الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السادس / ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
32

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين

الجزء السادس 7 عنصر صفحة 162
ذكر قتل باغر التركي ص 162

وفي هذه السنة قتل باغر التركي قتله وصيف وبغا

وكان سبب ذلك أن باغر كان أحد قتلة المتوكل فزيد في ارزاقه فأقطع قطائع فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار فوثب رجل من أهل تلك الناحية يقال له ابن مارية بوكيل لباغر وتناوله فحبس ابن مارية وقيد ثم تخلص وسار إلى سامرا فلقي دليل بن يعقوب النصراني وهو يومئذ صاحب أمر بغا الشاربي والحاكم في الدولة وكان ابن مارية صديقا له وكان باغر أحد قواد بغا فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارية فانتصف له منه فغضب باغروباين دليلا وكان باغر شجاعا يتقيه بغا وغيره فحضر عند بغا في ذي الحجة من سنة خمسين وهو سكران وبغا في الحمام فدخل إليه وقال من قتل دليلا يقتل به فقال له بغا لو أردت ولدي ما منعتك منه ولكن اصبر فإن أمور الخلافة بيد دليل وأقيم غيره ثم افعل به ما تريد وأرسل بغا إلى دليل يأمره أن لا تركب وعرفه الخبر وأقام في كتابته غيره وتوهم باغر أنه قد عزله فسكن باغر ثم أصلح بينهما بغا وباغر يتهدده ولزم باغر خدمنة المستعين فقيل ذلك للمستعين فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال المستعين أي شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة فأخبره وصيف فقال ينبغي أن تجعل هذه الأعمال إلى باغر وسمع دليل ذلك فركب إلى بغا فقال له أنت في بيتك وهم في تدبير عزلتك فإذا عزلت قتلت فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه وقال لوصيف أردت أن تعزلني فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة فتعاقدا على تنحية باغر من الدار والحيلة عليه فأرجفوا له أنه يؤمر ويخلع عليه ويكون موضع بغا ووصيف فأحس باغر ومن معه الشر فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل ومعهم غيرهم فجدد العهد عليهم في قتل المستعين وبغا ووصيف وقالوا نبايع علي بن المعتصم أو ابن الواثق ويكون الأمر لنا كما هو لهذين فأجابوه إلى ذلك وانتهى الخبر إلى المستعين فبعث إلى بغا ووصيف وقال لهما أنتما جعلتماني خليفة ثم تريدان قتلي فحلفا أنهما ما علما بذلك فأعلمهما الخبر فاتفق رأيهم على أخذ باغر ورجلين من الأتراك معه وحبسهم فأحضروا باغر فأقبل في عدة فعدل به إلى حمام وحبس فيه وبلغ الخبر الأتراك فوثبوا على اصطبل الخليفة فانتهبوه وركبوا ما فيه وحصروا الجوسق بالسلاح فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل

ذكر مسير المستعين إلى بغداد ص 163

فلما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم عليه فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم وأحمد بن صالح بن شيرزاد ودليل إلى بغداد في حراقة فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء المشغبين فسألهم الانصراف فلم يفعلوا فلما علموا بانحدار المستعين وبغا ووصيف ندموا ثم قصدوا دار دليل ودور أهله وجيرانه فنهبوها حتى صاروا إلى أخذ الخشب وعليف الدواب فلما قدموا بغداد مرض ابن مارية فعاده دليل فقال له ما سبب علتك قال انتقض عقر القيد فقال دليل لئن عقرك القيد لقد نقضت الخلافة وبغيت الفتنة ومات ابن مارية في تلك الأيام وقال بعض الشعراء في ذلك

( لعمري لئن قتلوا باغرا % لقد هاج باغر حربا طحونا )

( وفر الخليفة والقائدا % ن بالليل يلتمسان السفينا )

( وصاحوا بميسان ملاحهم % فوافاهم يسبق الناظرينا )

( فالزمهم بطن حراقة % وصوت مجاذيفهم سائرينا )

( وما كان قد ابن مارية % فتكسب فيه الحروب الديونا )

( ولكن دليل سعى سعيه % فأجرى الإله بها العالمينا )

( فحل ببغداد قبل الشروق % فحل بها منه ما يكرهونا )

( فليت السفينة لم تأتنا % وغرقها الله والراكبينا )

( وأقبلت الترك والمعربون % وجاء الفراغنة الدارعينا )

( تيسر كراديسهم في السلاح % يرجون خيلا ورجلا بنينا )

( فقام بحربهم عالم % بأمر الحروب تولاه حينا )

( فجدد سورا على الجانبي % ن حتى أحاطهم أجمعينا )

( وأحكم أبوابها المصمتات % على السور يحمى بها المستعينا )

( وهيا مجانيق خطارة % تفت النفوس وتحمي العرينا )

ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد وأخذوا ملاحا قد أكرى سفينته فضربوه وصلبوه على دقلها فامتنع أصحاب السفن الاسراء وكان وصول المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره ثم وافى بغداد القواد سوى جعفر الخياط وسليمان بني يحيى بن معاذ وقدمها جلة الكتاب والعمال وبني هاشم وجماعة من أصحاب بغا ووصيف

