الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السادس / ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين
33

ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين

الجزء السادس 8 عنصر صفحة 181
ذكر خلع المستعين ص 181

في هذه السنة خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة وبايع للمعتز بالله بن المتوكل وخطب للمعتز ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم وأخذ له البيعة على كل من بها من الجند وكان ابن طاهر قد دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد وقد كتب شروط الأمان فقال له يا أمير المؤمنين قد كتب سعيد كتاب الشروط فأكده غاية التوكيد فتقرأه عليك لتسمعه فقال المستعين لا حاجة لي إلى توكيدها فما القوم بأعلم بالله منك ولقد أكدت على نفسك قبلهم بمكان ما علمت فما رد عليه محمد شيئا فلما بايع المستعين للمعتز وأشهد عليه بذلك نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمحرم ومعه عياله وأهله جميعا ووكل بهم وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم ووجه مع عبد الله بن طاهر ومنع المستعين من الخروج إلى مكة فاختار المقام بالبصرة فقيل له إن البصرة وبيئة فقال هي أوبأ أو ترك الخلافة ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف التجارات وغنم كثير وفيها سير المستعين إلى واسط واستوزر المعتز أحمد بن إسرائيل وخلع عليه ورجع أبو أحمد إلى سامرا لاثنتي عشرة خلت من المحرم فقال بعض الشعراء في خلع المستعين

( خلع الخليفة أحمد بن محمد % وسيقتل التالي له أو يخلع )

( ويزول ملك بني أبيه ولا نرى % أحدا بملك منهم يتمتع )

( إيها بني العباس إن سبيلكم % في قتل أعبدكم سبيل مهيع )

( رقعتم دنياكم فتمزقت % بكم الحياة تمزقا لا يرقع )

وقال الشعراء في خلعه كالبحتري ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما فأكثروا فيه ولسبع بقين من المحرم انصرف أبو الساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد فقلده محمد بن عبد الله معاون ماء سقي الفرات من السواد فسير نوابه إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنها ثم سار أبو الساج إلى الكوفة

ذكر حال وصيف وبغا ص 182

وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في اسقاط إسم وصيف وبغا ومن معهما من الدواوين وكان محمد بن أبي عون وهو أحد قواد محمد بن عبد الله قد وعد أبا أحمد أن يقتل بغا ووصيفا فعقد له المعتز على اليمامة والبحرين والبصرة فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك وحذروهما محمد بن عبد الله فركبا إلى محمد وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهما وقال بغا إن القوم قد غدروا أو خالفوا ما فارقونا عليه والله لو أرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه فكفه وصيف وقال نحن نقعد في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا ورجعا إلى منازلهما وجمعا جندهما ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد وكان في حجرها فكلم المؤيد المعتز في الرضا عنه فرضي عن وصيف وكتب إليه بذلك وتكلم أبو أحمد بن المتوكل في بغا فكتب إليه بالرضا عنه وهما ببغداد ثم تكلم الأتراك بإحضارهما إلى سامرا فكتب إليهما بذلك وكتب إلى محمد بن عبد الله ليمنعهما من ذلك فأتاهما كتاب إحضارهما فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله يستأذنانه وخرج وصيف وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحو أربعمائة إنسان وخلقا الثقل والعيال فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم فمضوا إلى باب خراسان وخرجوا منه ووصلا سامرا ورجعا إلى منزلهما من الخدمة وخلع عليهما وعقد لهما على أعمالهما ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير

كر الفتنة بين جند بغداد ومحمد بن عبد الله ص 182

وفي هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر

وكان سبب ذلك أن الشاكرية وأصحاب القروض اجتمعوا إلى دار محمد يطلبون أرزاقهم في رمضان فقال لهم إني كتبت إلى أمير المؤمنين في إطلاق أرزاقكم فكتب في الجواب إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم أرزاقهم وإن كنت تريدهم لنا فلا حاجة لنا فيهم فشغبوا عليه وأخرج لهم ألفي دينار ففرقت فيهم فسكتوا ثم اجتمعوا في رمضان أيضا ومعهم الأعلام والطبول وضربوا الخيام على باب حرب وعلى باب الشماسية وغيرهما وبنوا بيوتا من بواري وقصب وباتوا ليلتهم فلما أصبحوا كثر جمعهم وأحضرمحمد أصحابه فباتوا في داره وشحن داره بالرجال واجتمع إلى أولئك المشغبين خلق كثير بباب حرب بالسلاح والأعلام والطبول ورئيسهم أبو القاسم عبدون بن الموفق وكان من نواب عبيد الله بن يحيى بن خاقان فحثهم على طلب أرزاقهم وفائتهم فلما كان يوم الجمعة أرادوا أن يمنعوا الخطيب من الدعاء للمعتز فعلم الخطيب بذلك فاعتذر بمرض لحقه ولم يخطب فمضوا يريدون الجسر فوجه إليهم ابن طاهر عدة من قواده في جماعة من الفرسان والرجال فاقتتلوا فقتل منهم قتلى ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر فلما رأى الذين بالجانب الشرقي أن أصحابهم أزالوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر حملوا يريدون العبور إلى أصحابهم

