مال من فارس عشرة آلاف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم
فلما كان سلخ المحرم انتشر الخبر في العامة أن القوم قد اتفقوا على خلع المهتدي والفتك به وأنهم قد أرهقوه وكتبوا الرقاع ورموها في الطرق والمساجد مكتوب فيها يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره الله على عدوه ويكفيه مؤنة ظالمة ويتم النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه فإن الأتراك قد أخذوه بأن يخلع نفسه وهو يعذب منذ أيام وصلى الله على محمد فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلون من صفر تحرك الموالي بالكرخ والدور وبعثوا إلى المهتدي وسألوه أن يرسل إليهم بعض إخوته ليحملوه رسالة فوجه إليهم أخاه أبا القاسم عبد الله فذكروا له أنهم سامعون مطيعون وأنهم بلغهم أن موسى وبابكيال وجماعة معهما يريدونه على الخلع وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك
وشكوا تأخر أرزاقهم وما صار من الاقطاع والزيادات والرسوم إلى قوادهم التي قد أجحفت والضياع وما قد أخذوا النساء والدخلاء
فكتبوا بذلك كتابا فحمله إلى المهتدي وكتب جوابه بخطه قد فهمت كتابكم وسرني ما ذكرتم من طاعتكم فأحسن الله جزاءكم وأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز علي ذلك ولوددت والله أن صلاحكم يهيأ بأن لا آكل ولا أشرب ولا أطعم ولدي إلا القوت ولا أكسوه إلا ستر العورة وأنتم تعلمون ما صار إلى من الأموال وأما ما ذكرتم من الاقطاعات وغيرها فأنا أنظر في ذلك وأصرفه إلى محبتكم إن شاء الله تعالى فقرؤوا الكتاب وكتبوا بعد الدعاء يسألون أن يرد الأمور في الخاص والعام إلى أمير المؤمنين لا يعترض عليه معترض وأن يرد رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين وهو أن يكون على كل تسعة عريف وعلى كل خمسين خليفة وعلى كل مائة قائد وأن يسقط النساء والزيادات ولا يدخل مولى في ماله ولا غيره وأن يوضع لهم العطاء كل شهرين وأن تبطل الاقطاعات وذكروا أنهم سائرون إلى بابه ليقضي حوائجهم وان بلغهم أن أحدا اعترض عليه أخذوا رأسه وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا بها موسى بن بغا وبابكيال وياجور وغيرهم وأرسلوا الكتاب مع أبي القاسم وتحولوا إلى سامرا وقام القواد في مراتبهم فدخل أبو القاسم إليه بالكتاب فقرأه للقواد قراءة ظاهرة وفيهم موسى وكتب جوابه بخطه فأجباهم إلى ما سألوا ودفعه إلى أبي القاسم
فقال أبو القسام لموسى بن بغا وبابكيال ومحمد بن بغا وجهوا معي رسلا يعتذرون إليهم عنكم فوجهوا معه رسلا فوصلوا إلى الأتراك وهم زهاء ألف فارس وثلاثة آلاف راجل وذلك لخمس خلون من صفر فأوصل الكتاب وقال إن أمير المؤمنين قد أجابكم إلى ما سألتم وقال لهم هؤلاء رسل القواد إليكم يعتذرون من شيء إن كان بلغكم عنهم وهم يقولون إنما أنتم أخوة وأنتم منا وإلينا واعتذر عنهم فكتبوا إلى المهتدي يطلبون خمس توقيعات توقيعا بخط الزيادات وتوقيعا برد الإقطاعات وتوقيعا بإخراج الموالي البرانيين من الخاصة إلى البرانيين وتوقيعا برد الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين وتوقيعا برد البلاجي ثم يجعل أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم ممن يرى ليرفع إليه أمورهم ولا يكون رجلا من الموالي وأن يحاسب صالح بن وصيف وموسى بن بغا عما عندهما من الأموال ويجعل لهم العطاء كل شهرين لا يرضيهم إلا ذلك ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم
وكتبوا كتابا آخر إلى القواد موسى وغيره ذكروا فيه أنهم كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا وأنه لا يمنعهم شيئا مما طلبوا إلا أن يعترضوا عليه وأنهم إن فعلوا ذلك لم يوافقوهم وأن أمير المؤمنين إن شاكه شوكة وأخذ من رأسه شعرة أخذوا رؤوسهم جميعا ولا يقنعهم إلا أن يظهر صالح ويجتمع هو وموسى بن بغا حتى ينظر أين الأموال فلما قرأ المهتدي الكتاب أمر بإنشاء التوقيعات الخمس على ما سألوا وسيرها إليهم مع أبي القاسم وقت المغرب وكتب إليهم بإجابتهم إلى ما طلبوا وكتب إليهم موسى بن بغا كذلك وأذن في ظهور صالح وذكر أنه أخوه وابن عمه وأنه ما أراد ما يكرهون فلما قرؤوا الكتابين قالوا قد أمسينا وغدا نعرفكم رأينا فافترقوا
فلما كان الغد ركب موسى من دار الخليفة ومعه من عسكره ألف وخمسمائة رجل فوقف على طريقهم وأتاهم أبو القاسم فلم يعقل منهم جوابا إلا كل طائفة يقولون شيئا فلما طال الكلام انصرف أبو القاسم فاجتاز بموسى بن بغا وهو في أصحابه فانصرف معه ثم أمر المهتدي محمد بن بغا أن يسير إليهم مع أخيه أبي القاسم فسار في خمسمائة فارس ورجع موسى إلى مكانه بكرة وتقدم أبو القاسم ومحمد بن بغا فوعداهم عن المهتدي وأعطياهم توقيعا فيه أمان صالح بن وصيف مؤكدا غاية التوكيد فطلبوا أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير وصالح في مرتبة أبيه ويكون الجيش في يد من هو في يده وأن يظهر صالح بن وصيف ويوضع لهم العطاء ثم اختلفوا فقال قوم قد رضينا وقال قوم لم نرض فانصرف أبو القاسم ومحمد بن بغا على ذلك وتفرق الناس إلى الكرخ والدور وسامرا فلما كان الغد ركب بنو وصيف في جماعة معهم وتنادوا السلاح ونهبوا دواب العامة وعسكروا بسامرا وتعلقوا بأبي القاسم وقالوا نريد صالحا وبلغ ذلك المهتدي فقال لموسى يطلبون صالحا مني كأني أنا أخفيته إن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه ثم ركب موسى ومن معه من القواد فاجتمع الناس إليه فبلغ عسكره أربعة آلاف فارس وعسكروا وتفرق الأتراك ومن معهم ولم يكن للكرخيين ولا للدوريين في هذا اليوم حركة وجد موسى ومن معه في طلب ابن وصيف واتهموا جماعة به فلم يكن عندهم
ثم إن غلاما دخل دارا وطلب ماء ليشربه فسمع قائلا يقول أيها الأمير تنح فإن غلاما يطلب ماء فسمع الغلام الكلام فجاء إلى عند عيار فأخبره فأخذ معه ثلاثة نفر وجاء إلى صالح وبيده مرآة ومشط وهو يسرح لحيته فأخذه فتضرع إليه فقال لا يمكنني تركك ولكني أمر بك على ديار أهلك وقوادك وأصحابك فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك فأخرج حافيا ليس على رأسه شيء والعامة تعدو خلفه وهو على برذون بأكاف فأتوا به نحو الجوسق فضربه بعض أصحاب موسى على عاتقه ثم قتلوه وأخذوا رأسه وتركوا جثته ووافوا به دار المهتدي قبل المغرب فقالوا له في ذلك فقال واروه ثم حمل رأسه وطيف له على قناة ونودي عليه هذا جزاء من قتل مولاه ولما قتل أنزل رأس بغا الصغير وسلم إلى أهله ليدفنوه ولما قتل صالح قال السلولي لموسى بن بغا
( ونلت وترك من فرعون حين طغى % وحيث إذ جئت يا موسى على قدر )
( ثلاثة كلهم باغ أخو حسد % يرميك بالظلم والعدوان عن وتر )
( وصيف في الكرخ ممثول به وبغا % بالجسر محترق بالنار والشرر )
( وصالح بن وصيف بعد منعفر % بالحير جثته والروح في سقر )
في هذه السنة خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على مساور