ذكر البيعة للمعتز بالله ص 164

وفي هذه السنة بويع المعتز بالله وكان سبب البيعة له أنه لما استقر المستعين ببغداد أتاه جماعة من قواد الأتراك المشغبين فدخلوا عليه وألقوا أنفسهم بين يديه وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللا وخضوعا وسألوه الصفح عنهم والرضا قال لهم أنتم أهل بغي وفساد واستقلال للنعم ألم ترفعوا إلي في أولادكم فالحقتهم بكم وهم نحو من ألفي غلام وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات وهن نحو من أربعة آلاف وغير ذلك كله أجبتكم إليه وأدركت عليكم الأرزاق فعملتم آنية الذهب والفضة ومنعت نفسي لذتها وشهوتها إرادة لصلاحكم ورضاكم وأنتم تزدادون بغيا وفسادا فعادوا وتضرعوا وسألوه العفو فقال المستعين قد عفوت عنكم ورضيت فقال له أحدهم واسمه بابي بك فإن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرا فإن الأتراك ينتظرونك فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فقام إليه فضربه وقال محمد هكذا يقال لأمير المؤمنين قم فاركب معنا فضحك المستعين وقال هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام وقال لهم المستعين ترجعون إلى سامرا فإن أرزاقكم دراة عليكم وأنظر أنا في أمري فانصرفوا آيسين منه وأبغضهم ما كان من محمد بن عبد الله إلى بابي بك وأخبروا من وراءهم خبرهم وزادوا وحرضوا تحريضا لهم على خلعه فاجتمع رأيهم على إخراج المعتز وكان هو والمؤيد في حبس الجوسق وعليهم من يحفظهم فأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره فكان قد كثر وبايعوا له بالخلافة وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة فلم يتم المال فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم

وكان المستعين خلف بيت المال بسامرا فيه نحو خمسمائة ألف دينار وفي بيت مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار وفي بيت مال العباس قيمة ستمائة ألف دينار

وكان فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه نقرس في محفة محمولا فأمر بالبيعة فامتنع وقال للمعتز خرجت إلينا طائعا فخلعتها وزعمت أنك لا تقوم بها فقال المعتز اكرهت على ذلك وخفت السيف فقال أبو أحمد ما علمنا أنك أكرهت وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن تطلق نساءنا وتخرج عن أموالنا ولا ندري ما يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس وإلا فهذا السيف فتركه المعتز وكان ممن بايع إبراهيم الديرج وعتاب بن عتاب فأما عتاب فهرب إلى بغداد وأما الديرج فأقر على الشرط واستعمل على الدواوين وبيت المال والكتابة وغير ذلك ولما اتصل بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز وتوجيه العمال أمر بقطع الميرة عن أهل سامرا وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد وأهل بيته وجنده وكتب إلى نجويه بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع إلى سليمان بن عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرا فأخذت سفينة ببغداد فيها أرز وغيره فهرب الملاح وبقيت السفينة حتى غرقت وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد فتقدم في ذلك فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء حتى أورده دجلة وأمر بحفر الخنادق من الجانبين جميعا وجعل على كل باب قائدا فبلغت النفقة على ذلك جميعه ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار ونصب على الأبواب المنجنيقات والعرادات وشحن الأسوار

وفرض فرضا للعيارين وجعل عليهم عريفا اسمه يبنويه وعمل لهم تراسا من البواري المقيرة وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي وفرض أيضا لقوم من خراسان قدموا حجاجا فسئلوا المعونة فأعانوا وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة أن يكون حملهم الخراج والأموال إلى بغداد لا يحمل منها إلى سامرا شيء وكتب إلى الأتراك والجند الذين بسامرا يأمرهم بنقض بيعة المعتز ومراجعة الوفاء له ويذكرهم أياديه عندهم وينهاهم عن المعصية والنكث ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات يدعو المعتز محمدا إلى المبايعة ويذكره ما كان من المتوكل أخذ له عليه من البيعة بعد المنتصر ومحمد يدعو المعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين واحتج كل واحد منهما على صاحبه وأمر محمد بكسر القناطر وشق المياه بسطوح الأنبار وبادوريا ليقطع الأتراك عن الأنبار وكتب المستعين والمعتز إلى موسى بن بغا كل واحد منهما يدعوه إلى نفسه وكان بأطراف الشام كان خرج لقتال أهل حمص فانصرف إلى المعتز وصار معه وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين وكان قد تخلف بعد أبيه فاعتذر وقال لأبيه إنما قدمت لأموت تحت ركابك فأقام ببغداد أياما ثم هرب إلى سامرا فاعتذر إلى المعتز وقال إنما سرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها فقبله المعتز ورده إلى خدمته وورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين وضم إليه جمع من الأشروسنية وغيرهم

ذكر حصار المستعين ببغداد ص 166

ثم إن المعتز عقد لأخيه أبي أحمد بن المتوكل وهو الموفق لسبع بقين من المحرم على حرب المستعين ومحمد بن عبد الله وولاه ذلك وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمور كلها وجعل التدبير إلى كلباتكين فسار في خمسين ألفا من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة فلما بلغ عكبرا صلى بها وخطب للمعتز وكتب بذلك إلى المعتز فذكر أهل عكبرا أنهم كانوا على خوف شديد من مسير محمد بن عبد الله إليهم ومحاربتهم فانتهبوا القرى ما بين عكبرا وبغداد فخربت الضياع وأخذ الناس في الطريق ولما وصل أبو أحمد إلى عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير ووصل أبو أحمد وعسكره باب الشماسية لسبع خلون من صفر فقال بعض البصريين ويعرف بباذنجانة

