في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة فافتتح حصنا ومطامير واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم فأذن له فسار في خلق كثير من أهل ملطية فلقيه الملك في جمع عظيم من الروم بمرج الأسقف فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير ثم أحاطت به الروم وهم خمسون ألفا وقتل عمر وممن معه ألفان من المسملمين في منتصف رجب فلما قتل عمر بن عبيد الله خرج الروم إلى الثغور الجزرية وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين وحرمهم فبلغ ذلك علي بن يحيى وهو قافل من أرمينية إلى ميافارقين في جماعة من أهلها ومن أهل السلسلة فنفر إليهم فقتل في نحو من أربعمائة رجل وذلك في شهر رمضان
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين
وفيها شغب الجند والشاكرية ببغداد
وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى وكانا من شجعان الإسلام شديدا بأسهما عظيما عناؤهما عن المسلمين في الثغور شق ذلك عليهم مع قرب مقتل أحدهما من الآخر وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك للمتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين يقتلون من يريدون من الخلفاء ويستخلفون من أحبوا من غير ديانة ولا نظر للمسلمين فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير وانضم إليهم الأبناء والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق وكان ذلك أو صفر ففتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون كاتبي محمد بن عبد الله ثم أخرج أهل اليسار من بغداد أموالا كثيرة ففرقوها فيمن نهض إلى الثغور وأقبلت العامة من نواحي الجبال وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولا يوجه عسكره
وفيها في ربيع الأول وثب نفر من الناس لا يدرى من هم بسامرا ففتحوا السجن وأخرجوا من فيه فبعث في طلبهم جماعة من الموالي فوثب العامة بهم فهزموهم فركب بغا وأتامش ووصيف وعامة الأتراك فقتلوا من العامة جماعة فرمي وصيف بحجر فأمر بإحراق ذلك المكان وانتهب المغاربة ثم سكن ذلك آخر النهار
في هذه السنة قتل أتامش وكاتبه شجاع
وكان سبب ذلك أن المستعين أطلق يد والدته ويد أتامش وشاهك الخادم في بيوت الأموال وأباحهم فعل ما أرادوا فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة أخذ أتامش أكثر ما في بيوت الأموال وكان في حجره العباس بن المستعين وكان ما فضل من هؤلاء الثلاثة أخذه أتامش للعباس فصرفه في نفقاته وكانت الموالي تنظر إلى الأموال تؤخذ وهم في ضيقة ووصيف وبغا بمعزل من ذلك فأغريا الموالي بأتامش وأحكما أمره فاجتمعت الأتراك والفراغنة عليه وخرج إليه منهم أهل الدور والكرخ فسكروا في ربيع الآخر وزحفوا إليه وهو في الجوسق مع المستعين وبلغه الخبر فأراد الهرب فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجره فأقاموا على ذلك يومين ثم دخلوا الجوسق وأخذوا أتامش فقتلوه وقتلوا كاتبه شجاعا ونهبت دور أتامش فأخذوا منه أموالا جمة وغير ذلك فلما قتل استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج وولاه عيسى بن فرخنشاه وولى وصيف الأهواز وبغا الصغير فلسطين ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح فهرب إلى بغداد فاستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائي فجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد فقال الحمدوني
( لبس السيف سعيدا بعدما % كان ذا طمرين لا يؤبه له )
( إن لله لآيات وذا % آية لله فينا منزله )
فيها قتل علي بن الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب كان توجه إلى الثغر فلقيه خيل لكلب فقتلوه وأخذوا ما معه فقال وهو في السياق
( أزيد في الليل ليل % أم سال في الصبح سيل )
( ذكرت أهل دجيل % وأين مني دجيل )
وكان منزله بشارع دجيل وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء ووليه جعفر بن محمد بن عثمان البرجمي الكوفي وقيل كان ذلك سنة خمسين ومائتين وفيها أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة هدمت الدور ومات خلق من أهلها وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام وهو والي مكة وفيها سير محمد صاحب الأندلس جيشا مع ابنه إلى مدينة ألية والقلاع من بلد الفرنج فجالت الخيل في ذلك الثغر وغنمت وافتتحت بها حصونا منيعة وفيها توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب إفريقية ثالث عشر ذي القعدة فلما مات ولي أخوه زيادة الله بن محمد بن الأغلب فلما ولي زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن سفيان أمير صقلية يعرفه موت أخيه وأمره أن يقيم على ولايته
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
