الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء السادس / ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين
28

ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين

الجزء السادس 6 عنصر صفحة 135
ذكر مقتل المتوكل ص 135

وفي هذه السنة قتل المتوكل وكان سبب قتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل وإقطاعها الفتح بن خاقان فكتب وصارت إلى الخاتم فبلغ ذلك وصيفا

وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في رمضان وشاع في الناس واجتمعوا لذلك وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب فلما كان يوم الجمعة وأراد الركوب للصلاة قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان إن الناس قد كثروا من أهل بيتك ومن غيرهم فبعض متظلم طالب حاجة وأمير المؤمنين يشكو ضيق الصدر وعلة به فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة ونكون معه فليفعل فأمر المنتصر بالصلاة فلما نهض للركوب قالا له يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر المعتز بالصلاة فقد اجتمع الناس لتشرفه بذلك وقد بلغ الله به وكان قد ولد للمعتز قبل ذلك ولد فأمر المعتز فركب فصلى بالناس وأقام المنتصر في داره بالجعفرية فزاد ذلك في إغرائه فلما فرغ المعتز من خطبته قام إليه عبد الله والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه فلما فرغ من الصلاة انصرف ومعه الناس في موكب الخلافة حتى دخل على أبيه فأثنوا عليه عنده فسره ذلك فلما كان عيد الفطر قال مروا المنتصر يصلي بالناس فقال له عبيد الله قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين واحتشدوا لذلك فلم يركب ولا يأمن إن هو لم يركب اليوم أن يرجف الناس بعلته ويتكلموا في أمره فإذا رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء ويكبت الأعداء بركوبه فليفعل فركب وقد صف له الناس نحو أربعة أميال وترجلوا بين يديه فصلى ورجع فأخذ حفنة من التراب فوضعها على رأسه وقال إني رأيت كثرة هذا الجمع ورأيتهم تحت يدي فأحببت أن أتواضع لله فلما كان اليوم الثالث افتصد واشتهى لحم جزور فأكله وكان قد حضر عنده ابن الحفصي وغيره فأكلوا بين يديه قال ولم يكن يوم أسر من ذلك اليوم ودعا الندماء والمغنين فحضروا وأهدت له أم المعتز مطرف خظ أخضر لم ير الناس مثله فنظر إليه فأطال وأكثر تعجبه منه وأمر فقطع نصفين ورده عليها وقال لرسولها والله إن نفسي لتحدثني أني لا ألبسه وما أحب أن يلبسه أحد بعدي ولهذا أمرت بشقه قال فقلنا نعيذك بالله أن تقول هذا

قال وأخذ في الشرب واللهو ولهج بأن يقول أنا والله مفارقكم عن قليل ولم يزل في لهوه وسروره إلى الليل وكان قد عزم هو والفتح أن يفتكا بكرة غدة بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك وقد كان المنتصر واعد الأتراك ووصيفا وغيره على قتل المتوكل وكثر عبث المتوكل قبل بيوم بابنه المنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته ومرة يأمر بصفعه ومرة يتهدده بالقتل ثم قال للفتح برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله إن لم تلطمه يعني المنتصر فقام إليه فلطمه مرتين ثم أمر يده على قفاه ثم قال لمن حضره اشهدوا علي جميعا أني قد خلعت المستعجل يعني المنتصر ثم التفت إليه فقال سميتك المنتصر فسماك الناس لحمقك المنتضر ثم صرت الآن المستعجل فقال المنتصر لو أمرت بضرب عنقي كان أسهل علي مما تفعله بي فقال اسقوه ثم أمر بالعشاء فأحضر وذلك في جوف الليل

فخرج المنتصر من عنده وأمره بابا غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه وأخذ بيد زراقة الحاجب وقال له امض معي فقال إن أمير المؤمنين لم ينم فقال إنه قد أخذ منه النبيذ والساعة يخرج بغا والندماء وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلي فإن أوتامش سألني أن أزوج ولده من ابنتك وابنك من ابنته فقال نحن عبيدك فمر بأمرك فسار معه إلى حجرة هناك وأكلا طعاما فسمعا الضجة والصراخ فقاما وإذ بغا قد لقي المنتصر فقال المنتصر ما هذا فقال خير يا أمير المؤمنين قال ما تقول ويلك قال أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين كان عبدا لله دعاه فأجابه فجلس المنتصر وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوكل فأغلق وأغلقت الأبواب كلها وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل

وأما كيفية قتل المتوكل فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائما عند الستر وذلك اليوم كان نوبة بغا الكبير وكان خليفته في الدار ابنه موسى وموسى هذا هو ابن خالة المتوكل وكان أبوه يومئذ بسميساط فدخل بغا الصغير إلى المجلس فأمر الندماء بالانصراف إلى الحجرهم فقال له الفتح ليس هذا وقت انصرافهم وأمير المؤمنين لم يرتفع فقال بغا إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة أن لا أترك أحدا وقد شرب أربعة عشر رطلا وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة فأخرجهم ولم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدمه الخاصة وأبو أحمد بن المتوكل وهو أخو المؤيد لأمه وكان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلها إلا باب الشط ومنه دخل القوم الذين قتلوه فبصر بهم أبو أحمد فقال ما هذا يا سفل فإذا سيوف مسللة فلما سمع المتوكل صوت أبي أحمد رفع رأسه فرآهم فقال ما هذا يا بغا فقال هؤلاء رجال النوبة فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم فقال لهم بغا يا سفل أنتم مقتولون لا محالة فموتوا كراما فرجعوا فابتدره بغلون فضربه على كتفه وأذنه فقده فقال مهلا قطع الله يدك وأراد الوثوب به واستقبله بيده فضربها فأبانها وشركه باغر فقال الفتح ويلكم أمير المؤمنين ورمى بنفسه على المتوكل فبعجوه بسيوفهم فصاح الموت وتنحى فقتلوه وكانوا قالوا لوصيف ليحضر معهم وقالوا إنا نخاف فقال لا بأس عليكم فقالوا له أرسل معنا بعض ولدك فأرسل معهم خمسة من ولده صالحا وأحمد وعبد الله ونصرا وعبيد الله

وقيل أن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث فقال للمتوكل قد فرغنا من الأسد والحيات والعقارب وصرنا إلى السيوف وذلك أنه ربما أسلى الحية والعقرب والأسد فلما ذكر عثعث السيوف قال يا ويلك أي سيوف فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه وقتلوه وقتلوا الفتح وخرجوا إلى المنتصر فسلموا عليه بالخلافة وقالوا مات أمير المؤمنين وقاموا على رأس زرافة بالسيوف وقالوا بايع فبايع وأرسل المنتصر إلى وصيف أن الفتح قد قتل أبي فقتلته فأحضر في وجوه أصحابك فحضر هو أصحابه فبايعوا وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته ينفذ الأمور ولا يعلم وبين يديه جعفر بن حامد فبينما هو كذلك إذ طلع عليه بعض الخدم فقال ما يحبسك والدار سيف واحد فأمر جعفر بالنظر فخرج وعاد وأخبره أن المتوكل والفتح قتلا فخرج فيمن عنده من خدمه وخاصته فأخبر أن الأبواب مغلقة وأخذ نحو الشط فإذا أبوابه مغلقة فأمر بكسر ثلاثة أبواب وخرج إلى الشط وركب في زورق فأتى منزل المعتز فسأل عنه فلم يصادفه فقال إن لله وإنا إليه راجعون قتل نفسه وقتلني واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الأربعاء من الأبناء والعجم والأرمن والزواقيل وغيرهم فكانوا زهاء عشرة آلاف وقيل كانوا ثلاثة عشر ألفا وقيل ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف

فقالوا ما اصطنعتنا إلا لهذا اليوم فمرنا بأمرك واذن لنا نميل على القوم ونقتل المنتصر ومن معه فأبى ذلك وقال المعتز في أيديهم وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتابا من كتب الملاحم فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه فتوقفت عن قراءته فقال ما لك فقلت خير

قال لا بد من أن تقرأه فقرأته وحدت عن ذكر الخلفاء فقال ليت شعري من هذا الشقي المقتول فقال أبو الوارث قاضي نصيبين رأيت في النوم آتيا أتاني وهو يقول

( يا نائم العين في جثمان يقظان % ما بال عينك لا تبكي بتهتان )

