فيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان وسبب ذلك أن علي بن الحسين بن شبل كان على فارس فكتب إلى المعتز يطلب كرمان ويذكر عجز الطاهرية وأن يعقوب قد غلبهم على سجستان وكان علي بن الحسين قد تباطأ بحمل خراج فارس فكتب إليه المعتز بولاية كرمان وكتب إلى يعقوب بن الليث بولايتها أيضا يلتمس إغراء كل واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤنة الهالك عنه وينفرد بالآخر وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لها والمعتز يعلم ذلك منهما فأرسل علي بن الحسين طو بن المغلس إلى كرمان وسار يعقوب إليها فسبقه طوق واستولى عليها وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان مرحلة فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق ولا طوق يخرج إليه فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان فارتحل مرحلتين وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه وترك كرمان فوضع آلة الحرب وقعد للأكل والشرب والملاهي واتصل بيعقوب إقبال طوق على الشرب فكر راجعا فطوى المرحلتين في يوم واحد فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره فقال ما هذا فقيل غبرة المواشي فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب فأحاط به وأصحابه فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم فقال يعقوب لأصحابه أفرجوا للقوم فمروا هاربين وخلوا كل ما لهم وأسر يعقوب طوقا وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق في صناديق قيوادا ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب وفي صناديق أطوقة وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه فلما غنم يعقوب عسكرهم رأى ذلك فقال ما هذا يا طوق فأخبره الأطوقة والأسورة فأعطاها أصحابه وأخذ القيود والأغلال فقيد بها أصحاب علي ولما خرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها يعقوب وعيلها عصابة فسألة عنها فقال أصابني حرارة ففصدتها فأمر بنزع خف نفسه فتساقط منه كسر خبز يابسة فقال يا طوق هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي وخبزي في خفي منه آكل وأنت جالس في الشرب ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين
وفيها رابع جمادى الأولى ملك يعقوب بن الليث فارس ولما بلغ علي بن الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه وكان علي بشيراز فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز من أحد جانبيه جبل لا يسلك ومن الجانب الاخر نهر لا يخاض فأقام على رأس المضيق وهو مضيق ممره لا يسلكه إلا واحد بعد واحد وهو على طرف البر وقال إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا فرجع وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق فنزل على ميل منه وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب علي بن الحسين يسبونه وهو ساكت ثم رجع إلى أصحابه فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى صار إلى طرف المضيق مما يلي كرمان فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال ففعلوا وركبوا دوابهم عريا وأخذ كلبا كان معه فألقاه في الماء فجعل يسبح إلى جانب عسكر علي بن الحسين وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون إلى فعله ويضحكون منه وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم وبأيديهم الرماح يسيرون خلف الكلب فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع عامة النهر تحير في أمره وانتقض عليه تدبيره وخرج أصحاب يعقوب من وراء أصحاب علي فلما خرج أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز لأنهم كانوا يصيرون إذا خرج يعقوب وأصحابه بين جيش يعقوب والمضيق ولا يجدون ملجأ فانهزموا فسقط علي بن الحسين عن دابته كبا به الفرس فأخذ أسيرا وأتي به إلى يعقوب فقيده وأخذ كل ما في عسكره ثم رحل من موضعه ودخل شيراز ليلا فلم يتحرك أحد فلما أصبح نهب أصحابه دار علي ودور أصحابه وأخذ ما في بيوت الأموال وجبي الخراج ورجع إلى سجستان
وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين بعد عبوره النهر حرب شديدة وذلك أن عليا كان قد جمع عنده جمعا كثيرا من الموالي والأكراد وغيرهم بلغت عدتهم خمسة عشر ألفا بين فارس وراجل فعبى أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا ووقف هو في القلب وأقبل الصفار فعبر النهر فلما صار مع علي على أرض واحدة حمل هو وعسكره حملة واحدة على عسكر علي فثبتوا لهم ثم حمل ثانية فأزالهم عن مواقفهم وصدقهم في الحرب فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد وتبعهم علي يصيح بهم ويناشدهم الله ليرجعوا أو ليقفوا فلم يلتفت إليه أحد وقتل الرجالة قتلا ذريعا وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع العصر فازدحموا في الأبواب فتفرقوا في نواحي فارس وبلغ بعضهم في هزيمته إلى الأهواز فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم ولولا ذلك لقتلوا عن آخرهم وكان القتلى خمسة آلاف قتيل وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات ثم أخذ أسيرا لما عرفوه ودخل الصفار إلى شيراز وطاف بالمدينة ونادى بالأمان فاطمأن الناس وعذب عليا بأنواع العذاب وأخذ من أمواله ألف بدرة وقيل أربعمائة بدرة من السلاح والأفراس وغير ذلك ما لا يحد وكتب إلى الخليفة بطاعته وأهدى له هدية جليلة منها عشر بازات بيض وباز ابلق صيني ومائة من مسك وغيرها من الطرائف وعاد إلى سجستان ومعه علي وطوق تحت الاستظهار فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها
وفيها في يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب خلع المعتز ولليلتين خلتا من شعبان ظهر موته وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه ولم يحصل منهم مال ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم وقالوا أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف فلم يكن عنده ما يعطيهم فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالا ليعطيهم فأرسلت إليه ما عندي شيء فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز شيء ولا من أمه وليس في بيت المال شيء اتفقت كلمتهم وكلمة المغاربة والفراغنة على خلع المعتز فساروا إليه وصاحوا فدخل إليه صالح ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر وبابكيال في السلاح فجلسوا على بابه وبعثوا إليه أن اخرج إلينا فقال قد شربت أمس دواء وقد أفرط في العمل فإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم وهو يظن أن أمره واقف على حاله فدخل إليه جماعة منهم فجروه برجله إلى باب الحجرة وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس في الدار فكان يرفع رجلا ويضع أخرى لشدة الحر وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده وأدخلوه حجرة وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان وكانت أمه قد اتخذت في دارها سربا فخرجت منه هي وأخت المعتز وكانوا قد أخذوا عليها الطريق ومنعوا أحدا يجوز إليها وسلموا المعتز إلى من يعذبه فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه ثم أدخلوه سردابا وجصصوا عليه فمات فلما مات أشهدوا على موته بني هاشم والقواد وأنه لا أثر فيه ودفنوه مع المنتصر
وكانت خلافته من لدن يويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان عمره كله أربعا وعشرين سنة وكان أبيض أسود الشعر كثيفه حسن العينين والوجه أحمر الوجنتين حسن الجسم طويلا وكان مولده بسر من رأى وكان فصيحا
فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد وقد أحضر جماعة للرأي فقال لهم أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقهم الهمج العصاة الأوغاد الذي لا مسكة بهم ولا اختيار لهم ولا تمييز معهم قد زين لهم تقحم الخطأ سوء أعمالهم فهم الأقلون وإن كثروا والمذمومون إذا ذكروا وقد علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش وسد الثغور وإبرام الأمور وتدبير الأقاليم إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع حزم يتقي به عند موارد الأمور حقائق مصادرها وعلم يحجزه عن التهور والتغرير في الأشياء إلا مع إمكان فرصتها وشجاعة لا ينقصها الملمات مع تواتر جوائحها وجود يهون تبذير الأموال عند سؤالها وأما الثلاث فسرعة مكافأة الاحسان إلى صالح الأعوان وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان والاستعداد للحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان وأما الاثنتان فاسقاط الحجاب عن الرعية والحكم بين القوي والضعيف بالسوية وأما الواحدة فالتيقظ للأمور وقد اخترت لهم رجلا من موالي أحدهم شديد الشكيمة ماضي العزيمة لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء ولا يهاب ما وراءه ولا يهوله ما يلقاه فهو كالحريش في أصل السلام إن حرك حمل وإن نهش قتل عدته عتيدة ونقمته شديدة يلقى الجيش في النفر القليل بقلب أشد من الحديد طالب للثار لا تفله العساكر باسل الباس ومقتضب الأنفاس لا يعوزه ما طلب ولا يفوته من هرب وارى الزناد مضطلع العماد لا تشرهه الرغائب ولا تعجزه النوائب إن ولي كفى وإن قال وفى وإن نازل فبطل وإن قال فعل ظله لوليه ظليل وبأسه في الهياج عليه دليل يفوق من ساماه ويعجز من ناواه ويتعب من جاره وينعش من والاه
وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب بويع لمحمد بن الواثق ولقب بالمهتدي بالله وكان يكنى أبا عبد الله وأمه رومية وكانت تسمى قرب ولم يقبل بيعته أحد فأتى بالمعتز فخلع نفسه وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق فبايعه الخاصة والعامة
في هذه السنة شغبت العامة ببغداد سلخ رجب ووثبوا بسليمان بن عبد الله وكان سببه أن كتاب المهتدي ورد سلخ رجب إلى سليمان يأمره بأخذ البيعة له وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد كان المعتز قد سيره إليها كما تقدم فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره وسمع من ببغداد من الجند والعامة بأمر المعتز فاجتمعوا إلى باب دار سليمان فقاتلهم أصحابه وقيل لهم ما يرد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا الغد وهو يوم الجمعة على ذلك وخطب للمعتز ببغداد فانصرفوا وبكروا يوم السبت فهجموا على دار سليمان ونادوا باسم أبي أحمد ودعوا إلى بيعته وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم أن يصير إلى محبتهم إن تأخر عنهم ما يحبون فانصرفوا بعد أن أكدوا عليه في حفظ أبي أحمد
ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم فرضوا وبايعوا للمهتدي لسبع خلون من شعبان وسكنت الفتنة
قد ذكرنا استتارها عند قتل ابنها
وكان السبب في هربها وظهورها أنها كانت قد واطأت النفر من الكتاب الذي أوقع بهم صالح على الفتك بصالح فلما أوقع بهم وعذبهم علمت أنهم لا يكتمون عنه شيئا فأيقنت بالهلاك فعملت في الخلاص وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق من الأموال والجواهر وغيرها فأودعته واحتالت فحفرت سربا في حجرة لها إلى موضع يفوت التفتيش فلما خرجت الحادثة على المعتز بادرت فخرجت في ذلك السرب
فلما فرغوا من المعتز طلبوها فلم يجدوها ورأوا السرب فخرجوا منه فلم يقفوا على خبرها وبحثوا عنها فلم يظفروا بها ثم إنها فكرت فرأت أن ابنها قتل وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسها ويتقرب بها إلى صالح فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما وظهرت في رمضان
وكانت لها أموال ببغداد فأحضرتها وهي مقدار خمسمائة ألف دينار وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة ومن جملتها دار تحت الأرض وجدوا فيها ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ووجدوا في سفط قد مكوك زمرد لم ير الناس مثله وفي سفط آخر مقدار مكوك من اللؤلؤ الكبار وفي سفط مقدار كيلجة من الياقوت الأحمر الذي لم يوجد مثله فحمل الجميع إلى صالح فسبها وقال عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار وعندها هذه الأموال كلها ثم سارت قبيحة إلى مكة فسمعت وهي تدعو بصوت عال على صالح بن وصيف وتقول اللهم اخز صالحا كما هتك ستري وقتل ولدي وشتت شملي وأخذ مالي وغربني عن بلدي وركب الفاحشة مني وأقامت بمكة وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافورا قال وكانت أم المهدي قد ماتت قبل استخلافه وكانت تحت المستعين فلما قتل جعلها المعتز في قصر الرصافة فماتت فلما ولي المهتدي قال أما أنا فليس لي أم أحتاج لها إلى غلة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها وما أريد إلا القوت لنفسي وولدي وما أريد فضلا إلا لاخوتي فإن الضائقة قد مستهم
وفيها قتل أحمد بن إسرائيل وكان صالح قد عذبه بعد أن أخذه وأخذ ماله ومال الحسن بن مخلد ثم أمر بضربه وضرب أبي نوح ضرب التلف كل واحد منهما خمسمائة سوط فماتا ودفنا وبقي الحسن بن مخلد ولما بلغ المهتدي ضربهما قال أما عقوبة إلا السوط والقتل أما يكفي الحبس إنا لله وإنا إليه راجعون يكرر ذلك مرارا
وفي رمضان وثب عامة بغداد وجندها بمحمد بن أوس البلخي