وكان ابن طاهر قد أعد سفينة فيها شوك وقصب فألقى بها النار وأرسلها إلى الجسر الأعلى فأحرقت سفنه وقطعته وصارت إلى الجسر الآخر فأدركها أهل الجانب الغربي فغرقوها وعبر من في الجانب الشرقي إلى الغربي ودفعوا أصحاب ابن طاهر إلى باب داره وقتل بينهم نحو عشرة أنفس ونهب العامة مجلس الشرط وأخذوا منه شيئا كثيرا من أصناف المتاع ولما رأى ابن طاهر أن الجند قد ظهروا على أصحابه أمر بالحوانيت التي على باب الجسر أن تحرق فاحترق للتجار متاع كثير فحالت النار بين الفريقين ورجع الجند إلى معسكرهم بباب حرب وجمع ابن طاهر عامة أصحابه وعباهم تعبية الحرب خوفا من رجعة الجند فلم يكن لهم عودة فأتاه في بعض الأيام رجلان من الجند فولاه على عورة القوم فأمر لهما بمائتي دينار وأمر الشاه ابن ميكال وغيره من القواد في جماعة بالمسير إليهم فسار إلى تلك الناحية وكان أبو القاسم وابن الخليل وهما المقدمان على الجند قد خافا بمضي ذينك الرجلين وقد تفرق الناس عنهما فسار كل واحد منهما إلى ناحية فأما ابن الخليل فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه فصاح بهم وصاح به أصحاب محمد وصار في وسطهم فقتل وأما أبو القاسم فإنه اختفى فدل عليه فأخذ وحمل إلى ابن طاهر وتفرق الجند من باب حرب ورجعوا إلى منازلهم وقيد أبو القاسم وضرب ضربا مبرحا فمات منه في رمضان

ذكر خلع المؤيد وموته ص 184

في رجب خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده وكان سببه أن العلاء بن أحمد عامل أرمينية بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره فبعث عيسى بن فرخانشاه إليها فأخذها فأغرى المؤيد الأتراك بعيسى وخالفهم المغاربة فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي أحمد فأخذهما وحبسهما وقيد المؤيد وأدر العطاء للأتراك والمغاربة وقيل إنه ضربه أربعين مقرعة وخلعه بسامرا وأخذ خطه بخلع نفسه وكانت وفاته أيضا في رجب لثمان بقين من الشهر وكان سبب موته أن امرأة من نساء الأتراك أعلمت محمد بن راشد أن الأتراك يريدون إخراج المؤيد من الحبس فأنهى ذلك إلى المعتز فذكر موسى بن بغا عنه فقال ما أرادوه إنما أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم به وكان في الحرب التي كانت فلما كان من الغداة دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه فأخرج المؤيد إليهم ميتا لا أثر به ولا جرح وحمل إلى أمه ومعه كفنه وأمرت بدفنه فقيل إنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات وقيل إنه أقعد في الثلج وجعل على رأسه منه كثير فجمد بردا ولما مات المؤيد نقل أخوه أبو أحمد إلى محبسه وكانا لأب وأم

ذكر قتل المستعين ص 184

ولما أراد المعتز قتل المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم كتب إلى محمد بن عبد الله يأمره بتسليم المستعين إلى سيما الخادم فكتب محمد بن الموكلين بالمستعين بواسط في تسليمه وأرسل أحمد بن طولون في تسليمه فأخذه أحمد وسار به إلى القاطول فسلمه إلى سعيد بن صالح فأدخله سعيد منزله وضربه حتى مات وقيل بل جعل في رجله حجرا وألقاه في دجلة وقيل كان قد حمل معه داية له تعادله فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف فصاح وصاحت دايته ثم قتل وقتلت الامرأة معه وحمل رأسه إلى المعتز وهو يلعب بالشطرنج فقيل هذا رأس المخلوع فقال ضعوه حتى أفرغ من الدست فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولاه معونة البصرة

ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربة ص 185

وفي هذه السنة مستهل رجب كانت الفتنة بين الأتراك والمغاربة

وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه فضربوه وأخذوا دابته واجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد ونصر بن سعد وغلبوا الأتراك على الجوسق وأخرجوهم منه وقالوا لهم كل يوم تقتلون خليفة وتخلعون آخر وتعملون وزيرا وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة وأخذوا الدواب التي كان تركها الأتراك فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم فاجتمعوا وتلاقوا هم والمغاربة وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة فضعف الأتراك وانقادوا فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم على أن لا يحدثوا شيئا وكل موضع يكون فيه رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر فمكثوا مدة مديدة ثم اجتمع الأتراك وقالوا نطلب هذين الرأسين فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق فبلغ الخبر باجتماع الأتراك إلى محمد بن راشد ونصر بن سعد فخرجا إلى منزل محمد بن غرون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى جمعهما فغمز بهما إلى الأتراك فأخذوهما فقتلوهما فبلغ ذلك المعتز فأراد قتل ابن غرون فكلم فيه فنفاه إلى بغداد

ذكر خروج مساور بالبوازيج ص 185

في هذه السنة في رجب خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي الموصلي بالبوازيج وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل كان يتولاها هو لبني عمران وأمراء الموصل لزموا إنسانا اسمه حسين بن بكير فأخذ ابنا لمساور هذا اسمه حوثرة فحبسه بالحديثة وكان حوثرة جميلا فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ليلا ويحضر عنده ويرده إلى الحبس نهارا فكتب حوثرة إلى أبيه مساور وهو بالبوازيج يقول له أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس فغضب لذلك وقلق وخرج وبايعه جماعة وقصد الحديثة فاختفى حسين بن بكير وأخرج مساور ابنه حوثرة من الحبيس وكثر جمعه من الأكراد والأعراب وسار إلى الموصل فنزل بالجانب الشرقي وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبان الخزاعي وأهبال يقال إنه مكلم الذئب وله صحبة فوافقه عقبة من الجانب الغربي فعبر دجلة رجلان من أهل الموصل إلى مسارو فقاتلا فقتلا وعاد مساور وكره القتال وكان حوثرة بن مساور معهم فسمع يقول

( أنا الغلام البجلي الشاري % أخرجني جوركم من داري )

ذكر عدة حوادث ص 186

في هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار وجماعة من الطالبيين إلى سامرا فيهم أبو أحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن حسن بن علي بن أبي طالب وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان

وكان سبب ذلك أن رجلا من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية إلى ناحية الكوفة وكانت من أعمال أبي الساج وكان يقيما ببغداد فأمر محمد بن عبد الله بالمسير إلى كوفة فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة فلما صار إليها رمي بالحجارة وظنوه جاء لحرب العلوي فقال لست بعامل إنما أنا رجل وجهت لحرب الأعراب فكفوا عنه وكان أبو أحمد الطالبي المذكور قد ولاه المعتز الكوفة بعدما هزم مزاحم بن خاقان العلوي الذي كان وجه لقتاله بها وقد تقدم ذكره فعاث أبو أحمد فيها وآذى الناس وأخذ أموالهم وضياعهم فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه واستماله حتى خالطه أبو أحمد وآكله وشاربه حتى سار به ثم خرج متنزها إلى بستان فأمسى وقد عبى له عبد الرحمن أصحابه فقيده وسيره إلى بغداد في ربيع الآخر ووجدت مع ابن أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد فكتب بخبره إلى المعتز فكتب إلى محمد بن عبد الله بحمله وحمل الطالبيين المذكورين إلى سامرا فحملوا جميعا

وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاة القضاة وفيها توجه أبو الساج إلى طريق خراسان من قبل محمد بن عبد الله

وفيها عقد لعيسى بن الشيخ على الرملة وأنفذ خليفته أبا المغراء إليها وعيسى هذا شيباني وهو عيسى بن الشيخ بن السليل من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان واستولى على فلسطين جميعها فلما كان من الأتراك ببغداد ما ذكرناه تغلب على دمشق وأعمالها وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة واستبد بالأموال وفيها كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوليته الجبل وبعث إليه بخلع فتولى ذلك من قبله

وفيها قتل محمد بن عمرو الشاري بديار ربيعة قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة

وفيها أغار جستان صاحب الديلم مع عيسى بن أحمد العلوي والحسن بن أحمد الكوكبي على الري فقتلوا وسبوا وكان بها عبد الله بن عزيز فهرب منها فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم فارتحلوا عنها وعاد ابن عزيز فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور

وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل

وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور

وفيها سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا إلى بلاد العدو فقصدوا ألية والقلاع ومدينة مانة وقتلوا من أهلها عددا كثيرا ثم قفل الجيش سالمين

وفيها توفي محمد بن بشار بندار وأبو موسى محمد بن المثنى الزمن البصريان وهما من مشايخ البخاري ومسلم في الصحيح وكان مولده بندار سنة سبع وستين ومائة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.