( أما رأيت صروف الدهر قد فعلت % بالهاشمي وبالفتح بن خاقان )

فأتى البريد بعد أيام بقتلهما وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال وقيل ليلة الخميس وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام وكان مولده بفم الصلح في شوال سنة ست ومائتين وكان عمره نحو أربعين سنة وكان أسمر حسن العينين نحيفا خفيف العارضين ورثاه الشعراء فأكثروا ومما قيل فيه قول علي بن الجهم

( عبيد أمير المؤمنين قتلنه % وأعظم آفات الملوك عبيدها )

( بني هاشم صبرا فكل مصيبة % سيبلى على وجه الزمان جديدها )

ذكر بعض سيرته ص 139

ذكر أن أبا الشمط مروان بن أبي الجنوب قال أنشدت المتوكل شعرا ذكرت في الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة وخلع علي أربع خلع وخلع على المنتصر وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار فنثرت علي وأمر ابنه المنتصر وسعد الإيتاخي أن يلقطاها لي ففعلا والشعر الذي قلته

( ملك الخليفة جعفر % للدين والدنيا سلامه )

( لكم تراث محمد % وبعدلكم تشفى الظلامه )

( يرجو التراث بنو البنا % ت وما لهم فيها قلامه )

( والصهر ليس بوارث % والبنت لا ترث الإمامه )

( ما للذين تنحلوا % ميراثكم إلا الندامه )

( أخذ الوراثة أهلها % فعلام لومكم علامه )

( لو كان حقكم لما % قامت على الناس القيامه )

( ليس التراث لغيركم % لا والإله ولا كرامه )

( أصبحت بين محبكم % والمبغضين لكم علامه )

ثم نثر علي بعد ذلك لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم

وقال يحيى بن أكثم حضرت المتوكل فجرى بيني وبينه ذكر المأمون فقلت بتفضيله وتقريظه ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته قولا كثيرا لم يقع لموافقة من حضر فقال المتوكل كيف كان يقول في القرآن فقلت كان يقول ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض ولا مع السنة وحشة إلى فعل أحد ولا مع البيان والإفهام حجة لتعلم ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف لظهور الحجة فقال المتوكل لم أرد منك ما ذهبت إليه فقال يحيى القول المحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمة قال فما كان يقول خلال حديثه فإن أمير المؤمنين المعتصم بالله رحمه الله كان يقول وقد أنسيته قال كان يقول اللهم إني أحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك واستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك

قال فما كان يقول إذا استحسن شيئا أو بشر بشيء فقد نسيناه قال يحيى كان يقول إذا ذكر آلاء الله وكثرتها وتعداد نعمه الحديث بها فرض من الله على أهلها وطاعة لأمره فيها وشكر له عليها فالحمد لله العظيم الآلاء السابغ للنعماء بما هو أهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه البالغة شكره المانعة غيره الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنا ولا يحيط به ذكرنا من ترادف مننه وتتابع فضله ودوام طوله حمد من يعلم أن ذلك منه والشرك له عليه فقال المتوكل صدقت هو الكلام بعينه

وقدم في هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر من مكة في صفر فشكا ما ناله من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة وأمر أن يقاد على المشعر الحرام وسائر المشاعر الشمع مكان الزيت والنفط وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع الآخر وصلى عليها المنتصر ودفنت عند المسجد الجامع وكان موتها قبل المتوكل بستة أشهر

ذكر بيعة المنتصر ص 140

قد ذكرنا قتل المتوكل ومن بايع المنتصر أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل تلك الليلة فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد والكتاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله به فبايع الناس وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع وانصرف

