الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
36

ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين

الجزء السادس 12 عنصر صفحة 196
ذكر استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على كرمان ص 196

فيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان وسبب ذلك أن علي بن الحسين بن شبل كان على فارس فكتب إلى المعتز يطلب كرمان ويذكر عجز الطاهرية وأن يعقوب قد غلبهم على سجستان وكان علي بن الحسين قد تباطأ بحمل خراج فارس فكتب إليه المعتز بولاية كرمان وكتب إلى يعقوب بن الليث بولايتها أيضا يلتمس إغراء كل واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤنة الهالك عنه وينفرد بالآخر وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لها والمعتز يعلم ذلك منهما فأرسل علي بن الحسين طو بن المغلس إلى كرمان وسار يعقوب إليها فسبقه طوق واستولى عليها وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان مرحلة فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق ولا طوق يخرج إليه فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان فارتحل مرحلتين وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه وترك كرمان فوضع آلة الحرب وقعد للأكل والشرب والملاهي واتصل بيعقوب إقبال طوق على الشرب فكر راجعا فطوى المرحلتين في يوم واحد فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره فقال ما هذا فقيل غبرة المواشي فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب فأحاط به وأصحابه فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم فقال يعقوب لأصحابه أفرجوا للقوم فمروا هاربين وخلوا كل ما لهم وأسر يعقوب طوقا وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق في صناديق قيوادا ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب وفي صناديق أطوقة وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه فلما غنم يعقوب عسكرهم رأى ذلك فقال ما هذا يا طوق فأخبره الأطوقة والأسورة فأعطاها أصحابه وأخذ القيود والأغلال فقيد بها أصحاب علي ولما خرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها يعقوب وعيلها عصابة فسألة عنها فقال أصابني حرارة ففصدتها فأمر بنزع خف نفسه فتساقط منه كسر خبز يابسة فقال يا طوق هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي وخبزي في خفي منه آكل وأنت جالس في الشرب ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان

ذكر ملك يعقوب فارس ص 197

وفيها رابع جمادى الأولى ملك يعقوب بن الليث فارس ولما بلغ علي بن الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه وكان علي بشيراز فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز من أحد جانبيه جبل لا يسلك ومن الجانب الاخر نهر لا يخاض فأقام على رأس المضيق وهو مضيق ممره لا يسلكه إلا واحد بعد واحد وهو على طرف البر وقال إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا فرجع وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق فنزل على ميل منه وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب علي بن الحسين يسبونه وهو ساكت ثم رجع إلى أصحابه فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى صار إلى طرف المضيق مما يلي كرمان فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال ففعلوا وركبوا دوابهم عريا وأخذ كلبا كان معه فألقاه في الماء فجعل يسبح إلى جانب عسكر علي بن الحسين وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون إلى فعله ويضحكون منه وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم وبأيديهم الرماح يسيرون خلف الكلب فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع عامة النهر تحير في أمره وانتقض عليه تدبيره وخرج أصحاب يعقوب من وراء أصحاب علي فلما خرج أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز لأنهم كانوا يصيرون إذا خرج يعقوب وأصحابه بين جيش يعقوب والمضيق ولا يجدون ملجأ فانهزموا فسقط علي بن الحسين عن دابته كبا به الفرس فأخذ أسيرا وأتي به إلى يعقوب فقيده وأخذ كل ما في عسكره ثم رحل من موضعه ودخل شيراز ليلا فلم يتحرك أحد فلما أصبح نهب أصحابه دار علي ودور أصحابه وأخذ ما في بيوت الأموال وجبي الخراج ورجع إلى سجستان

وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين بعد عبوره النهر حرب شديدة وذلك أن عليا كان قد جمع عنده جمعا كثيرا من الموالي والأكراد وغيرهم بلغت عدتهم خمسة عشر ألفا بين فارس وراجل فعبى أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا ووقف هو في القلب وأقبل الصفار فعبر النهر فلما صار مع علي على أرض واحدة حمل هو وعسكره حملة واحدة على عسكر علي فثبتوا لهم ثم حمل ثانية فأزالهم عن مواقفهم وصدقهم في الحرب فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد وتبعهم علي يصيح بهم ويناشدهم الله ليرجعوا أو ليقفوا فلم يلتفت إليه أحد وقتل الرجالة قتلا ذريعا وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع العصر فازدحموا في الأبواب فتفرقوا في نواحي فارس وبلغ بعضهم في هزيمته إلى الأهواز فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم ولولا ذلك لقتلوا عن آخرهم وكان القتلى خمسة آلاف قتيل وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات ثم أخذ أسيرا لما عرفوه ودخل الصفار إلى شيراز وطاف بالمدينة ونادى بالأمان فاطمأن الناس وعذب عليا بأنواع العذاب وأخذ من أمواله ألف بدرة وقيل أربعمائة بدرة من السلاح والأفراس وغير ذلك ما لا يحد وكتب إلى الخليفة بطاعته وأهدى له هدية جليلة منها عشر بازات بيض وباز ابلق صيني ومائة من مسك وغيرها من الطرائف وعاد إلى سجستان ومعه علي وطوق تحت الاستظهار فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها

ذكر خلع المعتز وموته ص 198

وفيها في يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب خلع المعتز ولليلتين خلتا من شعبان ظهر موته وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه ولم يحصل منهم مال ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم وقالوا أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف فلم يكن عنده ما يعطيهم فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالا ليعطيهم فأرسلت إليه ما عندي شيء فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز شيء ولا من أمه وليس في بيت المال شيء اتفقت كلمتهم وكلمة المغاربة والفراغنة على خلع المعتز فساروا إليه وصاحوا فدخل إليه صالح ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر وبابكيال في السلاح فجلسوا على بابه وبعثوا إليه أن اخرج إلينا فقال قد شربت أمس دواء وقد أفرط في العمل فإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم وهو يظن أن أمره واقف على حاله فدخل إليه جماعة منهم فجروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس في الدار فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده وأدخلوه حجرة وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان وكانت أمه قد اتخذت في دارها سربا فخرجت منه هي وأخت المعتز وكانوا قد أخذوا عليها الطريق ومنعوا أحدا يجوز إليها وسلموا المعتز إلى من يعذبه فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه ثم أدخلوه سردابا وجصصوا عليه فمات فلما مات أشهدوا على موته بني هاشم والقواد وأنه لا أثر فيه ودفنوه مع المنتصر

وكانت خلافته من لدن يويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان عمره كله أربعا وعشرين سنة وكان أبيض أسود الشعر كثيفه حسن العينين والوجه أحمر الوجنتين حسن الجسم طويلا وكان مولده بسر من رأى وكان فصيحا

فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد وقد أحضر جماعة للرأي فقال لهم أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقهم الهمج العصاة الأوغاد الذي لا مسكة بهم ولا اختيار لهم ولا تمييز معهم قد زين لهم تقحم الخطأ سوء أعمالهم فهم الأقلون وإن كثروا والمذمومون إذا ذكروا وقد علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش وسد الثغور وإبرام الأمور وتدبير الأقاليم إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع حزم يتقي به عند موارد الأمور حقائق مصادرها وعلم يحجزه عن التهور والتغرير في الأشياء إلا مع إمكان فرصتها وشجاعة لا ينقصها الملمات مع تواتر جوائحها وجود يهون تبذير الأموال عند سؤالها وأما الثلاث فسرعة مكافأة الاحسان إلى صالح الأعوان وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان والاستعداد للحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان وأما الاثنتان فاسقاط الحجاب عن الرعية والحكم بين القوي والضعيف بالسوية وأما الواحدة فالتيقظ للأمور وقد اخترت لهم رجلا من موالي أحدهم شديد الشكيمة ماضي العزيمة لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء ولا يهاب ما وراءه ولا يهوله ما يلقاه فهو كالحريش في أصل السلام إن حرك حمل وإن نهش قتل عدته عتيدة ونقمته شديدة يلقى الجيش في النفر القليل بقلب أشد من الحديد طالب للثار لا تفله العساكر باسل الباس ومقتضب الأنفاس لا يعوزه ما طلب ولا يفوته من هرب وارى الزناد مضطلع العماد لا تشرهه الرغائب ولا تعجزه النوائب إن ولي كفى وإن قال وفى وإن نازل فبطل وإن قال فعل ظله لوليه ظليل وبأسه في الهياج عليه دليل يفوق من ساماه ويعجز من ناواه ويتعب من جاره وينعش من والاه

ذكر خلافة المهتدي ص 200

وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب بويع لمحمد بن الواثق ولقب بالمهتدي بالله وكان يكنى أبا عبد الله وأمه رومية وكانت تسمى قرب ولم يقبل بيعته أحد فأتى بالمعتز فخلع نفسه وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق فبايعه الخاصة والعامة