وسبب ذلك أنه خالفه في توبة الخاطئ فقال مساور تقبل توبته وقال عبيدة لا تقبل فجمع عبيدة جمعا كثيرا وسار إلى مساور وتقدم إليه مساور من الحديثة فالتقوا بنواحي جهينة بالقرب من الموصل في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين واقتتلوا أشد قتال فترجل من عتده ومعه جماعة من أصحابه وعرقبوا دوابهم فقتل عبيدة وانهزم جمعه فقتل أكثرهم واستولى مساور على كثير من العراق ومنع الأموال عن الخليفة فضاقت على الجند أرزاقهم فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبابكيال وغيرهما في عسكر عظيم فوصوا إلى السن فأقاموا به ثم عادوا إلى سامرا لما نذكره من خلع المهتدي فلما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحا إلى قتال مساور في عسكر كبير حسن العدة فلما قارب الحديثة فارقها مساور وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني وللآخر عامر وهما بالقرب من الحديثة فتبعه مفلح فعطف عليه مساور وهو في أربعة آلاف فارس فاقتتل هو ومفلح وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة وقد جمع كثيرا من أصحابه فلقوا مفلحا بجبل زيني فلم يصل مفلح منه إلى ما يريده فصعد رأس الجبل فاحتمى به ونزل مفلح في أصل الجبل وجرى بينهما وقعات كثيرة ثم أصبحوا يوما وطلبوا مساورا فلم يجدوه وكان قد نزل ليلا من غير الوجه الذي فيه مفلح لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح فحيث لم يره مفلح سار إلى الموصل فسار منها إلى ديار ربيعة سنجار ونصيبين والخابور فنظر في أمرها ثم عاد إلى الموصل فأحسن السيرة في أهلها ورجع عنها في رجب متأهبا للقاء مساور فلما قارب الحديثة فارقها مسارو وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح فتبعه مفلح فكان مساور يرحل عن المنزل فينزله مفلح فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق وراء مساور ولحق الجيش الذي معه مشقة ونصب فعاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره ويأخذ كل من ينقطع عن ساقه العسكر فرجع إليه طائفة منهم فقاتلوه ثم عادوا ولحقوا مفلحا ووصلوا الحديثة فأقام بها مفلح أياما وانحدر أول شهر رمضان إلى سامرا فاستولى حينئذ مساور على البلاد وجبى خراجها وقويت شوكته واشتد أمره
في رجب الخامس عشر منه خلع المهتدي وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه وكان السبب في ذلك أن أهل الكرخ والدور من الأتراك الذين تقدم ذكرهم تحركوا في أول رجب لطلب أرزاقهم فوجه المهتدي إليهم أخاه أبا القاسم وكيغلغ وغيرهما فسكنوهم فرجعوا وبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال للأتراك إن الأموال عند محمد وموسى ابني بغا فهرب إلى أخيه وهو بالسن مقابل مساور الشاري فكتب المهتدي إليه أربعة كتب يعطيه الأمان فرجع هو وأخوه حيسون فحبسهما ومعهما كيغلغ وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالأموال فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار وقتل لثلاث خلون من رجب ورمي به في بئر فأنتن فأخرجوه إلى منزله وصلى عليه الحسن بن المأمون
وكتب المهتدي إلى موسى بن بغا لما حبس أخاه أن يسلم العسكر إلى بابكيال والرجوع إليه وكتب إلى بابكيال أن يتسلم العسكر ويقوم بحرب مساور الشاري وقتل موسى بن بغا ومفلح فسار بابكيال بالكتاب إلى موسى فقرأه عليه وقال لست أفرح بهذا فإنه تدبير علينا جميعنا فما ترى فقال موسى أرى أن تسير إلى سامرا وتخبره أنك في طاعته ونصرته علي وعلى مفلح فهو يطمئن إليك ثم تدبر في قتله فأقبل إلى سامرا فوصلها ومعه ياركوج واسارتكين وسيما الطويل وغيرهم فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة مضت من رجب فحبس بابكيال وصرف الباقين فاجتمع أصحاب بابكيال وغيرهم من الأتراك وقالوا لم حبس قائدنا ولم قتل أبو نصر بن بغا
وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه فقال له انه لم يبلغ أحدا من آبائك ما بلغته من الشجاعة وقد كان أبو مسلم أعظم شأنا عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه وقد كان فيهم من يعبده فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكتوا فلو فعلت مثل ذلك سكتوا فركب المهتدي وقد جمع له جميع المغاربة والأتراك والفراغنة فصير في الميمنة مسرورا البلخي وفي الميسرة ياركوج ووقف هو في القلب مع اسارتكين وطبايغو وغيرهما من القواد فأمر بقتل بابكيال وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب فحملوا على عتاب فقتلوه وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن فيها من الأتراك فصاروا مع اخوانهم الأتراك فانهزم الباقون عن المهتدي وقتل جماعة من الفريقين فقيل قتل سبعمائة وثمانون رجلا
وقيل قتل من الأتراك نحو أربعة آلاف وقيل ألفان وقيل ألف وقتل من أصحاب المهتدي خلق كثير وولى منهزما وبيده السيف وهو ينادي يا معشر المسلمين أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة إلى ذلك فسار إلى باب السجن فأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه فهربوا ولم يعنه أحد فسار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم في أثره فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق على بغل فحبس عند أحمد بن خاقان وقبل المهتدي يده فيما قيل مرارا عديدة وجرى بينهم وبينه وهو محبوس كلام كثير أرادوه فيه على الخلع فأبى واستسلم للقتل فقالوا إنه كتب بخطه رقعة لموسى بن بغا وبابكيال وجماعة من القواد أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم ولا يفتك بهم ولا يهم بذلك وأنه متى فعل ذلك فهم في حل من بيعته والأمر إليهم يقعدون من شاؤوا فاستحلوا بذلك نقض أمره فداسوا خصيتيه وصفعوه فمات وأشهدوا على موته أنه سليم ليس به أثر ودفن بمقبرة المنتصر
وقيل كان سبب خلعه وموته أن أهل الكرخ والدور اجتمعوا وطلبوا أن يدخلوا إلى المهتدي ويكلموه بحاجاتهم فدخلوا الدار وفيها أبو نصر محمد بن بغا وغيره من القواد فخرج أبو نصر منها ودخل أهل الكرخ والدور وشكوا حالهم إلى المهتدي وهم في أربعة آلاف وطلبوا منه أن يعزل عنهم أمراءهم وأن يصير الأمر إلى إخوته وأن يأخذ القواد وكتابهم بالمال الذي صار إليهم فوعدهم بإجابتهم إلى ما سألوه فأقاموا يومهم في الدار فحمل المهتدي إليهم ما يأكلون وسار محمد بن بغا إلى المحمدية وأصبحوا من الغد يطلبون ما سألوه فقيل لهم إن هذا الأمر صعب وإخراج الأمر عن يد هؤلاء القواد ليس بسهل فكيف إذا جمع إليه مطالبتهم بالأموال فانظروا في أموركم فإن كنتم تصبرون على هذا الأمر إلى أن نبلغ غايته وإلا فأمر المؤمنين يحسن لكم النظر فأبوا إلا ما سألوه فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا القول وأن يقاتلوا من قاتلهم وينصحوا أمير المؤمنين فأجابوا إلى ذلك فأخذت عليهم أيمان البيعة ثم كتبوا إلى أبي نصر عن أنفسهم وعن المهتدي ينكرون خروجه عن الدار بغير سبب وأنهم إنما قصدوا ليشكوا حالهم ولما رأوا الدار فارغة أقاموا فيها فرجع فحضر عند المهتدي فقبل رجله ويده ووقف فسأله عن الأموال وما يقوله الأتراك فقال وما أنا والأموال قال وهل هي إلا عندك وعند أخيك وأصحابكما ثم أخذوا بيد محمد وحبسوه وكتبوا إلى موسى بن بغا ومفلح بالانصراف إلى سامرا وتسليم العسكر إلى قواد ذكروهم وكتبوا إلى الأتراك الصغار في تسليم العسكر منهما وذكروا ما جرى لهم وقالوا إن أجاب موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الإقبال إلى سامرا وتسليم العسكر وإلا فشدوهما وثاقا واحملوهما إلى الباب وأجرى المهتدي على من أخذت عليه البيعة كل رجل درهمين فلما وصلت الكتب إلى عسكر موسى أخذها موسى وقرئت عليه وعلى الناس وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم وساروا نحو سامرا فنزلوا عند قنطرة الرقيق لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب وخرج المهتدي وعرض الناس وعاد من يومه