وكان السبب في ذلك أن محمد بن أوس قدم من خراسان مع سليمان بن عبد الله بن طاهر على الجيش القادمين من خراسان وعلى الصعاليك الذين معهم ولم يكن أسماؤهم في ديوان العراق وكانت العادة أن يقام لمن يقدم من خراسان بالعراق ما كان لهم بخراسان ويكون وجه ذلك من دخل ضياع ورثة طاهر بن الحسين ويكتب إلى خراسان ليعطى الورثة من بيت المال عوضه فلما سمع عبيد الله بن عبد الله بقدوم سليمان إلى العراق ومصير الأمر إليه أخذ ما في بيت مال الورثة وأخذ نجوما لم تحل وسار فأقام بالجويث في شرقي دجلة ثم انتقل إلى غربيها فقدم سليمان فرأى بيت مال الورثة فارغا فضاقت عليه الدنيا وأعطى أصحابه من أموال جند بغداد وتحرك الجند والشاكرية في طلب الأرزاق وكان الذين قدموا مع محمد بن أوس من خراسان قد أساؤوا مجاورة أهل بغداد وجاهروا بالفاحشة وتعرضوا للحرم والغلمان بالقهر فامتلأ عليهم غيظا وحنقا فاتفق العامة مع الجند وثاروا وأتوا سجن بغداد عند باب الشام فكسروا بابه وأطلقوا من فيه
وجرى حرب بين القادمين مع ابن أوس وبين أهل بغداد فعبر ابن أوس وأصحابه وأولاده إلى الجزيرة وتصايح الناس من أراد النهب فليلحق بنا فقيل إنه عبر إلى الجزيرة من العامة أكثر من مائة ألف نفس وأتاهم الجند في السلاح فهرب ابن أوس إلى منزله فتبعه الناس فتحاربوا نصف نهار حربا شديدة وجرح ابن أوس وانهزم هو وأصحابه وتبعهم الناس حتى أخرجوهم من باب الشماسية وانتهبوا منزله وجميع ما كان فيه فقيل كان قيمة ذلك ألفي ألف درهم وأخذوا له من الأمتعة ما لا حد عليه ونهب أهل بغداد منازل الصعاليك من أصحابه فأرسل سليمان بن عبد الله إلى ابن أوس يأمره بالمسير إلى خراسان ويعلمه أنه لا طريق له إلى العود إلى بغداد فرحل إلى النهروان فنهب وأفسد
ثم أتى بابكيال التركي كتب إليه ولاية طريق خراسان في ذي القعدة وكان مساور بن عبد الحميد قد استخلف رجلا اسمه موسى بالدسكرة ونواحيها في ثلاثمائة رجل واليه ما بين حلوان والسوس على طريق خراسان وبطن جوخى وفيها أمر المهتدي بإخراج القيان والمغنين من سامرا ونفاهم عنها وأمر بقتل السباع التي كانت بدار السلطان وطرد الكلاب ورد المظالم وجلس للعامة ولما ولي كانت الدنيا كلها بالفتن منسوجة
في هذه السنة سار مفلح إلى طبرستان فحارب الحسن بن زيد العلوي فانهزم الحسن ولحق بالديلم ودخل مفلح البلد وأحرق منازل الحسن وسار إلى الديلم في طلبه ثم عاد عن طبرستان بعد أن دخلها وهزم الحسن بن زيد العلوي وعاد موسى بن بغا من الري
وسبب ذلك أن قبيحة أم المعتز لما رأت اضطراب الأتراك كتبت إلى موسى تسأله القدوم عليهم وأملت أن يصل قبل أن يفرط في ولدها فارط فعزم موسى على الانصراف وكتب إلى مفلح يأمره بالانصراف عن طبرستان إليه بالري فورد كتابه إلى مفلح وهو قد توجه إلى أرض الديلم في طلب الحسن بن زيد العلوي فلما أتاه الكتاب رجع فأتاه من كان هرب من الحسن من أهل طبرستان ورجوا العود إلى بيوتهم وقالوا له ما سبب عودك فأخبرهم بكتاب الأميرإليه يعزم عليه ولم يتهيأ لموسى المسير عن الري حتى أتاه خبر قتل المعتز والبيعة للمهتدي فبايعوا المهتدي ثم إن الموالي الذين مع موسى بلغهم ما أخذ صالح بن وصيف من أموال الكتاب وأسلاب المعتز فحسدوا المقيمين بسامرا فدعوا موسى بن بغا بالإنصراف وقدم عليهم مفلح وهو بالري فسار نحو سامرا فكتب إليه المهتدي يأمره بالعود إلى الري ولزوم ذلك الثغر فلم يفعل فأرسل إليه رجلين من بني هاشم يعرفانه ضيق الأموال عنده ويحذرانه غلبة العلويين على ما يجعله خلفه فلم يسمع ذلك وكان صالح بن وصيف يعظم على المهتدي انصرافه وينسبه إلى المعصية والخلاف ويتبرأ إلى المهتدي من فعله ولما أتى الرسل موسى ضج الموالي وكادوا أن يثبوا بالرسل ورد موسى الجواب يعتذر بتخلف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين ويحتج بما عاين الرسل وأنه إن تخلف عنهم قتلوه وسير مع الرسل جماعة من أصحابه فقدموا سامرا سنة ست وخمسين ومائتين