ذكر الشغب ببغداد ص 200

في هذه السنة شغبت العامة ببغداد سلخ رجب ووثبوا بسليمان بن عبد الله وكان سببه أن كتاب المهتدي ورد سلخ رجب إلى سليمان يأمره بأخذ البيعة له وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد كان المعتز قد سيره إليها كما تقدم فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره وسمع من ببغداد من الجند والعامة بأمر المعتز فاجتمعوا إلى باب دار سليمان فقاتلهم أصحابه وقيل لهم ما يرد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا الغد وهو يوم الجمعة على ذلك وخطب للمعتز ببغداد فانصرفوا وبكروا يوم السبت فهجموا على دار سليمان ونادوا باسم أبي أحمد ودعوا إلى بيعته وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم أن يصير إلى محبتهم إن تأخر عنهم ما يحبون فانصرفوا بعد أن أكدوا عليه في حفظ أبي أحمد

ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم فرضوا وبايعوا للمهتدي لسبع خلون من شعبان وسكنت الفتنة

ذكر ظهور قبيحة أم المعتز ص 201

قد ذكرنا استتارها عند قتل ابنها

وكان السبب في هربها وظهورها أنها كانت قد واطأت النفر من الكتاب الذي أوقع بهم صالح على الفتك بصالح فلما أوقع بهم وعذبهم علمت أنهم لا يكتمون عنه شيئا فأيقنت بالهلاك فعملت في الخلاص وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق من الأموال والجواهر وغيرها فأودعته واحتالت فحفرت سربا في حجرة لها إلى موضع يفوت التفتيش فلما خرجت الحادثة على المعتز بادرت فخرجت في ذلك السرب

فلما فرغوا من المعتز طلبوها فلم يجدوها ورأوا السرب فخرجوا منه فلم يقفوا على خبرها وبحثوا عنها فلم يظفروا بها ثم إنها فكرت فرأت أن ابنها قتل وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسها ويتقرب بها إلى صالح فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما وظهرت في رمضان

وكانت لها أموال ببغداد فأحضرتها وهي مقدار خمسمائة ألف دينار وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة ومن جملتها دار تحت الأرض وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ووجدوا في سفط قد مكوك زمرد لم ير الناس مثله وفي سفط آخر مقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار وفي سفط مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذي لم يوجد مثله فحمل الجميع إلى صالح فسبها وقال عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار وعندها هذه الأموال كلها ثم سارت قبيحة إلى مكة فسمعت وهي تدعو بصوت عال على صالح بن وصيف وتقول اللهم اخز صالحا كما هتك ستري وقتل ولدي وشتت شملي وأخذ مالي وغربني عن بلدي وركب الفاحشة مني وأقامت بمكة وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافورا قال وكانت أم المهدي قد ماتت قبل استخلافه وكانت تحت المستعين فلما قتل جعلها المعتز في قصر الرصافة فماتت فلما ولي المهتدي قال أما أنا فليس لي أم أحتاج لها إلى غلة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها وما أريد إلا القوت لنفسي وولدي وما أريد فضلا إلا لاخوتي فإن الضائقة قد مستهم

ذكر قتل أحمد بن إسرائيل وأبي نوح ص 202

وفيها قتل أحمد بن إسرائيل وكان صالح قد عذبه بعد أن أخذه وأخذ ماله ومال الحسن بن مخلد ثم أمر بضربه وضرب أبي نوح ضرب التلف كل واحد منهما خمسمائة سوط فماتا ودفنا وبقي الحسن بن مخلد ولما بلغ المهتدي ضربهما قال أما عقوبة إلا السوط والقتل أما يكفي الحبس إنا لله وإنا إليه راجعون يكرر ذلك مرارا

ذكر ولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد وشغب الجند والعامة بها ص 202

وفي رمضان وثب عامة بغداد وجندها بمحمد بن أوس البلخي

وكان السبب في ذلك أن محمد بن أوس قدم من خراسان مع سليمان بن عبد الله بن طاهر على الجيش القادمين من خراسان وعلى الصعاليك الذين معهم ولم يكن أسماؤهم في ديوان العراق وكانت العادة أن يقام لمن يقدم من خراسان بالعراق ما كان لهم بخراسان ويكون وجه ذلك من دخل ضياع ورثة طاهر بن الحسين ويكتب إلى خراسان ليعطى الورثة من بيت المال عوضه فلما سمع عبيد الله بن عبد الله بقدوم سليمان إلى العراق ومصير الأمر إليه أخذ ما في بيت مال الورثة وأخذ نجوما لم تحل وسار فأقام بالجويث في شرقي دجلة ثم انتقل إلى غربيها فقدم سليمان فرأى بيت مال الورثة فارغا فضاقت عليه الدنيا وأعطى أصحابه من أموال جند بغداد وتحرك الجند والشاكرية في طلب الأرزاق وكان الذين قدموا مع محمد بن أوس من خراسان قد أساؤوا مجاورة أهل بغداد وجاهروا بالفاحشة وتعرضوا للحرم والغلمان بالقهر فامتلأ عليهم غيظا وحنقا فاتفق العامة مع الجند وثاروا وأتوا سجن بغداد عند باب الشام فكسروا بابه وأطلقوا من فيه