( يا بني الطاهر أتتكم جنود ال % له والموت بينها منثور )

( وجيوش أمامهم أبو أح % مد نعم المولى ونعم النصير )

ولما نزل أبو أحمد باب الشماسية ولى المستعين باب الشماسية الحسين بن إسماعيل وجعل من هناك إلى القواد تحت يده فلم يزل هناك مدة الحرب إلى أن ساروا إلى الأنبار

فلما كان عاشر صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشماسية فوقفوا بالقرب منه فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال وبندار الطبري فيمن معهم وعزم على الركوب لقتالهم فأتاه الشاه فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقلت نحوهم رجعوا إلى معشكرهم فترك محمد الركوب فلما كان الغد عزم محمد على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك وليرهب الأتراك وركب معه وصيف وبغا في الدروع ومضى معه الفقهاء والقضاة وبعث إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم عليه من الطغيان والعصيان ويبذل لهم الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد بعد المستعين فلم يجيبوا ومضى نحو باب قطربل فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا ولم يمكنه التقدم لكثرة الناس فلما كان من الغد أتاه رسل وجه الفلس وغيره من القواد يعلمونه أن الترك قد دنوا وضربوا مضاربهم برقة الشماسية وأرسل إليهم لا تبدؤوهم بقتال وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم وادفعوهم اليوم فوافى باب الشماسية منهم اثنا عشر فارسا فرموا بالسهام ولم يقاتلهم أحد فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي بحجر فقتل منهم رجلا فأخذوه ورجعوا

وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ثلاثمائة رجل فخلع عليه محمد بن عبد الله ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسية فخرج الحسن بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم فاقتتلوا وقتل من الفريقين وجرح وكانوا في القتلى والجرحى على السواء وانهزم أهل بغداد وثبت أصحاب البواري ثم انصرفوا وأحضر الأتراك منجنيقا فغلبهم عليه العامة فأخذوه ثم سار جماعة من الأتراك إلى ناحية النهروان فوجه محمد بن عبد الله قائدين من أصحابه وأمرهما بالمقام بتلك الناحية وحفظها من الأتراك فسار إليهم الأتراك فقاتلوهم فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد وأخذت دوابهم فدخلوا بغداد منهزمين ووجه الأتراك برؤوس القتلى إلى سامرا واستولوا على طريق خراسان وانقطع الطريق عن بغداد ووجه المعتز عسكرا في الجانب الغربي فساروا إلى بغداد وجازوا قطربل فضربوا عسكرهم هناك وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر فلما كان من الغد وجه محمد بن عبد الله عسكرا إليهم فلقيهم الشاه بن ميكال فتحاربوا فانهزم أصحاب المعتز خرج عليهم كمين لمحمد بن عبد الله فانهزموا ووضع أصحاب محمد فيهم السيف فقتلوهم أكثر قتل ولم يفلت منهم إلا القليل ونهب عسكرهم جميعه ومن سلم من القتل ألقى نفسه في دجلة ليعبر إلى عسكر أبي أحمد فأخذه أصحاب السفن وحملوا الأسرى والرؤوس في الزواريق فنصب بعضها ببغداد وأمر محمد لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة والخلع والأموال وطلبت المنهزمة فبلغ بعضهم أوانا وبعضهم بلغ سامرا وكان عسكر المعتز أربعة آلاف فقتل منهم ألفان وغرق منهم جماعة وأسر جماعة فخلع محمد على جميع القواد على كل قائد أربع خلع وطوق وسوار من ذهب وكان عود أهل بغداد عنهم مع المغرب وكان أكثر العمل في هذا اليوم للعيارين

وركب محمد بن عبد الله بن طاهر لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر إلى الشماسية فأمر بهدم ما وراء سورها من الدور والحوانيت والبساتين من باب الشماسية إلى ثلاثة أبواب ليتسع على من يحارب وقدم مال من فارس والأهواز من منكجور الأشروسني فوجه أبو أحمد الأتراك لأخذه فوجه محمد بن عبد الله جماعة لحفظ المال فعدلوا به عن الأتراك فقدموا به بغداد فلما علم الأتراك بذلك عدلوا نحو النخروان فقتلوا وأحرقوا سفن الجسر وهي عشرون سفينة ورجعوا إلى سامرا وقدم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد وكان المستعين قلده امرة الثغور الجزرية كان بمدينة بلد ينتظر الجنود والمال ليسير إلى الثغور فلما كان من أمر المستعين والأتراك ما ذكرنا سار من بلد إلى بغداد على طريق الرقة في أصحابه وخاصته وهم زهاء أربعمائة فخلع عليه محمد بن عبد الله خمس خلع ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن محمد فأخذ على طريق الفرات فحاربه في نفر يسير فهزم محمد وصار إلى ضيعته بالسواد فلما سمع محمد بهزيمته قال لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به وكانت للأتراك وقعة بباب الشماسية فقاتلوا عليه قتالا شديدا حتى كشفوا من عليه ورموا به المنجنيق بالنار والنفط فلم يحرقه ثم كثر الجند على الباب فأزالهم عن موقفهم بعد قتلى وجرحة ووجه محمد العرادات في السفن فرموهم بها رميا شديدا فقتلوا منهم نحو مائة وكان بعض المغاربة قد صار إلى السور فرمي بكلاب فتعلق به فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه وألقوا رأسه إلى الأتراك فرجعوا إلى معسكرهم

وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح يا مستعين يا منصور فصاح يا معتز يا منصور فظنوه من المغاربة فقتلوه وتقدم الأتراك في بعض الأيام إلى باب الشماسية فرمي الدرغمان مقدم المغاربة بحجر منجنيق فقتله وكان شجاعا وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف استه ويصيح ويضرط ثم يرجع فرماه بعض أصحاب محمد بسهم في دبره فخرج من حلقه فخر ميتا واجتمعت العامة بسامرا ونهبوا سوق الجوهريين والصيارفة وغيرهما فشكا التجار ذلك إلى إبراهيم المؤيد فقال لهم كان ينبغي أن تحولوا متاعكم إلى منازلكم ولم يصنع شيئا ولا أنكر ذلك وقدم لثصمان بقين من صفر جماعة من أهل الثغور يشكون بلكاجور ويزعمون أن بيعة المعتز وردت عليه فدعا الناس إلى بيعته وأخذ الناس بذلك فمن امتنع ضربه وحبسه وانهم امتنعوا وهربوا فقال وصيف ما أظنه إلا ظن أن المستعين مات وقام المعتز فقالوا ما فعله إلا عن عمد فورد كتاب بلكاجور لأربع بقين من صفر يذكر أنه كان بايع المعتز فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر جدد له البيعة وأنه على السمع والطاعة فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى المستعين فامتنع أصحابه الأتراك من موافقته على ذلك وحاربوه فقتل بينهم قتلى وقدم من البصرة عشر سفائن بحرية في كل سفينة خمسة وأربعون رجلا ما بين نفاط وغيره فمرت إلى ناحية الشماسية فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي أحمد فانتقلوا إلى موضع لا ينالهم شيء من النار ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب بغداد فقاتلوا عليها فقتل من الفريقين جماعة كثيرة ودام القتال إلى العصر

وفي ربيع الأول عمل محمد بن عبد الله كافركونات وفرقها على العيارين فخرجوا بها إلى أبواب بغداد وقتلوا من الأتراك نحوا من خمسين رجلا ولأربع عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة فتلقاه الناس ومعه زهاء ألف رجل فلما وصل خلع عليه سبع خلع وقلد سيفا ووجه المعتز عسكرا يبلغون ثلاثة آلاف فعسكروا بإزاء عسكر أبي أحمد باب قطربل

وركب محمد بن عبد الله في عسكره وخرج من النظارة خلق كثير فحاذى عسكر أبي أحمد فكانت بينهم في الماء جولة وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من خمسين رجلا ومضى النظارة فجاوزوا العسكر بنصف فرسخ فعبرت إليهم سفن لأبي أحمد فنالت منهم ورجع محمد بن عبد الله وأمر ابن أبي عون برد الناس فأمرهم بالعود فأغلظوا له فشتمهم وشتموه وضرب رجلا منهم فقتله فحلمت عليه العامة فانكشف من بين أيديهم فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن وأحرقوا سفينة فيها عرادة لأهل بغداد وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوها وقالوا مايل الأتراك فانهزم أصحابه وكلموا محمدا في صرفه فصرفه ومنعهم من أخذ ماله ولإحدى عشرة خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر أخيه أبي أحمد بن عكبرا فأخرج إليهم ابن طاهر عسكار فمضوا حتى بلغوا قطربل وبها كمين الأتراك فأوقع بهم ونشبت الحرب بينهم وقتل بينهما جماعة واندفع أصحاب محمد قليلا إلى باب قطربل والأتراك معهم فخرج الناس إليهم فدفعوا الأتراك حتى نحوهم ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتل من الأتراك أيضا خلق كثير ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة فنقبوا السور فقتل أهل بغداد أول خارج منه وكان القتل ذلك اليوم أكثره في الأتراك والجراح بالسهام في أهل بغداد

وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر الناس فخرجوا معه وأمر الموكل بباب قطربل أن لايدع منهزما يدخله ونشبت الحرب فانهزم أصحاب عبد الله وثبت أسد بن داود حتى قتل وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشد من الأتراك فأخذوا منهم الأسرى وقتلوا فأكثروا وحملوا الأسرى والرؤوس إلى سامرا فلما قربوا منها غطوا رؤوس الأسرى فلما رآهم أهل سامرا بكوا وضجوا وارتفعت أصواتهم وأصوات نسائهم فبلغ ذلك المعتز فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه فأمر لكل أسير بدينار وأمر بالرؤوس فدفنت وقدم أبو الساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول وفي سلخ ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية ومعهم كتاب من المعتز إلى محمد بن عبد الله فاستأذنه أصحابه في أخذه فأذن لهم فإذا فيه يذكره ما يجب عليه من حفظ العهد القديم فإن الوجب عليه أنه كان أول من يسعى في أمره ويؤكد خلافته فما ورد عليه محمد جواب الكتاب

وكانت وقعة بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر قتل من الأتراك سبعمائة ومن أصحاب محمد ثلاثمائة

وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبو الساج وعلي بن فراشة وعلي بن حفص بالمسير إلى المدائن فقال أبو الساج لمحمد بن عبد الله إن كنت تريد الجد مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك واجمعهم حتى تهزم هذا العسكر المقيم بإزائك فإذا فرغت منهم فما أقدرك على من بعدهم فقال إن لي تدبيرا ويكفي الله إن شاء الله فقال أبو الساج السمع والطاعة وسار إلى المدائن وحفر خندقها وأمده محمد بثلاثة آلاف فارس وألفي راجل وكتب المعتز إلى أخيه أبي أحمد يلومه لتقصير في قتال أهل بغداد فكتب إليه في الجواب

( لأمر المنايا علينا طريق % وللدهر فينا اتساع وضيق )

( وأيامنا عبرة للانام % فمنها البكور ومنها الطروق )

( ومنها هنات تشيب الوليد % ويخذل فيها الصديق الصدوق )

( وفتنة دين لها ذروة % تفوق العيون وبحر عميق )

( قتال متين وسيف عتيد % وخوف شديد وحصن وثيق )

( وطول صياح لداعي الصباح ال % سلاح السلاح فما يستفيق )

( فهذا طريح وهذا جريح % وهذا حريق وهذا غريق )

( وهذا قتيل وهذا تليل % وآخر يشدخه المنجنيق )

( هناك اغتصاب وثم انتهاب % ودور خراب وكانت تروق )

( إذا ما شرعنا إلى مسلك % وجدناه قد سد عنا الطريق )

( فبالله نبلغ ما نرتجي % وبالله ندفع ما لا نطيق )

وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون

ذكر حال الأنبار ص 172

وسير محمد بن عبد الله إلى الأنبار نجوبة بن قيس فأقام بها وجمع بها نحوا من ألفي رجل وأمده محمد بن عبد الله بألف وخمسمائة وشق الماء من الفرات إلى خندقها ففاض على الصحارى فصار بطيحة واحدة وقطع القناطر وسير المعتز جندا مع علي الإسحاقي نحو الأنبار فوصلوا ساعة وصلها مدد محمد وقد نزلوا ظاهرها فاقتتلوا أشد قتال فانهزم مدد محمد بن عبد الله ورجعوا في الطريق الذي جاؤوا فيه إلى بغداد وكان نجوبة بالانبار لم يخرج منها فلما بلغه هزيمة مدده ومسير الأتراك إليبه عبر إلى الجانب الغربي وقطع الجسر وسار نحو بغداد فاختار محمد بن عبد الله انفاذ الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى الأنبار في جماعة من القواد والجند فجهزهم وأخرج لهم رزق أربعة أشهر وخرج الجند وعرضهم الحسين وسار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الأولى وتبعه الناس والقواد وبنو هاشم إلى الياسرية وكان أهل الأنبار لما دخلها الأتراك قد أمنوهم ففتحوا دكاكينهم وأسواقهم ووافاهم سفن من الرقة تحمل الدقيق والزيت وغير ذلك فانتهبها الأتراك وحملوها إلى منازلهم بسامرا ووجهوا بالأسرى وبالرؤوس معها

وسار الحسين حتى نزل دمما ووافته طلائع الاتراك فوق دمما فصف أصحابه مقابل الأتراك بينهما نهر وكان عسكره عشرة آلاف رجل وكان الأتراك زهاء ألف رجل فتراموا بالسهام فجرح بينهم عدد وعاد الأتراك إلى الأنبار وتقدم الحسين فنزل بمكان يعرف بالقطيعة واسع يحمل العسكر فأقام فيه يومه ثم عزم على الرحيل إلى قرب الأنبار فأشار عليه القواد أن ينزل عسكره بهذا المكان بالقطيعة لسعته وحصانته ويسير هو وجنده جريدة فإن كان الأمر له كان قادرا على نقل عسكره وإن كان عليه رجع إلى عسكره وعاود عدوه فلم يقبل منهم وسار من مكانه فلما بلغ المكان الذي يريد النزول به أمر الناس بالنزول فأتت الأتراك جواسيسهم وأعلموهم بمسيره وضيق مكانه فأتاهم الأتراك والناس يحطون أثقالهم فثار أهل العسكر وقاتلوهم فقتل بينهم قتلى من الفريقين وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم خلق كثير وكان الأتراك قد كمنوا لهم كمينا فخرج الكمين على بقية العسكر فلم يكن منهم لهم ملجأ إلا الفرات وغرق من أصحابه خلق كثير وقتل جماعة وأسر جماعة وأما الفرسان فهربوا لا يلوون على شيء والقواد ينادونهم الرجعة فلم يرجع أحد فخافوا على نفوسهم فرجعوا يحمون أصحابهم وأخذ الأتراك عسكر الحسين بما فيه من الأموال والخلع التي كانت معه وسلم ما كان معه من سلاح في السفن لأن الملاحين حذروا السفن فسلم ما معهم من سلاح وغير ذلك ووصل المنهزمون إلى الياسرية لست خلون من جمادى الآخرة ولقي الحسين رجل من التجار ممن ذهبت أموالهم فقال الحمد لله الذي بيض وجهك أصعدت في اثني عشر يوما وانصرفت في يوم واحد فتغافل عنه

