ذكر غزاة وصيف الروم
ص 145
في هذه السنة أغزى المنتصر وصيفا التركي إلى بلاد الروم
وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين أحمد بن الخصيبي شحناء وتباغض فحرض أحمد بن الخصيب المنتصر على وصيف وأشار عليه بإخراجه من عسكره للغزاة فأمر المنتصر بإحضار وصيف فلما حضر قال له قد أتانا طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغر وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه ولست آمنه أن يهلك كل ما مر به من بلاد الإسلام ويقتل ويسبي فإما شخصت أنت وإما شخصت أنا
فقال بل أشخص أنا يا أمير المؤمنين فقال لأحمد بن الخصيب انظر إلى ما يحتاج إليه وصيف فأتمه له فقال نعم يا أمير المؤمنين قال ما نعم قم الساعة وقال لوصيف مر كاتبك أن يوافقه على ما يحتاج إليه ويلزمه حتى يفرغ منه فقاما ولم يزل أحمد بن الخصيب في جهازه حتى خرج وانتخب له الرجال فكان معه اثنا عشر ألف رجل وكان على مقدمته مزاحم بن خاقان أخو الفتح وكتب المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد يعلمه ذلك ويأمره أن ينتدب الناس إلى الغزاة ويرغبهم فيها وأمر وصيفا أن يوافي ثغر ملطية وجعل على نفقات العسكر والمغانم والمقام أبا الوليد الحريري البجلي ولما سار وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين يغزو في أوقات الغزو منها إلى أن يأتيه رأيه
ذكر خلع المعتز والمؤيد
ص 145
وفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد ابنا المتوكل من ولاية العهد
وكان سبب خلعهما أن المنتصر لما استقامت له الأمور قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا إنا لا نأمن الحدثان وأن يموت أمير المؤمنين فيلي المعتز الخلافة فيبيد خضراءنا ولا يبقي منا باقية والآن الرأي أن نعمل في خلع المعتز والمؤيد فجد الأتراك في ذلك وألحوا على المنتصر وقالوا نخلعهما من الخلافة ونبايع لابنك عبد الوهاب فلم يزالوا به حتى أجابهم وأحضر المعتز والمؤيد بعد أربعين يوما من خلافته وجعلا في دار فقال المعتز للمؤيد يا أخي قد أحضرنا للخلع فقال لا أظنه يفعل ذلك فبينما هما كذلك إذ جاءت الرسل بالخلع فقال المؤيد السمع والطاعة وقال المعتز ما كنت لأفعل فإن أردتم القتل فشأنكم فأعلموا المنتصر ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز بعنف وأدخلوه بيتا وأغلقوا عليه الباب فلما رأى المؤيد ذلك قال لهم بجراءة واستطالة ما هذا يا كلاب قد ضريتم على دمائنا تثبون على مولاكم هذا الوثوب دعوني وإياه حتى أكلمه فسكتوا عنه وأذنوا له في الاجتماع به بعد إذن من المنتصر بذلك فدخل عليه المؤيد وقال يا جاهل تراهم نالوا من أبيك وهو هو ما نالوا ثم تمنع عليهم اخلع ويلك لا تراجعهم فقال وكيف أخلع وقد جرى في الآفاق فقال هذا الأمر قتل أباك وهو يقتلك وإن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين فقال أفعل فخرج المؤيد وقال قد أجاب إلى الخلع فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا فشكروه ومعهم كاتب فجلس وقال للمعتز اكتب بخطك خلعك فامتنع فقال المؤيد للكاتب هات قرطاسك املل علي ما شئت فأملى عليه كتابا إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر وأن لا يحل له أن يتقلده وكره أن يأثم المتوكل بسببه إذ لم يكن موضعا له ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع نفسه وأحل الناس من بيعته فكتب ذلك وقال للمعتز اكتب فأبى فقال اكتب ويلك فكتب وخرج الكاتب عنهما ثم دعاهما المنتصر فدخلا عليه فأجلسهما وقال هذا كتابكما فقالا نعم يا أمير المؤمنين فقال لهما والأتراك وقوف أتراني خلعتكما طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له والله ما طمعت في ذلك ساعة قط وإذ لم يكن لي في ذلك طمع فوالله لأن يليها بنو أبي أحب إلي من أن يليها بنو عمي ولكن هؤلاء وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم عنده وقاعد ألحوا علي في خلعكما فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكما فما ترياني صانعا إذن أقتله فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل علي فقبلا يده وضمهما ثم إنهما أشهدا أنفسهما القضاة وبني هاشم والقواد ووجوه الناس وغيرهم بالخلع وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وإلى غيرهم