وجرى حرب بين القادمين مع ابن أوس وبين أهل بغداد فعبر ابن أوس وأصحابه وأولاده إلى الجزيرة وتصايح الناس من أراد النهب فليلحق بنا فقيل إنه عبر إلى الجزيرة من العامة أكثر من مائة ألف نفس وأتاهم الجند في السلاح فهرب ابن أوس إلى منزله فتبعه الناس فتحاربوا نصف نهار حربا شديدة وجرح ابن أوس وانهزم هو وأصحابه وتبعهم الناس حتى أخرجوهم من باب الشماسية وانتهبوا منزله وجميع ما كان فيه فقيل كان قيمة ذلك ألفي ألف درهم وأخذوا له من الأمتعة ما لا حد عليه ونهب أهل بغداد منازل الصعاليك من أصحابه فأرسل سليمان بن عبد الله إلى ابن أوس يأمره بالمسير إلى خراسان ويعلمه أنه لا طريق له إلى العود إلى بغداد فرحل إلى النهروان فنهب وأفسد

ثم أتى بابكيال التركي كتب إليه ولاية طريق خراسان في ذي القعدة وكان مساور بن عبد الحميد قد استخلف رجلا اسمه موسى بالدسكرة ونواحيها في ثلاثمائة رجل واليه ما بين حلوان والسوس على طريق خراسان وبطن جوخى وفيها أمر المهتدي بإخراج القيان والمغنين من سامرا ونفاهم عنها وأمر بقتل السباع التي كانت بدار السلطان وطرد الكلاب ورد المظالم وجلس للعامة ولما ولي كانت الدنيا كلها بالفتن منسوجة

ذكر استيلاء مفلح على طبرستان وعوده عنها ص 203

في هذه السنة سار مفلح إلى طبرستان فحارب الحسن بن زيد العلوي فانهزم الحسن ولحق بالديلم ودخل مفلح البلد وأحرق منازل الحسن وسار إلى الديلم في طلبه ثم عاد عن طبرستان بعد أن دخلها وهزم الحسن بن زيد العلوي وعاد موسى بن بغا من الري

وسبب ذلك أن قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب الأتراك كتبت إلى موسى تسأله القدوم عليهم وأملت أن يصل قبل أن يفرط في ولدها فارط فعزم موسى على الانصراف وكتب إلى مفلح يأمره بالانصراف عن طبرستان إليه بالري فورد كتابه إلى مفلح وهو قد توجه إلى أرض الديلم في طلب الحسن بن زيد العلوي فلما أتاه الكتاب رجع فأتاه من كان هرب من الحسن من أهل طبرستان ورجوا العود إلى بيوتهم وقالوا له ما سبب عودك فأخبرهم بكتاب الأميرإليه يعزم عليه ولم يتهيأ لموسى المسير عن الري حتى أتاه خبر قتل المعتز والبيعة للمهتدي فبايعوا المهتدي ثم إن الموالي الذين مع موسى بلغهم ما أخذ صالح بن وصيف من أموال الكتاب وأسلاب المعتز فحسدوا المقيمين بسامرا فدعوا موسى بن بغا بالإنصراف وقدم عليهم مفلح وهو بالري فسار نحو سامرا فكتب إليه المهتدي يأمره بالعود إلى الري ولزوم ذلك الثغر فلم يفعل فأرسل إليه رجلين من بني هاشم يعرفانه ضيق الأموال عنده ويحذرانه غلبة العلويين على ما يجعله خلفه فلم يسمع ذلك وكان صالح بن وصيف يعظم على المهتدي انصرافه وينسبه إلى المعصية والخلاف ويتبرأ إلى المهتدي من فعله ولما أتى الرسل موسى ضج الموالي وكادوا أن يثبوا بالرسل ورد موسى الجواب يعتذر بتخلف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين ويحتج بما عاين الرسل وأنه إن تخلف عنهم قتلوه وسير مع الرسل جماعة من أصحابه فقدموا سامرا سنة ست وخمسين ومائتين

ذكر استيلاء مساور على الموصل ص 204

لما انهزم عسكر الموصل من مساور الخارجي كما ذكرناه قوي أمره وكثر أتباعه فسار من موضعه وقصد الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى فاستتر أمير البلد منه وهو عبد الله بن سليمان لضعفه عن مقاتلته ولم يدفعه أهل الموصل أيضا لميلهم إلى الخلاف فوجه مساور جمعا إلى دار عبد الله أمير البلد فأحرقها ودخل مسارو الموصل بغير حرب فلم يعرض لأحد وحضرت الجمعة فدخل المسجد الجامع وحضر الناس أو من حضر منهم فصعد المنبر وخطب عليه فقال في خطبته اللهم أصلحنا وأصلح ولاتنا ولما دخل في الصلاة جعل إبهاميه في أذنيه ثم كبر ست تكبيرات ثم قرأ بعد ذلك ولما خطب جعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف وكذلك في الصلاة لأنه خاف من أهل الموصل ثم فارق الموصل ولم يقدر على المقام بها لكثرة أهلها وسار إلى الحديثة لأنه كان اتخذها دار هجرته