ولما اتصل خبر الهزيمة لمحمد بن عبد الله بن طاهر منع المنهزمين من دخول بغداد ونادى من وجدناه ببغداد من عسكر الحسين بعد ثلاثة أيام ضرب ثلاثمائة سوط وأسقط من الديوان فخرج الناس إلى الحسين بالياسرية وأخرج إليهم ابن عبد الله جندا آخر وأعطاهم الأرزاق وأمر بعض الناس ليعلم من قتل ومن غرق ومن سلم ففعلوا ذلك وأتاهم كتاب بعض عيونهم من الأنبار يخبرهم أن القتلى كانت من الترك أكثر من مائتين والجرحى نحو أربعمائة وأن جميع من أسره الأتراك مائتان وعشرون رجلا وأنه عد رؤوس القتلى فكانت سبعين رأسا وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق فأطلقوهم فرحل الحسين لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة وسار حتى عبر نهر أريق فلما كان السبت لثمان خلون من رجب أتاه إنسان فأعلمه أن الأتراك يريدون العبور إليه في عدة مخاضات فضربه ووكل بمواضع المخاض رجلا من قواده يقال له الحسين بن علي بن يحيى الأرمني في مائتي رجل فأتى الأتراك المخاضة فرأوا الموكل بها فتركوها إلى مخاضة أخرى فقاتلوهم وصبر الحسين بن علي وبعث إلى الحسين بن إسماعيل أن الأتراك قد وافوا المخاضة فقيل للرسول الأمير نائم فارسل آخر فقيل له الأمير المخرج فأرسل آخر فقيل الأمير قد عاد نام فعبر الأتراك فقعد الحسين بن علي في زورق وانحدر وهرب أصحابه منهزمين وقتل الأتراك منهم وأسروا نحو مائتين وانحدرت عامة السفن فسلمت ووضع الأتراك السيف وغرق خلق كثير من الناس فوصل المنهزمون بغداد نصف الليل ووافى بقيتهم في النهار واستولى الأتراك على أثقالهم وأموالهم وقتل عدة من قواد الحسين فقال الهندواني في الحسين

( يا أحزم الناس رأيا في تخلفه % عن القتال خلطت الصفو بالكدر )

( لما رأيت سيوف الترك مصلتو % علمت ما في سيوف الترك من قدر )

( فصرت مضطجرا ذلا ومنقصة % والنجح يذهب بين العجز والضجر )

ولحق فيها جماعة من الكتاب والوقاد وبني هاشم بالمعتز فمن بني هاشم علي ومحمد ابنا الواثق وغيرهما

ثم كانت بينهم عدة وقعات وقتل فيها من الفريقين جماعة ودخل الأتراك في بعض تلك الحروب إلى بغداد ثم تكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها وجرى بين أبي الساج وجماعة من الأتراك وقعة هزمهم أبو الساج ثم واقعوه أخرى فتخلى عنه بعض أصحابه فانهزم ودخل الأتراك المدائن وخرجت الأتراك الذين بالأنبا في سواد بغداد من الجانب الغربي حتى بلغوا صرصر وقصر ابن هبيرة

وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع القواد والعسكر ونصب له قبة وجلس فيها واقتتل الناس قتالا شديدا وانهزمت الأتراك ودخل أهل بغداد عسكرهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا وهربوا على وجوههم لا يلوون على شيء فكلما جيء برأس يقول بغا ذهبت الموالي وساء ذلك من مع بغا ووصيف من الأتراك ووقف أبو أحمد بن المتوكل يرد الأتراك ويخبرهم أنهم إن لم يرجعوا لم يبق لهم بقية وتبعهم أهل بغداد إلى سامرا فتراجعوا إليه وإن بعض أهل بغداد رجعوا عن المنهزمين فرأى أصحابهم أعلامهم فظنوها أعلام الأتراك قد عادت فانهزموا نحو بغداد مزدحمين وتراجع الأتراك إلى عسكرهم ولم يعلم بهزيمتهم أهل بغداد فتحملوا عليهم وفي ذي الحجة وجه أبو أحمد خمس سفائن مملوءة طعاما ودقيقا إلى ابن طاهر