وأصبح الناس من الغد وقد دخل من أصحاب موسى زهاء ألف فارس منهم كوبكين وغيره وعاد وخرج المهتدي فصف أصحابه وفيهم من أتى من أصحاب موسى وترددت الرسل بينهم وبين موسى يريد أن يولي ناحية ينصرف إليها وأصحاب المهتدي يريدون أن يجيء إليه ليناظرهم على الأموال فلم يتفقوا على شيء وانصرف عن موسى خلق كثير من أصحابه فعدل هو ومفلح يريدان طريق خراسان وأقبل بابكيال وجماعة من القواد فوصلوا إلى المهتدي فسلموا وأمرهم بالانصراف وحبس بابكيال وقتله ولم يتحرك أحد ولا تغير شيء إلا تغيرا يسيرا وكان ذلك يوم السبت فلما كان الأحد أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم ورفع أن الفرغنة إنما تم لهم هذا بعدم رؤساء الأتراك فخرجوا من الدار بأجمعهم وبقيت الدار على الفراغنة والمغاربة فأنكر الأتراك ذلك وأضافوا إليه طلب بابكيال فقال المهتدي للفراغنة والمغاربة ما جرى من الأتراك وقال لهم إن كنتم تظنون فيكم قوة فيما أكره قربكم وإلا فأرضيناهم من قبل تفاقم الأمر فذكروا أنهم يقومون به فخرج بهم المهتدي وهم في سنة آلاف منهم من الأتراك نحو الف وهم أصحاب صالح بن وصيف وكان الأتراك في عشرة آلاف فلما التقوا انهزم أصحاب صالح وخرج إليهم كمين للأتراك فانهزم أصحاب المهتدي وذكر نحو ما تقدم إلا أنه قال انهم لما رأوا المهتدي بدار أحمد بن جميل قاتلهم فأخرجوه وكان به أثر طعنة فلما رأى الجرح ألقى بيده إليهم وأرادوه على الخلع فأبى أن يجيبهم فمات يوم الأربعاء وأظهروه للناس يوم الخميس وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وكانوا قد خلعوا أصابع يديه من كفيه ورجليه من كعبيه حتى ورمت كفاه وقدماه وفعلوا به غير شيء حتى مات وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتا فكسروا على قبره ألف سيف وكانت مدة خلافة المهتدي أحد عشر شهرا وخمس عشرة ليلة وكان عمرة ثمانيا وثلاثين سنة وكان واسع الجبهة أسمر رقيقا أشهل جهم الوجه عريض البطن عريض المنكبين قصيرا طويل اللحية ومولده بالقاطول
كان المهتدي بالله من أحسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة وأظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة قال عبد الله بن إبراهيم الاسكافي جلس المهتدي للمظالم فاستعداه رجل على ابن له فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهما فقال الرجل للمهتدي والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قيل
( حكمتوه قاضيا بينكم % أبلج مثل القمر الزاهر )
( لا يقبل الرشوة في حكمه % ولا يبالي غبن الخاسر )
فقال المهتدي أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك وأما أنا فما جلست حتى قرأت ونضع الموازين القسط ليوم القيامة الآية قال فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم
قال أبو العباس بن هاشم بن القاسم الهاشمي كنت عند المهتدي بعض عشايا شهر رمضان فقمت لأنصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلى المهتدي بنا المغرب وأمر بالطعام فأحضر وأحضر طبق خلاف عليه رغيفان وفي إناء ملح وفي آخر زيت وفي آخر خل فدعاني إلى الأكل وأكلت مقتصرا ظنا مني أنه يحضر طعاما جيدا فلما رأى أكلي كذلك قال أما كنت صائما قلت بلى قال أفلست تريد الصوم غدا قلت وكيف لا وهو شهر رمضان فقال كل واستوف عشاءك فليس ههنا غير ما ترى فعجبت من قوله وقلت ولم يا أمير المؤمنين قد أسبغ الله عليك النعمة ووسع رزقه فقال إن الأمر على ما وصفت والحمد لله ولكني فكرت في أنه كان من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله وأخذت نفسي بما رأيت
قال إبراهيم بن مخلد بن محمد بن عرفة عن بعض الهاشميين إن المهتدي وجدوا له سفطا فيه جبة صوف وكساء وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه ويقول أما تستحي بنو العباس أن يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز وكان قد اطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب ومنع أصحاب السلطان عن الظلم رحمه الله تعالى ورضي عنه
لما أخذ المهتدي بالله وحبس أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل وهو المعروف بابن فتيان وكان محبوسا بالجوسق فبايعه الناس فبايعه الأتراك وكتبوا بذلك إلى موسى بن بغا وهو بخانقين فحضر إلى سامرا فبايعه ولقب المعتمد على الله ثم إن المهتدي مات ثاني يوم بيعة المعتمد وسكن الناس واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان
في هذه السنة سير جعلان لحرب صاحب الزنج بالبصرة فلما وصل إلى البصرة نزل بمكان بينه وبين صاحب الزنج فرسخ وخندق عليه وعلى أصحابه وأقام سنة أشهر في خندقه وجعل يوجه الزينبي وبني هاشم ومن خف لحربهم هذا اليوم الذي تواعدهم جعلان للقائه فلم يكن بينهم إلا الرمي بالحجارة والنشاب ولا يجد جعلان إلى لقائه سبيلا لضيق المكان عن مجال الخيل وكان أكثر أصحاب جعلان خيالة فلما طال مقامه في خندقه أرسل صاحب الزنج أصحابه إلى مسالك الخندق فبيتوا جعلان وقتلوا من أصحابه جماعة وخاف الباقون خوفا شديدا وكان الزينبي قد جمع البلالية والسعدية ووجه بهم من مكانين وقاتلوا الخبيث فظفر بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة فترك جعلان خندقه وانصرف إلى البصرة وظهر عجزه للسلطان فصرفه عن حرب الزنج وأمر سعيدا الحاجب بمحاربتهم وتحول صاحب الزنج بعد ذلك من السبخة التي كان فيها ونزل بنهر أبي الخصيب وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر وأخذوا منها أموالا كثيرة لا تحصى وقتل من فيها ونهبها أصحابه ثلاثة أيام وأخذ لنفسه بعد ذلك من النهب
وفيها دخل الزنج الأبلة فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأحرقوها وكان سبب ذلك أن جعلان لما تنحى عن خندقه إلى البصرة ألح شنا صاحب الزنج بالغارات على الأبلة وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية معقل ولم يزل يحارب إلى يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب فافتتحها وقتل أبو الأحوص وعبيد الله بن حميد بن الطوسي واضرمها نارا وكانت مبنية بالساج فاسرعت النار فيها وقتل من أهلها خلق كثير وحووا الأموال العظيمة وكان ما أحرقت النار أكثر من الذي نهب
وفيها أرسل أهل عبادان إلى صاحب الزنج فسلموا إليه حصنهم وكان الذي حملهم على ذلك أنه لما فعل بأهل الأبلة ما فعل خاف أهل عبادان على أنفسهم وأهليهم وأموالهم فكتبوا إليه يطلبون الأمان على أن يسلموا إليه البلد فأمنهم وسلموه إليه فأنفذ أصحابه إليهم وأخذوا ما فيه من العبيد والسلاح ففرقه في أصحابه
ولما فرغ العلوي البصري من الأبلة وعبادان طمع في الأهواز فاستنهض أصحابه نحو جبى فلم يلبث أهلها وهربوا منهم فدخلها الزنج وقتلوا من رأوا بها وأخرقوا ونهبوا وأخربوا ما وراءها إلى الأهواز فلما بلغوا الأهواز هرب من فيها من الجند ومن أهلها ولم يبق إلا القليل فدخلوها وأخربوها وكان بها إبراهيم ابن المدبر متولي الخراج فأخذوه أسيرا بعد أن جرح ونهب جميع ماله وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان فلما فعل ذلك بالأهواز وعبادان والأبلة خافه أهل البصرة وانتقل كثير من أهلها في البلدان