ذكر أول خروج صاحب الزنج ص 205

وفي شوال خرج في فرات البصرة رجل وزعم أنه علي بن محمد بن أمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وجمع الزنج الذي كانوا يسكنون السباخ وعبر دجلة فنزل الديناري

قال أبو جعفر وكان اسمه فيما ذكر علي بن محمد بن عبد الرحيم ونسبه في عبد القيس وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة من قرى الري وكان يقول جدي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن علي بن الحسين فلما قتل زيد هرب فلحق بالري فجاء إلى قرية ورزنين وأقام بها إن أبا أبيه عبد الرحيم رجل من عبد القيس كان مولده بالطالقان وقدم العراق واشترى جارية سندية وأولدها محمدا أباه وكان متصلا قبل بجماعة من حاشية المنتصر منهم غانم الشطرنجي وسعيد الصغير وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان وكان يمدحهم ويتميحهم بشعره منهم ومن غيرهم

ثم إنه شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين فادعى بها أنه على عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ودعا الناس بهجر إلى طاعته فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ومن غيرهم فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة وكان أهل البحرين قد أحلوه بمحل نبي وجبى الخراج ونفذ فيهم حكمه وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه فوتر منهم جماعة فتنكروا له فانتقل عنهم إلى الاحساء ونزل على قوم من بني سعد بن تميم يقال لهم بنو الشماس وأقام فيهم وفي صحبته جماعة من البحرين منهم يحيى بن محمد الأزرق البحراني وسليمان بن جامع وهو قائد جيشه وكان ينتقل بالبادية فذكر عنه أنه قال أوتيت في تلك الأيام بالبادية آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس منها أني لقنت سورا من القرآن فجرى بها لساني في ساعة وحفظتها في دفعة واحدة منها سبحان والكهف وصاد ومنها أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد فاظلتني غمامة وخوطبت منها فقيل لي اقصد البصرة

وقيل عنه إنه قال لأهل البادية إنه يحيى بن عمر العلوي أبو الحسن المقتول بناحية الكوفة فخدع أهلها فأتاه منهم جماعة كثيرة فزحف بهم إلى موضع يقال له الردم من البحرين فكانت بينهم وقعة عظيمة وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه قتلوا قتلا كثيرا فتفرقت العرب عنه فلما تفرقت عنه سار فنزل البصرة في بني ضبيعة فاتبعه منهم جماعة كثيرة منهم علي بن أبان المهلبي وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين ومائتين ومحمد بن رجاء الحضاري عاملها ووافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية والسعدية وطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه فأرسل إليهم يدعوهم فلم يجبه أحد من أهل البلد وطلبه ابن رجاء فهرب فحبس رجاء جماعة ممن كانوا يميلون إليه منهم ابنه وزوجته وابنة له وجارية حامل منه وسار يريد بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع ومرقس القريعي فلما سار بالبطيحة نذر بهم رجل كان يلي أمرها اسمه عمير بن عمار فحملهم إلى محمد بن أبي عون عامل واسط فخلص منه هو أصحابه فدخل بغداد فأقام بها حولا فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه وما يفعل كل واحد منهم فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم جعفر بن محمد الصوحاني من ولد يزيد بن صوحان ومحمد بن القاسم ومشرق ورقيق غلاما ليحيى بن عبد الرحمن فسمى مشرقا حمزة وكناه أبا أحمد وسمى رقيقا جعفرا وكناه أبا الفضل وعزل محمد بن رجاء عن البصرة فوثب رؤوساء البلالية والسعدية فأخرجوا من في الحبوس فخلص أهله فيهم فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة وكان رجوعه إليها في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ومعه علي بن ابان ويحيى بن محمد وسليمان ومشرق ورقيق فوافوا البصرة فنزل بقصر القرشي على نهر يعرف بعمود ابن المنجم وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ فأقام هنالك