وفي ذي الحجة علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلع المستعين والبيعة للمعتز ووجه قواده إلى أبي أحمد فبايعوه للمعتز وكانت العامة تظن أن الصلح جرى على أن الخليفة المستعين والمعتز ولي عهده وفي ذي الحجة أيضا خرج رشيد بن كاوس أخو الأفشين وكان موكلا بباب السلامة إلى الأتراك وسار معهم إلى أبي حامد ثم عاد إلى أبواب بغداد يقول للناس إن أمير المؤمنين المعتز وأبا أحمد يقرآن عليكم السلام ويقولان من أطاعنا وصلناه ومن أبى فهو أعلم فشتمه الناس وعلموا بما عليه محمد بن عبد الله بن طاهر فعبرت العامة إلى الجزيرة التي حذاء داره فشتموه أقبح شتم ثم ساروا إلى باب داره ففعلوا به مثل ذلك وقاتلوا من على بابه حتى كشفوهم ودخلوا دهليز داره وأرادوا إحراق داره فلم يجدوا نارا وبات منهم بالجزيرة جماعة يشتمونه وهو يسمع فلما ذكروا اسم أمه ضحك وقال ما أدري كيف عرفوه وقد كان أكثر جواري أبي لا يعرفون اسمها فلما كان الغد فعلوا مثل ذلك فسار محمد إلى المستعين وسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم ففعل وقال لهم إن محمدا لم يخلع ولم أتهمه ووعدهم أن يصلي بهم الجمعة فانصرفوا ثم ترددت الرسل بين محمد بن عبد الله وبين أبي أحمد مع حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد وثار قوم من رجالة الجند وكثير من العامة فطلب الجند أرزاقهم وشكت العامة سوء الحال وغلاء السعر وقالوا إما خرجت فقابلت وإما تركتنا فوعدهم الخروج أو فتح باب الصلح ثم جعل على الجسور وبالجزيرة وبباب داره الرجال والخيل فحضر الجزيرة بشر كثير فطردوا من كان بها وقاتلوا الناس وأرسل محمد بن عبد الله إلى الجند يعدهم رزق شهرين وأمرهم بالنزل فأبوا وقالوا لا نفعل حتى نعلم نحن والعامة على أي شيء نحن فخرج إليهم بنفسه فقالوا له إن العامة قد اتهموك في خلع المستعين والبيعة للمعتز وتوجيهك القواد بعد القواد ويخافون دخول الأتراك والمغاربة إليهم فإن يفعلوا بهم كما عملوا في المدائن والأنبار فهم يخافون على أنفسهم وأولادهم وأموالهم وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم

فلما رأى محمد ذلك سأل المستعين الخروج إليهم فخرج إلى دار العامة ودخل إليه جماعة من الناس فنظروا إليه وخرجوا فأعلموا الناس الخبر فلم يقتنعوا بذلك فأمر المستعين بإغلاق الأبواب وصعد سطح دار العامة ومحمد بن عبد الله معه فرآه الناس وعليه البردة وبيده القضيب فكلم الناس وأقسم عليهم بحق صاحب البردة إلا انصرفوا فإنه آمن لا بأس عليه من محمد فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنوه عليه فوعدهم ذلك فلما رأى ابن طاهر فعلهم عزم على النقلة عن بغداد إلى المدائن فأتاه وجوه الناس وسألوه الصفح واعتذروا بأن ذلك فعل الغوغاء والسفهاء فرد عليهم ردا جميلا وانتقل المستعين عن داره في ذي الحجة وأقام بدار رزق الخادم بالرصافة وسار بين يديه محمد بن عبد الله بالحربة

فلما كان من الغد اجتمع الناس بالرصافة فأمروا القواد وبني هاشم بالمسير إلى دار محمد بن عبد الله والعود معه إذا ركب ففعلوا ذلك فركب محمد في جمع وتعبية ووقف للناس وعاتبهم وحلف أنه ما يريد للمستعين ولا لولي له ولا لأحد من الناس سوءا وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم حتى بكى الناس ودعوا له وسار إلى المستعين وكان ابن طاهر مجدا في أمر المستعين حتى غيره عبد الله بن يحيى بن خاقان وقال له إن هذا الذي تنصره وتجد في أمره من أشد الناس نفاقا وأخبثهم دينا والله لقد أمر وصيفا وبغا بقتلك فاستعظما ذلك ولم يفعلاه وإن كنت شاكا في قول فسل تخبره وإن من ظاهر نفاقه أنه كان بسامرا لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته فلما صار إليك جهر بها مراءاة لك وتترك نصرة وليك وصهرك وتربيتك ونحو ذلك من كلام كلمه به فقال محمد أخزى الله هذا ما يصلح لدين ولا لدنيا ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى بأحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد

فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس ثم حضر محمد بن عبد الله عند المستعين وعنده الفقهاء والقضاة فقال له قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه وخطك عندي بذلك فقال المستعين أحضر الرقعة فأحضرها فإذا فيها ذكر الصلح وليس فيها ذكر الخلع فقال نعم امض الصلح

فخرج محمد إلى ظاهر باب الشماسية فضرب له مضرب فنزل إليه ومعه جماعة من أصحابه وجاء أبو أحمد في سمرية فصعد إليه فتناظرا طويلا ثم خرجا فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار وعلى أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع نفسه من الخلافة وأن يعطي بغا ولاية الحجاز جميعه ويولي وصيفا الجبل وما والاه ويكون ثلث ما يجبي من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد والثلثان للموالي والأتراك فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع وظن أو وصيفا وبغا معه يكاشفانه فقال النطع والسيف فقال له ابن طاهر أما أنا فأقعد ولا بد لك من خلعها طائعا أو مكرها

فأجاب إلى الخلع وكان سبب إجابته إلى الخلع أن محمدا وبغا ووصيفا لما ناظروه في الخلع أغلظ عليهم فقال وصيف أنت أمرتنا بقتل باغر فصرنا إلى ما نحن فيه وأنت أمرتنا بقتل أتامش وقلت إن محمدا ليس بناصح وما زالوا يفزعونه وقال محمد وقد قلت لي إن أمرنا لا يصلح إلا باستراحتنا من هذين الاثنين فلما رأى ذلك أذعن بالخلع وكتب بما أراد لنفسه من الشروط وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة

وجمع محمد الفقهاء والقضاء وأدخلهم على المستعين وأشهدهم عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبد الله ثم أخذ منه جوهر الخلافة وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه ومع كل قائد عشرة نفر من وجوه أصحابه فأتوهم فمناهم وقال لهم ما أردت ما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء وأمرهم بالخروج إلى المعتز في الشروط التي شرطها المستعين لنفسه ولقواده ليوقع المعتز عليها بخطه ثم أخرجهم إلى المعتز فمضوا إليه فأجاب إلى ما طلبوا ووقع عليه بخطه وشهدوا على إقراره وخلع عليهم ووجه معهم من يأخذ البيعة على المستعين وحمل إلى المستعين أمه وعياله بعد ما فتشوا وأخذوا ما معهم وكان دخول الرسل بغداد من عند المعتز لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين

ذكر غزو الفرنج بالأندلس ص 178

في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس جيشا مع ابنه المنذر إلى بلاد المشركين في جمادى الآخرة فساروا وقصدوا الملاحة وكانت أموال لذريق بناحية ألية والقلاع فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب جمع لذريق عساكره وسار يريدهم فالتقوا بموضع يقال له فج المركوين وبه تعرف هذه الغزاة فاقتتلوا فانهزم المشركون إلا أنهم لم يبعدوا واجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة فتبعهم المسلمون وحملوا عليهم واشتد القتال فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب وكان عدد ما أخذ من رؤوس المشركين ألفين وأربعمائة واثنين وتسعين رأسا وكان فتحا عظيما وعاد المسلمون

ذكر عدة حوادث ص 178

في هذه السنة رجع سليمان بن محمد صرفه عبد الله بن طاهر إلى طبرستان من جرجان بجمع كثير وخيل وسلاح فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان ولحق بالديلم ودخلها سليمان وقصد سارية وأتاه ابنان لقارن بن شهريار وأتاه أهل آمل وغيرهم منيبين مظهرين الندم يسألون الصفح فلقيهم بما أرادوا ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن عبد الله يخبره أنه لقي علي بن عبد الله الطالبي المسمى بالمرعشي فيمن معه من رؤساء الجبل فهزمه ودخل مدينة آمل

وفيها ظهر بأرمينية رجلان فقاتلهما العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابي فهزمهما فصعدا قلعة هناك فحصرهما ونصب عليها المجانيق فهزما منها وخفى أمرهما عليه وملك القلعة

وفيها حارب عيسى بن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق

وفيها ورد كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله بخبر الطالبي الذي ظهر بالري وما أعد له من العساكر المسيرة إليه وظفر به واسمه محمد بن جعفر فأخذه أسيرا ثم سار إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى بن الحسين الصغير بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عيله السلام

وفيها انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر وكان لقيه في ثلاثين ألفا وقتل من أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة وأربعين رجلا

وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسني وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المولد وأيوب بن أحمد بالكسير من أرض بني تغلب فقتل بينهما جماعة كثيرة فانهزم محمد ونهب متاعه

وفيها غزا بلكاجور الروم ففتح مطمورة وغنم غنيمة كثيرة وأسر جماعة من الروم

وفيها ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن أحمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وساتخلف بها حمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عيه السلام يكنى أبا أحمد فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ومن الزيدية وأجلى عنها عامل الخليفة وهو أحمد بن نصير بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة واجتمع مزاحم وهشام بن أبي دلف العجلي فسار مزاحم إلى الكوفة فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهم ووعدهم النصرة فتقدم مزاحم وقاتلهم وكان قد سير قائدا معه جماعة فأتى أهل الكوفة من ورائهم فأطبقوا عليهم فلم يفلت منهم أحد ودخل الكوفة فرماه أهلها بالحجارة فأحرقها بالنار فاحترق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع ثم هجم على الدار التي فيها العلوي فهرب وأقام المزاحم بالكوفة فأتاه كتاب المعتز يدعوه إليه فسار إليه وفيها ظهر إنسان علوي بناحية نينوى من أرض العراق فلقيه هشام بن أبي دلف في شهر رمضان فقتل من أصحاب العلوي جماعة وهرب فدخل الكوفة

وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي المعروف بالكوكبي بناحية قزوين وزنجان فطرد عمال طاهر عنها

وفيها قطعت بنو عقيل طريق جدة فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحو ثلاثمائة رجل فغلت الأسعار بمكة وأغارت الأعراب على القرى وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بمكة فهرب جعفر بشاشات وانتهب إسماعيل منزله ومنازل أصحاب السلطان وقتل الجند وجماعة من أهل مكة وأخذ ما كان حمل لاصلاح القبر من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك وأخذ كسوة الكعبة وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار وخرج منها بعد أن نهبها وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوما وسار إلى المدينة فتوارى عاملها ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعا وعطشا وبلغ الخبز ثلاثة أواق بدرهم واللحم رطل بأربعة دراهم وشربة ماء بثلاثة دراهم ولقي أهل مكة منه كل بلاء ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوما فحبس عن الناس الطعام وأخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب ثم وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب البقر وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة كان المعتز وجههما إليه فقاتلهما إسماعيل وقتل من الحاج نحو ألف ومائة وسلب الناس وهربوا إلى مكة ولم يقفوا بعرفة ليلا ولا نهارا ووقف إسماعيل وأصحابه ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها

وفيها مات سري السقطي الزاهد وإسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج الحافظ النيسابوري توفي في جمادى الأولى وله مسند يروى عنه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.