لما انهزم عسكر الموصل من مساور الخارجي كما ذكرناه قوي أمره وكثر أتباعه فسار من موضعه وقصد الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى فاستتر أمير البلد منه وهو عبد الله بن سليمان لضعفه عن مقاتلته ولم يدفعه أهل الموصل أيضا لميلهم إلى الخلاف فوجه مساور جمعا إلى دار عبد الله أمير البلد فأحرقها ودخل مسارو الموصل بغير حرب فلم يعرض لأحد وحضرت الجمعة فدخل المسجد الجامع وحضر الناس أو من حضر منهم فصعد المنبر وخطب عليه فقال في خطبته اللهم أصلحنا وأصلح ولاتنا ولما دخل في الصلاة جعل إبهاميه في أذنيه ثم كبر ست تكبيرات ثم قرأ بعد ذلك ولما خطب جعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف وكذلك في الصلاة لأنه خاف من أهل الموصل ثم فارق الموصل ولم يقدر على المقام بها لكثرة أهلها وسار إلى الحديثة لأنه كان اتخذها دار هجرته
وفي شوال خرج في فرات البصرة رجل وزعم أنه علي بن محمد بن أمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وجمع الزنج الذي كانوا يسكنون السباخ وعبر دجلة فنزل الديناري
قال أبو جعفر وكان اسمه فيما ذكر علي بن محمد بن عبد الرحيم ونسبه في عبد القيس وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة من قرى الري وكان يقول جدي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن علي بن الحسين فلما قتل زيد هرب فلحق بالري فجاء إلى قرية ورزنين وأقام بها إن أبا أبيه عبد الرحيم رجل من عبد القيس كان مولده بالطالقان وقدم العراق واشترى جارية سندية وأولدها محمدا أباه وكان متصلا قبل بجماعة من حاشية المنتصر منهم غانم الشطرنجي وسعيد الصغير وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان وكان يمدحهم ويتميحهم بشعره منهم ومن غيرهم
ثم إنه شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين فادعى بها أنه على عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ودعا الناس بهجر إلى طاعته فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ومن غيرهم فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة وكان أهل البحرين قد أحلوه بمحل نبي وجبى الخراج ونفذ فيهم حكمه وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه فوتر منهم جماعة فتنكروا له فانتقل عنهم إلى الاحساء ونزل على قوم من بني سعد بن تميم يقال لهم بنو الشماس وأقام فيهم وفي صحبته جماعة من البحرين منهم يحيى بن محمد الأزرق البحراني وسليمان بن جامع وهو قائد جيشه وكان ينتقل بالبادية فذكر عنه أنه قال أوتيت في تلك الأيام بالبادية آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس منها أني لقنت سورا من القرآن فجرى بها لساني في ساعة وحفظتها في دفعة واحدة منها سبحان والكهف وصاد ومنها أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد فاظلتني غمامة وخوطبت منها فقيل لي اقصد البصرة
وقيل عنه إنه قال لأهل البادية إنه يحيى بن عمر العلوي أبو الحسن المقتول بناحية الكوفة فخدع أهلها فأتاه منهم جماعة كثيرة فزحف بهم إلى موضع يقال له الردم من البحرين فكانت بينهم وقعة عظيمة وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه قتلوا قتلا كثيرا فتفرقت العرب عنه فلما تفرقت عنه سار فنزل البصرة في بني ضبيعة فاتبعه منهم جماعة كثيرة منهم علي بن أبان المهلبي وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين ومائتين ومحمد بن رجاء الحضاري عاملها ووافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية والسعدية وطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه فأرسل إليهم يدعوهم فلم يجبه أحد من أهل البلد وطلبه ابن رجاء فهرب فحبس رجاء جماعة ممن كانوا يميلون إليه منهم ابنه وزوجته وابنة له وجارية حامل منه وسار يريد بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع ومرقس القريعي فلما سار بالبطيحة نذر بهم رجل كان يلي أمرها اسمه عمير بن عمار فحملهم إلى محمد بن أبي عون عامل واسط فخلص منه هو أصحابه فدخل بغداد فأقام بها حولا فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه وما يفعل كل واحد منهم فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم جعفر بن محمد الصوحاني من ولد يزيد بن صوحان ومحمد بن القاسم ومشرق ورقيق غلاما ليحيى بن عبد الرحمن فسمى مشرقا حمزة وكناه أبا أحمد وسمى رقيقا جعفرا وكناه أبا الفضل وعزل محمد بن رجاء عن البصرة فوثب رؤوساء البلالية والسعدية فأخرجوا من في الحبوس فخلص أهله فيهم فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة وكان رجوعه إليها في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ومعه علي بن ابان ويحيى بن محمد وسليمان ومشرق ورقيق فوافوا البصرة فنزل بقصر القرشي على نهر يعرف بعمود ابن المنجم وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ فأقام هنالك