ذكر موت المنتصر
ص 147
في هذه السنة توفي المنتصر في يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر وقيل يوم السبت وكنيته أبو جعفر بن المتوكل على الله وقيل كنيته أبو العباس وقيل أبو عبد الله وكانت علته الذبحة في حلقة أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول وقيل كانت علته من ورم في معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات وكانت علته ثلاثة أيام وقيل إنه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه ففصده بمبضع مسموم فمات منه وانصرف إلى منزله وقد وجد حرارة فدعا تلميذا ليفصده ففصده ووضع مباضعه بين يديه ليستخير أجودها فاختار ذلك المبضع المسموم وقد نسيه الطبيب ففصده به فلما فرغ نظر إليه فعرفه فأيقن بالهلاك ووصى من ساعته
وقيل إنه كان وجد في رأسه علة فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنا فورم رأسه فمات وقيل بل سمه ابن الفيطوري في محاجمه فمات وقيل كان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون إنما مدة حياته ستة أشهر مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه يقوله الخاصة والعامة
وقيل إن المنتصر كان نائما في بعض الأيام فانتبه وهو يبكي وينتحب فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه فسأله عن سبب بكائه فقال كنت نائما فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءني فقال ويحك يا محمد قتلتني وظلمتني وغبنتني خلافتي والله لا متعت بها بعدي إلا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار فقال عبد الله هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب بل يعمرك الله ويسرك ادع بالنبيذ وخذ في اللهو لا تعبأ بها ففعل ذلك ولم يزل منكسرا إلى أن توفي
قال بعضهم وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء وأعلمهم بمذاهبه وحكى عنه أمورا قبيحة كرهت ذكرها فاشاروا بقتله فكان كما ذكرنا بعضه وكان عمره خمسا وعشرين سنة وستة أشهر وقيل أربعا وعشرين وكانت خلافته ستة أشهر ويومين وقيل كانت ستة أشهر سواء وكانت وفاته بسامرا فما حضرته الوفاة أنشد
( وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها % ولكن إلى الرب الكريم أصير )
وصلى عليه أحمد بن محمد المعتصم بسامرا وبها كان مولده وكان أعين أقنى قصيرا مهيبا وهو أول خليفة من بني العباس عرف قبره وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره وكانت أمه أم ولد رومية
ذكر بعض سيرته
ص 148
كان المنتصر عظيم الحلم راجح العقل غزير المعروف راغبا في الخير جوادا كثير الإنصاف حسن العشرة وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين عليهما السلام وآمن العلويين وكانوا خائفين أيام أبيه وأطلق وقوفهم وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب عليه السلام
وذكر أن المنتصر لما ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح بن علي عن المدينة واستعمل عليها علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد قال علي فلما دخلت أودعه قال لي يا علي إني أوجهك إلى لحمي ودمي ومد ساعده
وقال إلى هذا أوجه بك فانظر كيف تكون للقوم وكيف تعاملهم يعني إلى آل أبي طالب فقال أرجو أن أمتثل أمر أمير المؤمنين إن شاء الله تعالى
فقال إذا تسعد عندي ومن كلامه والله ما عز ذو باطل ولو طلع القمر من جبينه ولا ذل ذو حق ولو اتفق العالم عليه
ذكر خلافة المستعين
ص 148
وفي هذه السنة بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة وكان سبب ذلك أن المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد وفيها بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش وغيرهم فاستحلفوا قود الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير وبغا الصغير وأتامش وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب فحلفوا وتشاوروا وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم وأجمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم وقالوا لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم فبايعوه ليلة الإثنين لست خلون من ربيع الآخر