فيها قتل بغا الشاربي وكان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير إلى بغداد والمعتز يأبى ذلك ويكرهه فانفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرا إلى بابكيال التركي ومن معه من المنحرفين عن بغا وكان سبب انحرافه عنه أنهما كانا على شراب لهما فعربد أحدهما على الآخر فاختفى بابكيال من بغا فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا وبلغ ذلك بغا فخرج في غلمانه وهم زهاء خمسمائة إنسان من ولده وقواده فسار إلى السن فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف وأنهم خرجوا بغير مضارب ولا ما يلبسونه في البرد وأنهمفي شتاء فأتاه بعض أصحابه وأخبره بقولهم فقال دعني حتى أنظر الليلة فلما جن عليه الليل ركب في زورق ومعه خادمان وشيء من المال الذي صحبه وكان قد صحبه تسع عشرة بدرة دنانير ومائة بدرة دراهم ولم يحمل معه سلاحا ولا سكينا ولا شيئا لم يعلم به أحد من عسكره وكان المعتز في غيبة بغا لا ينام إلا في ثيابه وعليه السلاح فسار بغا إلى الجسر في الثلث الأول من الليل فبعث الموكلون بالجسر ينظرون من هو فصاح الغلام فرجع وخرج بغا في البستان الخاقاني فلحقه عدة من الموكلين فوقف لهم بغا وقال أنا بغا إما أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم فتوكل به بعضهم وأرسلوا إلى المعتز بالخبر فأمر بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز ونصب بسامرا وببغداد وأحرقت المغاربة جسده وكان أراد أن يختفي عند صالح بن وصيف فإذا اشتغل الناس بالعيد وكان قد قرب خرج هو وصالح ووثبوا بالمعتز
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين
كانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال وهو من أكابر قواد الأتراك وكان مقيما بالحضرة واستخلف بها من ينوب عنه بها وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضا من الأتراك وقد نشأ هو بعد والده على طريقة مستقيمة وسيرة حسنة فالتمس بابكيال من يستخلفه بمصر فأشير عليه بأحمد بن طولون لما ظهر عنه من حسن السيرة فولاه وسيره إليها وكان بها ابن المدبر على الخراج وقد تحكم في البلد فلما قدمها أحمد كف يد ابن المدبر واستولى على البلد وكان بابكيال قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالاسكندرية وغيرها فلما قتل المهتدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي وكان بينه وبين أحمد بن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جيمعها فقوي أمره وعلا شأنه ودامت أيامه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
كان مساور بن عبد الحميد قد استولى على أكثر أعمال الموصل وقوي أمره فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي وكان خليفة أبيه بالموصل عسكرا كثيرا منهم حمدون بن حمدون جد الأمراء الحمداينة وغيره وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب فتأخر عنه مساور عن موضعه ونزل بموضع يقال له وادي الريات وهو واد عميق فسار الحسن في طلبه فالتقوا في جمادى الأولى واقتتلوا واشتد القتال فانهزم عسكر الموصل وكثر القتل فيهم وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى ونجا الحسن فوصل إلى حرة من أعمال أربل اليوم ونجا محمد بن علي بن السيد فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه وكان فارسا شجاعا فقاتلهم فقتل واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس
في هذه السنة توفي أبو أمد بن الرشيد وهو عم الواثق والمتوكل وعم أبي المنتصر والمستعين والمعتز وكان معه من الخلفاء أخواه الأمين والمأمون والمعتصم وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعتصم وابناء ابني أخيه وهم المنتصر والمستعين والمعتز
وفيها في جمادى الآخرة توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بسامرا وهو أحد من يعتقد الأمامية إمامته وصلى عليه أبو أحمد بن المتوكل وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين
وفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مصر وقنسرين والعواصم وفيها أوقع مفلح بأهل قم فقتل منهم مقتلة عظيمة
وفيها عاود أهل ماردة من بلاد الأندلس الخلاف على محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس
وسبب ذلك أنهم خالفوا قديما على أبيه فظفر بهم وتفرق كثير من أهلها فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها فعادوا إلى الخلاف والعصيان فسار محمد إليهم وحصرهم وضيق عليهم فانقادوا إلى التسليم والطاعة فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة وهدم سور ماردة وحصن بها الموضع الذي كان يسكنه العمال دون غيرهم وفيها هلك أردون بن ردمير صاحب جليقية من الأندلس وولي مكانه ادفونش وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفيه انكسف القمر كسوفا كليا لم يبق منه شيء ظاهر وفيها كان ببلاد الأندلس قحط شديد تتابع عليهم من سنة إحدى وخمسين إلى سنة خمس وخمسين وكشف الله عنهم
وفيها وصل دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي إلى الأهوغاز وجند يسابور وتستر فجبى بها مائتي ألف دينار ثم انصرف وكان والده أمر بذلك وفي رمضان سار نوشرى إلى مساور الشاري فلقيه فهزمه وقتل من أصحابه جماعة كثيرة وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد
وفيها توفي أبو الوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بها وكان إماما في النحو واللغة وإماما بالعربية قيل مات سنة خمس وخمسين وهو أصح
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