وذكر ريحان أحد غلمان السورجيين وهو أول من صحبه منهم أنه قال كنت موكلا بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق فأخذني أصحابه فساروا بي إليه وأمروني أن أسلم عليه بالأمرة ففعلت فسألني عن الموضع الذي جئت منه فأخبرته وسألني عن أخبار البصرة فقلت لا علم لي وسألني عن غلمان السورجيين وعن أحوالهم وما يجري لهم فأعلمته فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته فقال احتل فيمن قدرت عليه من الغلمان وأقبل بهم إلي ووعدني أن يقودني على من آتيه به واستحلفني أن لا أعلم أحدا بموضعه وأن أرجع إليه وخلى سبيلي وعدت إليه من الغداة وقد أتاه جماعة من غلمان الدباشين فكتب في حريرة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة الآية وجعلها في رأس مردي وما زال يدعو غلمان أهل البصرة ويقبلون إليه للخلاص من الرق والتعب فاجتمع عنده منهم خلق كثير فخطبهم ووعدهم أن يقودهم ويملكهم الأموال وحلف لهم بالأيمان أن لا يغدر بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئا من الاحسان إلا أتى به إليهم فأتاه مواليهم وبذلوا له على كل عبد خمسة دنانير ليسلم إليه عبده فبطح أصحابهم وأمر كل من عنده من العبيد فضربوا مواليهم أو وكيلهم كل سيد خمسمائة سوط ثم أطلقهم فمضوا نحو البصرة ثم ركب في سفن هناك فعبر دجيلا إلى نهر ميمون فأقام هناك ولم يزل هذا دأبه يتجمع إليه السودان فلما كان يوم الفطر خطبهم وصلى بهم وذكرهم ما كانوا فيه من الشقاء وسوء الحال وأن الله تعالى أبعدهم من ذلك وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال فلما كان بعد يومين رأى أصحابه الحميري فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة واستأمن إلى صاحب الزنج رجل من رؤساء الزنج يكنى بأبي صالح ويعرف بالقصير في ثلاثمائة من الزنج فلما كثروا جعل القواد فيهم منهم وقال لهم كل من أتى منكم برجل فهو مضموم إليه وكان ابن أبي عون قد نقل من واسط إلى ولاية الإبلة وكور دجلة
وسار قائد الزنج إلى المحمدية فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون فصاح الزنج السلاح وقاموا وكان فيهم فتح الحجام فقام وأخذ طبقا كان بين يديه فلقيه رجل من السورجيين يقال له بلبل فلما رآه فتح حمل عليه وحذفه بالطبق الذي بيديه فرمى سلاحه وولى هاربا وانهزم أصحابه وكانوا أربعة آلاف وقتل منهم جماعة ومات بعضهم عطشا وأسر منهم وأمر بضرب أعناقهم
ثم سار إلى القادسية فنهبها أصحابه بأمره وما زال يتردد إلى أنهار البصرة فوجد بعض السودان دارا لبعض بني هاشم فيها سلاح بالسيب فانتهبوه فصار معهم ما يقاتلون به فأتاه وهو بالسيب جماعة من أهل البصرة يقاتلونه فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فلقوا البصريين فانهزم البصريون منهم وأخذوا سلاحهم ثم قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية اليهود فهزمهم أيضا وأثبت أصحابه في الصحراء
ثم أسرى إلى الجعفرية فوضع في أهلها السيف فقتل أكثرهم وأتى منهم بأسرى فأطلقهم ولقي جيشا كبيرا للبصريين مع رئيس اسمه عقيل فهزمهم وقتل منهم خلقا كثيرا وكان معهم سفن فهبت عليها ريح فألقتها إلى الشط فنزل الزنج وقتلوا من وجدوا فيها وغنموا ما فيها وكان مع الرئيس سفن فركبها ونجا فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيها ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبية وأحرقها وأفسد في الأرض وعاث ثم لقيه قائد من قواد الأتراك يقال له أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل على نهر الريان فاقتتلوا وحمل السودان عليه حملة صادقة فقتلوا صاحب علمه فانهزم هو وأصحابه وتبعهم السودان فقتلوا من أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمسمائة رجل وأخذوا منهم أسرى فأمر بقتلهم ثم إنه أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الخيول والمتطوعة والبلالية والسعدية وهم خلق كثير وقد أعدوا الحبال ليكتف من يأخذونه من السودان والمقدم عليهم أبو منصور وأخذ موالي الهاشميين فأرسل علي بن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم فلقي طائفة منهم فهزمهم فأتوا إلى موضع فيه ألف وتسعمائة سفينة ومعها من يحفظها فلما رأوا الزنج هربوا عنها فأخذ الزنج السفن وأتوا بها إلى صاحبهم فلما أتوه قعد على نشز من الأرض وكان في السفن قوم حجاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة فناظرهم فصدقوه على قوله وقالوا له لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك فأطلقهم
وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك المعسكر فأتاه خبرهم أنه قد أتوه في خلق كثير فأمر محمد بن سالم وعلي بن أبان أن يقعد لهم بالنخل وقعد هو على جبل مشرف فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرجال فأمر الزنج فكبروا وحملوا عليهم وحملت الخيول فتراجع الزنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه ثم حملوا فثبتوا لهم وقتل من الزنج فتح الحجام وصدق الزنج الحملة فأخذوهم بين أيديهم وخرج محمد بن سالم وعلي بن ابان وحملوا عليهم فقتلوا منهم وانهزم الناس وذهبوا كل مذهب وتبعهم السودان إلى نهر بيان فوقعوا في الوحل فقتلهم السودان وغرق كثير منهم وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كمينا فساروا إليه فإذا الكمين في أكثر من ألف من المغاربة فقاتلهم قتالا شديدا ثم حمل السودان عليهم فقتلوهم أجمعين وأخذوا سلاحهم ثم وجه أصحابه فرأوا مائتي سفينة فيها دقيق فأخذوه ومتاعا فنهبوه ونهب المعلى بن أيوب ثم سار فرأى مسلحة الزينبي فقاتلوا فقتلهم أجمعين فكانوا مائتين ثم سار فنهب قرية ميزران ورأى فيها جمعا من الزنج ففرقهم على قواده ثم سار فلقيه ستمائة فارس مع سليمان ابن أخي الزينبي ولم يقاتله فأرسل من بنهب فأتوه بغنم وبقر فذبحوا وأكلوا وفرق أصحابه في انتهاب ما هناك
ثم إن صاحب الزنج سار يريد البصرة حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي أتاه قوم من السودان فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة فلم يلبث إلا يسيرا حتى تنادى السودان السلاح السلاح وأمر علي بن أبان بالعبور إليهم فعبر في ثلاثمائة رجل وقال له إن احتجت إلى مدد فاستمدني فلما مضى علي صاح الزنج السلاح السلاح لحركة رأوها في جهة أخرى فوجه محمد بن سالم فرأى جمعا فلقاتلهم من وقت الظهر إلى آخر وقت العصر ثم حمل الزنوج حملة صادقة فهزموهم وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمسمائة ورجعوا إلى صاحبهم ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه وقد هزموا من بازائهم وقتلوا منهم ومعه رأس ابن أبي الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية ثم سار من الغد عن ذلك المكان ونهى أصحابه عن دخول البصرة فتسرع بعضهم فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم وانتهى الخبر إليه فوجه محمد بن سالم وعلي بن أبان ومشرقا وخلقا كثيرا وجاء هو يسايرهم فلقوا البصريين فأرسل إلى أصحابه ليتأخروا عن المكان الذي هم فيه فتراجعوا فأكب عليهم أهل البصرة فانهزموا وذلك عند العصر ووقع الزنوج في نهر كبير ونهر شيطان وقتل منهم جماعة وغرق جماعة وتفرق الباقون وتخلف صاحبهم عنهم وبقي في نفر يسير فنجاه الله تعالى ثم لقيهم وهم متحيرون لفقده وسأل عن أصحابه فإذا ليس معه إلا خمسمائة رجل فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون لصوته فلم يأته أحد وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج وبها متاعهم فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل وأرسل محمد بن سالم إلى أهل البصرة يعظهم ويعلمهم ما الذي دعاه إلى الخروج فقتلوه
فلما كان يوم الاثنين لأربع خلون من ذي القعدة جمع أهل البصرة وحشدوا لما رأوا من ظهورهم عليه وانتدب لذلك رجل يعرف بحماز الساجي وكان من غزاة البحر وله علم في ركوب السفن فجمع المتطوعة ورماة الأهداف وأهل المسجد الجامع ومن خف معه من البلالية والسعدية ومن أحب النظر من غيرهم وشحن ثلاثة مراكب وشذوات مقابلة وجعلوا يزدحمون ومضى جمهور الناس رجالة منهم من معه سلاح ومنهم نظارة فدخلت المراكب في المد والرجالة على شاطئ النهر فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصبهاني في شرقي النهر كمينا وطائفة مع شبل وحسين الحمامي في غربيه كمينا وأمر علي بن ابان أن يلقى أهل البصرة وأن يستتر هو ومن معهم بتراسهم ولا يقاتل حتى تظهر أصحابه وتقدم إلى الكمينين إذا جاوزهم أهل البصرة أن يخرجوا ويصيحوا بالناس وبقي هو في نفر يسير من أصحابه وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع فسار أصحابه إليهم وظهر الكمينان من جانبي النهر ومن وراء السفن والرجالة فضربوا من ولي من الرجالة والنظارة فغرقت طائفة وقتلت طائفة وهرب الباقون إلى الشط فأدركهم السيف فمن ثبت قتل ومن ألقى نفسه في الماء غرق فهلك أكثر ذلك الجمع فلم ينج إلا الشريد وكثر المفقودون من أهل البصرة وعلا العويل من نسائهم وهذا يوم البيداء الذي أعظمه الناس وكان فيمن قال جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى وجمعت للخبيث الرؤوس فأتاه جماعة من أولياء المقتولين فأعطاهم ما عرفوا وجمع الرؤوس التي لم تطلب وجعلها في خزينة فأطلقها فوافت البصرة فجاء الناس وأخذوا كل ما عرفوه منها وقوي عدو الله بعد هذا اليوم وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة منه وأمسكوا عن حربه
وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان فوجه إليهم جعلان التركي مددا وأمر أبا الأحوص الباهلي بالمسير إلى الأبلة واليا وأمده بقائد من الأتراك يقال له جريح وأما الخبيث صاحب الزنج فإنه انصرف بأصحابه إلى سبخة في آخر النهار وهي سبخة أبي قرة وبث أصحابه يمينا وشمالا للغارة والنهب فهذا ما كان منه في هذه السنة
في هذه السنة كانت وقعة بين عسكر الخليفة وبين مساور الشاري فانهزم عسكر الخليفة وفيها مات المعلى بن أيوب وفيها ولي سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد في ربيع الأول وكان قدومه من خراسان فيه أيضا فسار إلى المعتز فخلع عليه وسار إلى بغداد فقال ابن الرومي
( من عذيري من الخلائق ضلوا % في سليمان عن سواء السبيل )
( عوضوه بعد الهزيمة بغدا % د كأن قد أتى بفتح جليل )
( من يخوض الردى إذا كان من ف % ر أنابوه بالجزاء الجميل )
يعني هزيمة سليمان من الحسن بن زيد العلوي وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم فقيدهم وطالبهم بالأموال وكان سببه أن الأتراك طلبوا أرزاقهم فقال صالح للمعتز هؤلاء يطلبون أرزاقهم وليس في بيت المال شيء وقد ذهب هؤلاء الكتاب بالأموال وكان أحمد وزير المعتز والحسين وزير أم المعتز وقال له أحمد بن إسرائيل يا عاصي ابن العاصي فتراجعا الكلام فسقط صالح مغشيا عليه فرش على وجهه الماء وبلغ ذلك أصحابه وهم بالباب فصاحوا صيحة واحدة واخترطوا سيوفهم ودخلوا على المعتز مصلتين فدخل وتركهم وأخذ صالح أحمد بن إسرائيل وابن مخلد وعيسى فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى داره فقال المعتز لصالح قبل أن يحملهم هب لي أحمد فإنه كاتبي وقد رباني فلم يفعل ثم ضربهم وأخذ خطوطهم بمال جزيل قسط عليهم ولم يحصل منهم شيء وقام جعفر بن محمود بالأمر والنهي وفيها في رجب ظهر عيسى بن جعفر وزيد بن علي الحسنيان بالكوفة فقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى وفيها في ذي القعدة حبس الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي وولي عبد الرحمن بن نائل البصري قضاء سامرا في ذي الحجة
وحج بالناس علي بن الحسين بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
وفيها ظهر بمصر إنسان علوي ذكر أنه أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن طباطبا وكان ظهوره بين برقة والاسكندرية وسار إلى الصعيد وكثر أتباعه وادعى الخلافة فسير إليه أحمد بن طولون جيشا فقاتلوه وانهزم أصحابه عنه وثبت هو فقتل وحمل رأسه إلى مصر
وفيها توفي خفاجة بن سفيان أمير صقلية في رجب وولى بعده ابنه محمد وتقدم ذكر ذلك سنة سبع وأربعين ومائتين ولما ولي محمد سير عمه عبد الله بن سفيان إلى سرقوسة فأهلك زرعها وعاد
وفيها توفي أبو أحمد عمر بن شمر بن حمدويه الهروي اللغوي وكان إماما في الأشعار وروى عن ابن الأعرابي والرياشي وغيرهما وفيها توفي محمد بن كرام بن عراف بن خزانة بن البراء صاحب المقالة المشهورة في التشبيه وكان موته بالشام وهو من سجستان
وفيها توفي الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قاضي مكة وكان سقط من سطح فمكث يومين ومات وكان عمره أربعا وثمانين سنة وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب المسند توفي في ذي الحجة وعمره خمس وسبعون سنة وأبو عمران عمرو بن بحر الجاحظ وهو من متكلمي المعتزلة وعلي بن المثنى بن يحيى بن عيسى الموصلي والد أبي يعلى صاحب المسند وفيها توفي محمد سحنون الفقيه المالكي القيرواني بها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