وذكر ريحان أحد غلمان السورجيين وهو أول من صحبه منهم أنه قال كنت موكلا بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق فأخذني أصحابه فساروا بي إليه وأمروني أن أسلم عليه بالأمرة ففعلت فسألني عن الموضع الذي جئت منه فأخبرته وسألني عن أخبار البصرة فقلت لا علم لي وسألني عن غلمان السورجيين وعن أحوالهم وما يجري لهم فأعلمته فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته فقال احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان وأقبل بهم إلي ووعدني أن يقودني على من آتيه به واستحلفني أن لا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه وخلى سبيلي وعدت إليه من الغداة وقد أتاه جماعة من غلمان الدباشين فكتب في حريرة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية وجعلها في رأس مردي وما زال يدعو غلمان أهل البصرة ويقبلون إليه للخلاص من الرق والتعب فاجتمع عنده منهم خلق كثير فخطبهم ووعدهم أن يقودهم ويملكهم الأموال وحلف لهم بالأيمان أن لا يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئا من الاحسان إلا أتى به إليهم فأتاه مواليهم وبذلوا له على كل عبد خمسة دنانير ليسلم إليه عبده فبطح أصحابهم وأمر كل من عنده من العبيد فضربوا مواليهم أو وكيلهم كل سيد خمسمائة سوط ثم أطلقهم فمضوا نحو البصرة ثم ركب في سفن هناك فعبر دجيلا إلى نهر ميمون فأقام هناك ولم يزل هذا دأبه يتجمع إليه السودان فلما كان يوم الفطر خطبهم وصلى بهم وذكرهم ما كانوا فيه من الشقاء وسوء الحال وأن الله تعالى أبعدهم من ذلك وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال فلما كان بعد يومين رأى أصحابه الحميري فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة واستأمن إلى صاحب الزنج رجل من رؤساء الزنج يكنى بأبي صالح ويعرف بالقصير في ثلاثمائة من الزنج فلما كثروا جعل القواد فيهم منهم وقال لهم كل من أتى منكم برجل فهو مضموم إليه وكان ابن أبي عون قد نقل من واسط إلى ولاية الإبلة وكور دجلة

وسار قائد الزنج إلى المحمدية فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون فصاح الزنج السلاح وقاموا وكان فيهم فتح الحجام فقام وأخذ طبقا كان بين يديه فلقيه رجل من السورجيين يقال له بلبل فلما رآه فتح حمل عليه وحذفه بالطبق الذي بيديه فرمى سلاحه وولى هاربا وانهزم أصحابه وكانوا أربعة آلاف وقتل منهم جماعة ومات بعضهم عطشا وأسر منهم وأمر بضرب أعناقهم

ثم سار إلى القادسية فنهبها أصحابه بأمره وما زال يتردد إلى أنهار البصرة فوجد بعض السودان دارا لبعض بني هاشم فيها سلاح بالسيب فانتهبوه فصار معهم ما يقاتلون به فأتاه وهو بالسيب جماعة من أهل البصرة يقاتلونه فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فلقوا البصريين فانهزم البصريون منهم وأخذوا سلاحهم ثم قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية اليهود فهزمهم أيضا وأثبت أصحابه في الصحراء

ثم أسرى إلى الجعفرية فوضع في أهلها السيف فقتل أكثرهم وأتى منهم بأسرى فأطلقهم ولقي جيشا كبيرا للبصريين مع رئيس اسمه عقيل فهزمهم وقتل منهم خلقا كثيرا وكان معهم سفن فهبت عليها ريح فألقتها إلى الشط فنزل الزنج وقتلوا من وجدوا فيها وغنموا ما فيها وكان مع الرئيس سفن فركبها ونجا فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيها ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبية وأحرقها وأفسد في الأرض وعاث ثم لقيه قائد من قواد الأتراك يقال له أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل على نهر الريان فاقتتلوا وحمل السودان عليه حملة صادقة فقتلوا صاحب علمه فانهزم هو وأصحابه وتبعهم السودان فقتلوا من أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمسمائة رجل وأخذوا منهم أسرى فأمر بقتلهم ثم إنه أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الخيول والمتطوعة والبلالية والسعدية وهم خلق كثير وقد أعدوا الحبال ليكتف من يأخذونه من السودان والمقدم عليهم أبو منصور وأخذ موالي الهاشميين فأرسل علي بن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم فلقي طائفة منهم فهزمهم فأتوا إلى موضع فيه ألف وتسعمائة سفينة ومعها من يحفظها فلما رأوا الزنج هربوا عنها فأخذ الزنج السفن وأتوا بها إلى صاحبهم فلما أتوه قعد على نشز من الأرض وكان في السفن قوم حجاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة فناظرهم فصدقوه على قوله وقالوا له لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك فأطلقهم

وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك المعسكر فأتاه خبرهم أنه قد أتوه في خلق كثير فأمر محمد بن سالم وعلي بن أبان أن يقعد لهم بالنخل وقعد هو على جبل مشرف فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرجال فأمر الزنج فكبروا وحملوا عليهم وحملت الخيول فتراجع الزنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه ثم حملوا فثبتوا لهم وقتل من الزنج فتح الحجام وصدق الزنج الحملة فأخذوهم بين أيديهم وخرج محمد بن سالم وعلي بن ابان وحملوا عليهم فقتلوا منهم وانهزم الناس وذهبوا كل مذهب وتبعهم السودان إلى نهر بيان فوقعوا في الوحل فقتلهم السودان وغرق كثير منهم وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كمينا فساروا إليه فإذا الكمين في أكثر من ألف من المغاربة فقاتلهم قتالا شديدا ثم حمل السودان عليهم فقتلوهم أجمعين وأخذوا سلاحهم ثم وجه أصحابه فرأوا مائتي سفينة فيها دقيق فأخذوه ومتاعا فنهبوه ونهب المعلى بن أيوب ثم سار فرأى مسلحة الزينبي فقاتلوا فقتلهم أجمعين فكانوا مائتين ثم سار فنهب قرية ميزران ورأى فيها جمعا من الزنج ففرقهم على قواده ثم سار فلقيه ستمائة فارس مع سليمان ابن أخي الزينبي ولم يقاتله فأرسل من بنهب فأتوه بغنم وبقر فذبحوا وأكلوا وفرق أصحابه في انتهاب ما هناك

ثم إن صاحب الزنج سار يريد البصرة حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي أتاه قوم من السودان فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة فلم يلبث إلا يسيرا حتى تنادى السودان السلاح السلاح وأمر علي بن أبان بالعبور إليهم فعبر في ثلاثمائة رجل وقال له إن احتجت إلى مدد فاستمدني فلما مضى علي صاح الزنج السلاح السلاح لحركة رأوها في جهة أخرى فوجه محمد بن سالم فرأى جمعا فلقاتلهم من وقت الظهر إلى آخر وقت العصر ثم حمل الزنوج حملة صادقة فهزموهم وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمسمائة ورجعوا إلى صاحبهم ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه وقد هزموا من بازائهم وقتلوا منهم ومعه رأس ابن أبي الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية ثم سار من الغد عن ذلك المكان ونهى أصحابه عن دخول البصرة فتسرع بعضهم فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم وانتهى الخبر إليه فوجه محمد بن سالم وعلي بن أبان ومشرقا وخلقا كثيرا وجاء هو يسايرهم فلقوا البصريين فأرسل إلى أصحابه ليتأخروا عن المكان الذي هم فيه فتراجعوا فأكب عليهم أهل البصرة فانهزموا وذلك عند العصر ووقع الزنوج في نهر كبير ونهر شيطان وقتل منهم جماعة وغرق جماعة وتفرق الباقون وتخلف صاحبهم عنهم وبقي في نفر يسير فنجاه الله تعالى ثم لقيهم وهم متحيرون لفقده وسأل عن أصحابه فإذا ليس معه إلا خمسمائة رجل فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون لصوته فلم يأته أحد وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج وبها متاعهم فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل وأرسل محمد بن سالم إلى أهل البصرة يعظهم ويعلمهم ما الذي دعاه إلى الخروج فقتلوه

فلما كان يوم الاثنين لأربع خلون من ذي القعدة جمع أهل البصرة وحشدوا لما رأوا من ظهورهم عليه وانتدب لذلك رجل يعرف بحماز الساجي وكان من غزاة البحر وله علم في ركوب السفن فجمع المتطوعة ورماة الأهداف وأهل المسجد الجامع ومن خف معه من البلالية والسعدية ومن أحب النظر من غيرهم وشحن ثلاثة مراكب وشذوات مقابلة وجعلوا يزدحمون ومضى جمهور الناس رجالة منهم من معه سلاح ومنهم نظارة فدخلت المراكب في المد والرجالة على شاطئ النهر فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصبهاني في شرقي النهر كمينا وطائفة مع شبل وحسين الحمامي في غربيه كمينا وأمر علي بن ابان أن يلقى أهل البصرة وأن يستتر هو ومن معهم بتراسهم ولا يقاتل حتى تظهر أصحابه وتقدم إلى الكمينين إذا جاوزهم أهل البصرة أن يخرجوا ويصيحوا بالناس وبقي هو في نفر يسير من أصحابه وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع فسار أصحابه إليهم وظهر الكمينان من جانبي النهر ومن وراء السفن والرجالة فضربوا من ولي من الرجالة والنظارة فغرقت طائفة وقتلت طائفة وهرب الباقون إلى الشط فأدركهم السيف فمن ثبت قتل ومن ألقى نفسه في الماء غرق فهلك أكثر ذلك الجمع فلم ينج إلا الشريد وكثر المفقودون من أهل البصرة وعلا العويل من نسائهم وهذا يوم البيداء الذي أعظمه الناس وكان فيمن قال جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى وجمعت للخبيث الرؤوس فأتاه جماعة من أولياء المقتولين فأعطاهم ما عرفوا وجمع الرؤوس التي لم تطلب وجعلها في خزينة فأطلقها فوافت البصرة فجاء الناس وأخذوا كل ما عرفوه منها وقوي عدو الله بعد هذا اليوم وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة منه وأمسكوا عن حربه

وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان فوجه إليهم جعلان التركي مددا وأمر أبا الأحوص الباهلي بالمسير إلى الأبلة واليا وأمده بقائد من الأتراك يقال له جريح وأما الخبيث صاحب الزنج فإنه انصرف بأصحابه إلى سبخة في آخر النهار وهي سبخة أبي قرة وبث أصحابه يمينا وشمالا للغارة والنهب فهذا ما كان منه في هذه السنة

ذكر عدة حوادث ص 211

في هذه السنة كانت وقعة بين عسكر الخليفة وبين مساور الشاري فانهزم عسكر الخليفة وفيها مات المعلى بن أيوب وفيها ولي سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد في ربيع الأول وكان قدومه من خراسان فيه أيضا فسار إلى المعتز فخلع عليه وسار إلى بغداد فقال ابن الرومي

( من عذيري من الخلائق ضلوا % في سليمان عن سواء السبيل )

( عوضوه بعد الهزيمة بغدا % د كأن قد أتى بفتح جليل )

( من يخوض الردى إذا كان من ف % ر أنابوه بالجزاء الجميل )

يعني هزيمة سليمان من الحسن بن زيد العلوي وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم فقيدهم وطالبهم بالأموال وكان سببه أن الأتراك طلبوا أرزاقهم فقال صالح للمعتز هؤلاء يطلبون أرزاقهم وليس في بيت المال شيء وقد ذهب هؤلاء الكتاب بالأموال وكان أحمد وزير المعتز والحسين وزير أم المعتز وقال له أحمد بن إسرائيل يا عاصي ابن العاصي فتراجعا الكلام فسقط صالح مغشيا عليه فرش على وجهه الماء وبلغ ذلك أصحابه وهم بالباب فصاحوا صيحة واحدة واخترطوا سيوفهم ودخلوا على المعتز مصلتين فدخل وتركهم وأخذ صالح أحمد بن إسرائيل وابن مخلد وعيسى فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى داره فقال المعتز لصالح قبل أن يحملهم هب لي أحمد فإنه كاتبي وقد رباني فلم يفعل ثم ضربهم وأخذ خطوطهم بمال جزيل قسط عليهم ولم يحصل منهم شيء وقام جعفر بن محمود بالأمر والنهي وفيها في رجب ظهر عيسى بن جعفر وزيد بن علي الحسنيان بالكوفة فقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى وفيها في ذي القعدة حبس الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي وولي عبد الرحمن بن نائل البصري قضاء سامرا في ذي الحجة

وحج بالناس علي بن الحسين بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس

وفيها ظهر بمصر إنسان علوي ذكر أنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن طباطبا وكان ظهوره بين برقة والاسكندرية وسار إلى الصعيد وكثر أتباعه وادعى الخلافة فسير إليه أحمد بن طولون جيشا فقاتلوه وانهزم أصحابه عنه وثبت هو فقتل وحمل رأسه إلى مصر

وفيها توفي خفاجة بن سفيان أمير صقلية في رجب وولى بعده ابنه محمد وتقدم ذكر ذلك سنة سبع وأربعين ومائتين ولما ولي محمد سير عمه عبد الله بن سفيان إلى سرقوسة فأهلك زرعها وعاد

وفيها توفي أبو أحمد عمر بن شمر بن حمدويه الهروي اللغوي وكان إماما في الأشعار وروى عن ابن الأعرابي والرياشي وغيرهما وفيها توفي محمد بن كرام بن عراف بن خزانة بن البراء صاحب المقالة المشهورة في التشبيه وكان موته بالشام وهو من سجستان

وفيها توفي الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قاضي مكة وكان سقط من سطح فمكث يومين ومات وكان عمره أربعا وثمانين سنة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب المسند توفي في ذي الحجة وعمره خمس وسبعون سنة وأبو عمران عمرو بن بحر الجاحظ وهو من متكلمي المعتزلة وعلي بن المثنى بن يحيى بن عيسى الموصلي والد أبي يعلى صاحب المسند وفيها توفي محمد سحنون الفقيه المالكي القيرواني بها

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.