وهو ابن ثمان وعشرين سنة ويكنى أبا العباس فاستكتب أحمد بن الخصيب واستوزر أتامش فلما كان يوم الاثنين سار المستعين إلى دار العامة في زي الخلافة وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة وصف واجن الأشروسني أصحابه صفين وقام هو وعدة من وجوه أصحابه وحضر الدار أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم فبيناهم كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق وإذا نحو من خمسين فارسا ذكروا أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة فشهروا السلاح وصاحوا نفير يا منصور وشدوا على أصحاب الأشروسني فتضعضعوا وانضم بعضهم إلى بعض وتحرك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية وكثروا فحمل عليهم المغاربة وبعض الأشروسنية فهزموهم حتى أدخلوهم درب زرافة ثم نشبت الحرب بينهم فقتل جماعة وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح والدروع والجواشن والسيوف والتروس وغير ذلك وكان الذين نهبوا ذلك الغوغاء وأصحاب الحمامات وغلمان أصحاب الباقلا وأصحاب الفقاع فأتاهم بغا الكبير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة وقتلوا منهم عدة وكثر القتل من الفريقين وتحرك أهل السجن بسامرا وهرب منهم جماعة ثم وضع العطاء على البيعة وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فبايع له هو والناس ببغداد ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم أن المستعين أخو المتوكل لأبيه وليس كذلك إنما هو ولد أخيه محمد بن المعتصم والله أعلم
ذكر عدة حوادث
ص 149
وفيها ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على خراسان ولمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد وأفرده به وفيها مات بغا الكبير فعقد لابنه موسى على أعمال أبيه كلها وولي ديوان البريد وفيها وجه أبوجور التركي إلى أبي العمود الثعلبي فقتله بكفرتوثي لخمس بقين من ربيع الآخر وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج فوجه خلفه رسول ينفيه إلى برقة ويمنعه من الحج وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما وأشهدا عليهما القضاة والفقهاء وكان الشراء باسم الحسن بن المخلد للمستعين وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة عشرون ألف دينار وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة آلاف دينار وجعلا في حجرة في الجوسق ووكل بهما وكان الأتراك حين شغب الغوغاء أرادوا قتلهما فمنعهم أحمد بن الخصيب وقال لا ذنب لهما ولكن احبسوهما فحبسوهما وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة واستصفى ماله ومال ولده ونفي إلى أقريطش وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية وعقد له على أرمينية وأذربيجان في شهر رمضان وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم فأخرجوه فوجه إليهم المستعين الفضل بن قارن فأخذهم فقتل منهم خلقا كثيرا وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى سامرا وفيها غزا الصائفة وصيف وكان مقيما بالثغر الشامي فدخل بلاد الروم فافتتح حصن فرورية وفيها عقد المستعين لأتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيرا وفيها عقد لبغا الشرابي على حلوان وما سبذان ومهرجان قذق وخاص أموره وقدمه وأتامش على جميع الناس وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي وفيها حكم محمد بن عمرو أيام المنتصر وخرج بناحية الموصل خارجي فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني فأسره مع عدة من أصحابه فقتلوا وصلبوا وفيها تحرك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان نحو هراة وفيها توفي عبد الرحمن بن عدويه أبو محمد الرافعي الزاهد وكان مستجاب الدعوة وهو من أهل افريقية وفيها سارت سرية في الأندلس إلى ذي تروجة وكان المشركون قد تطاولوا إلى ذلك الجانب فلقيتهم السرية فأصابوا من المشركين وقتلوا كثير منهم وفيها كان بصقلية سرايا للمسلمين فغنمت وعادت ولم يكن حرب بينهم تذكر وفيها توفي أبو كريب محمد بن العلاء الكوفي في جمادى الآخرة وكان من مشايخ البخاري ومسلم ومحمد بن حميد الرازي المحدث
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.