لما استولى ابن الشيخ على دمشق وقطع الحمل عن بغداد اتفق أن ابن المدبر حمل مالا من مصر إلى بغداد مقدار سبعمائة ألف دينار فأخذها عيسى بن الشيخ فأرسل من بغداد إليه حسين الخادم يطالبه بالمال فذكر أنه أخرجه على الجند فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد وكان قد امتنع من ذلك فأخذ العهد وأقام الدعوة للمعتمد ولبس السواد ظنا منه أن الشام تكون بيده فأنفذ المعتمد أماجور وقلده دمشق وأعمالها فسار إليها في ألف رجل فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصورا في عشرين ألف مقاتل فلما التقوا انهزم عسكر منصور وقتل منصور فوهن عيسى وسار إلى أرمينية على طريق الساحل وولي أماجور دمشق
وفيها ظهر بصعيد مصر إنسان علوي ذكر أنه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويعرف بابن الصوفي وملك مدينة إسنا ونهبها وعم شره البلاد فسير إليه أحمد بن طولون جيشا فهزمه العلوي وأسر المقدم على الجيش فقطع يديه ورجليه وصلبه فسير إليه ابن طولون جيشا آخر فالتقوا بنواحي أخميم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم العلوي وقتل كثير من رجاله وسار هو حتى دخل الواحات وسيرد ذكره سنة تسع وخمسين ومائتين إن شاء الله تعالى
في هذه السنة ظهر علي بن زيد العلوي بالكوفة واستولى عليها وأزال عنها نائب الخليفة واستقر بها فسير إليه الشاه بن ميكال في جيش كثيف فالتقوا واقتتلوا فانهزم الشاه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه ونجا الشاه ثم وجه المعتمد إلى محاربة كيجور التركي وأمره أن يدعوه إلى الطاعة ويبذل له الأمان فسار كيجور فنزل بشاهي وأرسل إلى علي بن زيد يدعوه إلى الطاعة وبذل له الأمان فطلب علي أمورا لم يجبه إليها كيجور فتنحى علي بن زيد عن الكوفة إلى القادسية فعسكر بها ودخل كيجور إلى الكوفة ثالث شوال من السنة ومضى علي بن زيد إلى خفان ودخل بلاد بني أسد وكان قد صاهرهم وأقام هناك ثم سار إلى جنبلاء وبلغ كيجور خبره فأسرى إليه من الكوفة سلخ ذي الحجة من السنة فواقعه فانهزم علي بن زيد وطلبه كيجور ففاته وقتل نفرا من أصحابه وأسر آخرين وعاد كيجور إلى الكوفة فلما استقامت أمورها عاد إلى سر من رأى بغير أمر الخليفة فوجه إليه الخليفة نفرا من القواد فقتلوه بعكبرا في ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائتين
وفيها تقدم سعيد بن صالح الحاجب لحرب صاحب الزنج من قبل السلطان
وفيها تحارب مساور الخارجي وأصحاب موسى بن بغا بناحية خانقين وكان مساور في جمع كثير وكان أصحاب موسى بن بغا نحو مائتين فالتقوا بمساور وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة
وفيها وثب ابن واصل بن إبراهيم التميمي وهو من أهل فارس ورجل من أكرادها يقال له أحمد بن الليث بالحرث بن سيما عامل فارس فحارباه وقتلاه وغلب محمد بن واصل على فارس
وفيها وجه مفلح لحرب مساور وفيها غلب الحسن بن زيد الطالبي على الري في رمضان فسار موسى بن بغا إلى الري في شوال وشيعه المعتمد وحج بالناس في هذه السنة محمد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور
وفيها توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي صاحب المسند الصحيح وكان مولده سنة أربع وتسعين ومائة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