قيل وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل كنا في الدار مع المنتصر فكان كلما خرج الفتح خرج معه وإذا رجع قام لقيامه وإذا ركب أخذ بركابه وسوى عليه ثيابه في سرجه وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوما في طريق المنتصر ليغتالوه عند انصرافه وكان المتوكل قد أسمعه وأحفظه ووثب عليه فانصرف غضبان وانصرفنا معه إلى داره وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل من النبيذ قال فلم ألبث أن جاءني رسوله أن أحضر فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير ليركب قال فوقع في نفسي ما كنا معنا من اغتيال المنتصر فركبت في سلاح وعدة وجئت باب المنتصر فإذا هم يموجون وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل فركب فلحقته في بعض الطريق وأنا مرعوب فرأى ما بي فقال ليس عليك بأس أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه فمات رحمه الله تعالى فشق علي ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر ووكل بالأبواب فقلت له يا أمير المؤمنين لا ينبغي أن يفارقك مواليك في هذا الوقت قال أجل وكن أنت خلف ظهري فأحطنا به وبايعه من حضر وكل من جاء يوقف حتى جاء سعيد الكبير فأرسله خلف المؤيد وقال امض أنت إلى المعتز حتى يحضر

فأرسلني فمضيت وأنا آيس من نفسي ومعي غلامان لي فلما صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحدا من الحرس والبوابين فصرت إلى الباب الكبير فدققته دقا عنيفا فأجبت بعد مرة من أنت فقلت رسول أمير المؤمنين المنتصر فمضى الرسول وأبطأ وخفت وضاقت علي الأرض ثم فتح الباب وخرج بيدون الخادم وأغلق الباب ثم سألني عن الخبر فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس كان يشربه فمات من ساعته وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع فدخل ثم خرج فأدخلني على المعتز فقال لي ويلك ما الخبر فأخبرته وعزيته وقلت تحضر وتكون في أول من يبايع وتأخذ بقلب أخيك فقال حتى نصبح فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب وسرنا وأنا أحدثه فسألني عن عبيد الله بن يحيى فقلت هو يأخذ البيعة على الناس والفتح قد بايع فآيس وأتينا باب الخير ففتح لنا وصرنا إلى المنتصر فلما رآه قربه وعانقه وعزاه وأخذ البيعة عليه

ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد ففعل به مثل ذلك فأصبح الناس وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح

ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخورة وهي المدينة التي بناها المتوكل وفي أهل سامرا بقتل المتوكل فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية وغيرهم من الغوغاء والعامة وكثر الناس وتسامعوا وركب بعضهم بعضا وتكلموا في أمر البيعة فخرج إليهم عتاب بن عتاب وقيل زرافة فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر فأسمعوه فدخل عليه فأعلمه فخرج المنتصر وبين يديه جماعة من المغاربة فصاح بهم وقال خذوهم فدفعوهم إلى الأبواب فازدحم الناس وركب بعضهم بعضا فتفرقوا وقد مات منهم ستة أنفس

ذكر ولاية خفاجة بن سفيان صقلية وابنه محمد وغزواتهما ص 142

قد ذكرنا سنة ست وثلاثين ومائتين أن أمير صقلية العباس توفي سنة سبع وأربعين فلما توفي ولى الناس عليهم ابنه عبد الله بن العباس وكتبوا إلى الأمير بإفريقية بذلك وأخرج عبد الله السرايا ففتح قلاعا متعددة منها جبل أبي مالك وقلعة الأرمنين وقلعة المشارعة فبقي كذلك خمسة أشهر ووصل من افريقية خفاجة بن سفيان أميرا على صقلية فوصل في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومائتين فأول سرية أخرجها سرية فيها ولده محمود فقصد سرقوسة فغنم وخرب وأحرق وخرجوا إليه فقاتلهم فظفر وعاد فاستأمن إليه أهل رغوس

وقد جاء سنة اثنتين وخمسين أن أهل رغوس استأمنوا فيها على ما نذكره ولا نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين أم هما غزاتان ويكون أهلها قد غدروا بعد هذه الدفعة والله أعلم

وفي سنة خمسين ومائتين فتحت مدينة نوطس وسبب ذلك أن بعض أهلها أخبر المسلمين بموضع دخلوا منه إلى البلد في المحرم فغنموا منها أموالا جليلة ثم فتحوا شكلة بعد حصار

وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار خفاجة إلى سرقوسة ثم إلى جبل النار فأتها رسل أهل طبرمين يطلبون الأمان فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك فتم الأمر ثم غدروا فأرسل خفاجة محمدا في جيش إليها ففتحها وسبى أهلها وفيها أيضا سار خفاجة إلى رغوس فطلب أهلها الأمان ليطلق رجل من أهلها بأموالهم ودوابهم ويغنم الباقي ففعل وأخذ جميع ما في الحصن من مال ورقيق ودواب وغير ذلك وهادنه أهل الغيران وغيرهم وافتتح حصونا كثيرة ثم مرض فعاد إلى بلرم

وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى مدينة سرقوسة وقطانية وخرب بلادها وأهلك زروعها وعاد وسارت سراياه إلى أرض صقلية فغنموا غنائم كثيرة

وفي سنة أربع وخمسين ومائتين سار خفاجة في العشرين من ربيع الأول وسير ابنه محمدا على الحراقات وسير سرية إلى سرقوسة فغنموا وأتاهم الخبر أن بطريقا قد سار من القسطنطينية في جمع كثير فوصل إلى صقلية فلقيه جمع من المسلمين فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الروم وقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة ورحل خفاجة إلى سرقوسة فأفسد زرعها وغنم منها وعاد إلى بلرم وسير ابنه محمدا في البحر مستهل رجب إلى مدينة غيطة فحصرها وبث العساكر في نواحيها وشحن مراكبه بالغنائم وانصرف إلى بلرم في شوال

وفي سنة خمس وخمسين ومائتين سير خفاجة ابنه محمدا إلى مدينة طبرمين وهي من أحسن مدن صقلية فسار في صفر إليهما وكان قد أتاهم من وعدهم أن يدخلهم إليها من طريق يعرفه فسيره مع ولده فلما قربوا منها تأخر محمد وتقدم بعض عسكره رجالة مع الدليل فأدخلهم المدينة وملكوا بابها وسورها وشرعوا في السبي والغنائم وتأخر محمد بن خفاجة فيمن معه من العسكر عن الوقت الذي وعدهم أنه يأتيهم فيه فلما تأخر عنهم ظنوا أن العدو قد أوقع بهم فمنعهم من السبي فخرجوا عنها منهزمين ووصل محمد إلى باب المدينة ومن معه من العسكر فرأى المسلمين قد خرجوا منها فعاد راجعا وفيها في ربيع الأول خرج خفاجة وسار إلى مرسة وسير ابنه في جماعة كثيرة إلى سرقوسة فلقيه العدو في جمع كثير فاقتتلوا فوهن المسلمون وقتل منهم ورجعوا إلى خفاجة فسار إلى سرقوسة فحصرها وأقام عليها وضيق على أهلها وأفسد بلادها وأهلك زرعهم وعاد عنها يريد بلرم فنزل بوادي الطين وسار منه ليلا فاغتاله رجل من عسكره فطعنه طعنة فقتله وذلك مستهل رجب وهرب الذي قتله إلى سرقوسة وحمل خفاجة إلى بلرم فدفن بها

وولى الناس عليهم بعده ابنه محمدا وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد أمير إفريقية فأقره على الولاية وسير له العهد والخلع

ذكر ولاية ابنه محمد ص 144

لما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمدا وأقره محمد بن الأغلب أحمد بن الأغلب صاحب القيروان على ولايته فسير جيشا في سنة ست وخمسين ومائتين إلى مالطة وكان الروم يحاصرونها فلما سمع الروم بمسيرهم رحلوا عنها وفي سنة سبع وخمسين ومائتين في رجب قتل الأمير محمد قتله خدمه الخصيان وهربوا فطلبهم الناس فأدركوهم فقتلوهم

ذكر عدة حوادث ص 144

وفي ولى المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم بعد البيعة له بيوم المظالم فقال الشاعر

( يا ضيعة الإسلام لما ولي % مظالم الناس أبو عمره )

( صير مأمونا على أمة % وليس مأمونا على بعره )

وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري وفيها سار جيش للمسلمين بالأندلس إلى مدينة برشلونة وهي للفرنج فأوقعوا بأهلها فراسل صاحبها ملك الفرنج يستمده فأرسل إليه جيشا كثيفا وأرسل المسلمون يستمدون فأتاهم المدد فنازلوا برشلونة وقاتلوا قتالا شديدا فملكوا أرباضها وبرجين من أبراج المدينة فقتل من المشركين خلق كثير وسلم المسلمون وعادوا وقد غنموا وفيها توفي أبو عثمان بكر بن محمد المازني النحوي الإمام في العربية

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.