ذكر ظهور يحيى بن عمر الطالبي ومقتله
ص 155
في هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين عليه السلام بالكوفة وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم
وكان سبب ذلك أن أبا الحسين نالته ضيقة ولزمه دين ضاق به ذرعا فلقي عمر بن فرج وهو يتولى أمر الطالبيين عند مقدمه من خراسان أيام المتوكل فكلمه في صلته فأغلظ له عمر القول وحبسه فلم يزل محبوسا حتى كفله أهله فأطلق فسار إلى بغداد فأقام بها بحال سيئة ثم رجع إلى سامرا فلقي وصيفا في رزق يجرى له فأغلظ له وصيف وقال لأي شيء يجرى على مثلك فانصرف عنه إلى الكوفة وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمي عامل محمد بن عبد الله بن طاهر فجمع أبو الحسين جمعا كثيرا من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلوجة فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فكتب محمد إلى أيوب وعبد الله بن محمود السرخسي عامله على معاون السواد يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى بن عمر فمضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة يأخذ الذي فيه وكان فيما قيل ألفي دينار وسبعين ألف درهم وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجون وأخرج من فيها وأخرج العمال عنها فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه فضربه يحيى بن عمر ضربة على وجهه أثنه بها فانهزم عبد الله وأخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدواب والمال وخرج يحيى إلى سواد الكوفة وتبعه جماعة من الزيدية وجماعة من اهل تلك النواحي إلى ظهر واسط وأقام بالبستان فكثر جمعه فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة فسار إليه فنزل في وجهه لم يقدم عليه فسار يحيى والحسين في أثره حتى نزل الكوفة ولقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس قبل دخولها فقاتله وانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي ووافاه الحسين فنزلا بشاهي
واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر ودعا بالكوفة إلى الرضا من آل محمد فاجتمع الناس إليه وأحبوه وتولاه العامة من أهل بغداد ولا يعلم أنهم تولوا أحدا من بيته سواه وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في تشيعهم ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي واستراح واتصلت بهم الأمداد وأقام يحيى بالكوفة يعد الهدد ويصلح السلاح فأشار عليه جماعة من الزيدية ممن لا علم لهم بالحرب بمعاجلة الحسين بن إسماعيل وأحلوا عليه فزحف إليه ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب ومعه الهيضم العجلي وغيره ورجالة من أهل الكوفة ليس لهم علم ولا شجاعة وأسروا ليلتهم وصبحوا حسينا وهو مستريح فثاروا بهم في الغلس وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا ووضعوا فيهم السيف وكان أول أسير الهيضم العجلي وانهزم رجالة أهل الكوفة وأكثرهم بغير سلاح فداستهم الخيل وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر وعليه جوشن قد تقطر به فرسه فوقف عليه ابن لخالد بن عمران فقال له خير فلم يعرفه وظنه رجلا من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن فأمر جلا فنزل إليه فأخذ رأسه وعرفه رجل كان معه وسير الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وادعى قتله غير واحد فسير محمد الرأس إلى المستعين فنصب بسامرا لحظة ثم حطه ورده إلى بغداد لينصب بها فلم يقدر محمد على ذلك لكثر من اجتمع من الناس فخاف أن يأخذوه فلم ينصبه وجعله في صندوق في بيت السلاح ووجه الحسين بن إسماعيل برؤوس منقتل وبالأسرى فحبسوا ببغداد وكتب محمد بن عبد الله يسأل العفو عنهم فأمر بتخليتهم وأن تدفن الرؤوس ولا تنصب ففعل ذلك
ولما وصل الخبر بقتل يحيى جلس محمد بن عبد الله يهنأ بذلك فدخل عليه داود بن الهيثم أبو هاشم الجعفري فقال أيها الأمير إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله حيا لعزي به فما رد عليه محمد شيئا فخرج داود وهو يقول
( يا بني طاهر كلوه وبيا % إن لحم النبي غير مري )
( إن وترا يكون طالبه الل % ه لوتر نجاحه بالحري )
وأكثر الشعراء مراثي يحيى لما كان عليه من حسن السيرة والديانة فمن ذلك قول بعضهم
( بكت الخيل شجوها بعد يحيى % وبكاه المهند المصقول )
( وبكته العراق شرقا وغربا % وبكاه الكتاب والتنزيل )
( والمصلى والبيت والركن والحج % ر جميعا له عليه عويل )
( كيف لم تسقط السماء علينا % يوم قالوا أبو الحسين قتيل )
( وبنات النبي تبدين شجوا % موجعات دموعهن همول )
( قطعت وجهه سيوف الأعادي % بأبي وجهه الوسيم الجميل )
( إن يحيى أبقى بقلبي غليلا % سوف يؤذي بالجسم ذلك الغليل )
( قتله مذكر لقتل علي % وحسين ويم أودى الرسول )
( صلوات الإله وقفا عليهم % ما بكى موجع وحن ثكول )
ذكر ظهور الحسن بن زيد العلوي
ص 157
وفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين علي بن أبي طالب عليه السلام بطبرستان وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين من ضواحي السلطان بطبرستان قطائع منها قطيعة قرب ثغر الديلم وهما كلار وشالوس وكان بحذائهما أرض تحتطب منها أهل تلك الناحية وترعى فيها مواشيهم ليس لأحد عليها ملك إنما هي موات وهي ذات غياض وأشجار وكلأ
فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع واسمه جابر بن هارون النصراني وعامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر وكان الغالب على أمر سليمان محمد بن أوس البلخي وقد فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان وهم أحداث سفهاء فتأذى بهم الرعية وشكوا منهم ومن أبيهم ومن سليمان سوء السيرة
ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد الديلم وهم مسالمون لأهل طبرستان فسبى منهم وقتل فساء ذلك أهل طبرستان فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطعه محمد بن عبد الله عمد فحاز فيه ما اتصل به من أرض موات يرتفق بها الناس وفيما حاز كلار وشالوس
وكان في تلك الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطانها ممن رامها من الديلم مذكور أن بإطعام الطعام وبالافضال يقال لاحدهما محمد وللآخر جعفر وهما ابنا رستم فانكرا ما فعل جابر من حيازة الموات وكان مطاعين في تلك الناحية فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات فخافهما جابر فهرب منهما فلحق بسليمان بن عبد الله وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان فراسلوا جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويعتذرون فيما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل فاتفقوا على المعاونة والمساعدة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره ثم أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن إبراهيم كان بطبرستان يدعونه إلى البيعة له فامتنع عليهم وقال لكني أدلكم على رجل منا هو أقوم بهذا الأمر مني فدلهم على الحسن بن زيد وهو بالري فوجهوا إليه عن رسالة محمد بن إبراهيم يدعوه إلى طبرستان فشخص إليها فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته فبايعوه كلهم وطردوا عمال ابن أوس عنهم فلحقوا بسليمان بن عبد الله وانضم إلى الحسن بن زيد أيضا جبال طبرستان كاصمغان وقاوشان وليث بن قتاد وجماعة من أهل السفح ثم تقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل وهي أقرب المدن إليهم وأقبل أوس من سارية ليدفعه عنها فاقتتلوا قتالا شديدا وخالف الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها
فلما سمع ابن أوس الخبر وهو مشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن زيد لم يكن له همة إلا النجاة بنفسه فهرب ولحق بسليمان إلى سارية فلما استولى الحسن بن علي على آمل كثر جمعه وأتاه كل طالب نهب وفتنة وأقام آمل أياما ثم سار نحو سارية لحرب سليمان بن عبد الله فخرج إليه سليمان فالتقوا خارج مدينة سارية ونشبت الحرب بينهم فسار بعض قواد الحسن نحو سارية فدخلها فلما سمع سليمان الخبر انهزم هو ومن معه وترك أهله وعياله وثقله وكل ماله بسارية واستولى الحسن وأصحابه على ذلك جميعه فأمر الحرم والأولاد فجعلهم الحسن في مركب وسيرهم إلى سليمان بجرجان وأما المال فكان قد نهب وتفرق وقيل إن سليمان انهزم اختيارا لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع وقال
( نبئت خيل ابن زيد أقبلت حينا % تريدنا لتحسينا الأمرينا )
( يا قوم إن كانت الأنبياء صادقة % فالويل لي ولجمع الطاهريينا )
( أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا % أكون من بينهم رأس المولينا )
( فالعذر عند رسول الله منبسط % إذا احتبست دماء الفاطميينا )
فلما التقوا انهزم سليمان فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جندا مع رجل من أهله يقال له الحسن بن زيد أيضا فملكها وطرد عنها عامل الطاهرية فاستخلف بها رجلا من العلويين يقال له محمد بن جعفر وانصرف عنها وورد الخبر على المستعين ومدبر أمره يومئذ وصيف وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن عنها وأما ما هداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب عنه فلما استقر بمحمد بن جعفر الطالبي المقام بالري ظهرت منه أمور كرهها أهل الري ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قائدا من عنده يقال له محمد بن ميكال في جمع من الجند إلى الري وهو أخو الشاه بن ميكال فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري فأسر محمد بن جعفر وانهزم جيشه ودخل ابن ميكال الري فأقام بها فوجه الحسن بن زيد عسكرا عليه قائد يقال له واجن فلما صار إلى الري خرج إليه محمد بن ميكال فالتقوا فاقتتلوا فانهزم ابن ميكال والتجأ إلى الري معتصما بها فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد ودعا للرضا من آل محمد فحاربه محمد بن علي بن طاهر فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين