ذكر قتل إيتاخ
ص 102
قد ذكرنا ما كان منه مع المتوكل وسبب حجه فلما عاد من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه وأنفذ المتوكل كسوة وهدايا إلى طريق إيتاخ فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرا فكتب إليه إسحاق أن أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم وتأمر لهم بالجوائز فجاء إلى بغداد فلقيه إسحاق بن إبراهيم فلما رآه إسحاق أراد النزول له فحلف عليه إيتاخ أن لا يفعل وكان في ثلاثمائة من غلمانه وأصحابه فلما صار بباب دار خزيمة وقف إسحاق وقال له أصلح الله الأمير يدخل فدخل إيتاخ ووقف إسحاق على الباب فمنع أصحابه من الدخول عليه ووكل بالأبواب وأقام عليها الحرس فحين رأى إيتاخ ذلك قال قد فعلوها ولو لم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه وأخذوا معه ولديه المنصور ومظفرا وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد فحبسوا ببغداد أيضا وأرسل إيتاخ إلى إسحاق قد علمت ما أمرني به المعتصم والواثق في أمرك وكنت أدافع عنك فلينفعني ذلك عندك في ولدي فأما أنا فقد مر بي شدة ورخاء فما أبالي ما أكلت وما شربت وأما هذان الغلامان فلم يعرفا البؤس واجعل لهما طعاما يصلحهما ففعل إسحاق ذلك وقد إيتاخ وجعل في عنقه ثمانون رطلا فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا أثر
وقيل كان سبب موته أنهم أطعموه ومنعوه الماء حتى مات عطشا وأما ولداه فإنهما بقيا محبوسين حياة المتوكل فلما ولي المنتصر أخرجهما فأمر مظفر فبقي بعد أخرج من السجن ثلاثة أشهر ومات وأما منصور فعاش بعده
ذكر أسر ابن البعيث وموته
ص 103
في هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال وبخليفته أبي الأغر وبأخويه صقر وخالد وكاتبه العلاء وجماعة من أصحابه فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال ليراهم الناس فلما أحضر ابن البعيث بيد يدي المتوكل أمر بضرب عنقه فجاء السياف وسبه المتوكل وقال ما دعاك إلى ما صنعت قال الشقوة وأنت الحبل المدود بين الله وبين خلقه وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك وهو العفو ثم قال بلا فصل
( أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي % إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل )
( وهل أنا إلى جبلة من خطيئة % وعفوك من نور النبوة مجمل )
( فإنك خير السابقين إلى العلا % ولا شك أن خير الفاعلين تفعل )
فقال المتوكل لبعض أصحابه إن عنده لأدبا بل يتفضل أمير المؤمنين ويمن عليه فأمر برده فحبس مقيدا وقيل إن المعتز شفع فيه إلى أبيه فأطلقه وكان ابن البعيث قد قال حين هرب
( كم قضيت أمورا كان أهملها % غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم )
( لا تعذليني فمالي ليس ينفعني % إليك عني جرى المقدار بالقلم )
( سأتلف المال في عسر وفي يسر % إن الجواد الذي يعطي على العدم )
ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر قيل كان قد جعل في عنقه مائة رطل فلم يزل على وجهه حتى مات وجعل بنوه جليس وصقر والبعيث في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان
ذكر البيعة لأولاد المتوكل بولاية العهد
ص 104
في هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم محمد ولقبه المنتصر بالله وأبو عبد الله محمد وقيل طلحة وقيل الزبير ولقبه المعتز بالله وإبراهيم ولقبه المؤيد بالله وعقد لكل واحد منهم لواءين أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل فأعطى كل واحد منهم ما نذكره
فأما المنتصر فأقطعه افريقية والمغرب كله والعواصم وقنسرين والثغور جميعها الشامية والجزرية وديار مضر وديار ربيعة والموصل وهيت وعانة والأنبار والخابور وكورباجرمى وكور دجلة وطساسيج السواد جميعها والحرمين واليمن وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصرة وماه سبذان ومهرجانقذق وشهر زور والصامغان وأصبهان وقم وقاشان والجبل جميعه وصدقات العرب بالبصرة
وأما المعتز فأقطعه خراسان وما يضاف إليها وطبرستان والري وأرمينية وأذربيجان وكور فارس ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفاق ودور الضرب وأمر أن يضرب اسمه على الدراهم وأما المؤيد فأقطعه جند حمص وجند دمشق وجند فلسطين
ذكر ظهور رجل ادعى النبوة
ص 104
وفيها ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري فزعم أنه نبي وأنه ذو القرنين وتبعه سبعة وعشرون رجلا وخرج من أصحابه ببغداد رجلان بباب العامة وآخران بالجانب الغربي فأتي به وبأصحابه المتوكل فأمر به فضرب ضربا شديدا وحمل إلى باب العامة فأكذب نفسه وأمر أصحابه أن يضربه كل رجل منهم عشر صفعات ففعلوا وأخذوا له مصحفا فيه كلام قد جمعه وذكر أنه القرآن وأن جبريل نزل به ثم مات من الضرب في ذي الحجة وحبس أصحابه وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي وأن الوحي يأتيه
ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث
ص 105
وفي هذه السنة خرج عباس بن وليد المعروف بالطبلي بنواحي تدمير لمحاربة جمع اجتمعوا وقدموا على أنفسهم رجلا اسمه محمد بن عيسى بن سابق فوطئ عباس بلدهم وأوقع بهم وأصلحهم وعاد
وفيها ثار أهل تاكرنا ومن يليهم من البربر فسار ليهم جيش عبد الرحمن صاحب الأندلس فقاتلهم وأوقع بهم وأعظم النكاية فيهم
وفيها سير عبد الرحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزو الروم فبلغوا ألية
وفيها كان سيل عظيم في رجب في بلاد الأندلس فخرب جسر أستجة وخرب الأرحاء وغرق نهر أشبيلية ست عشرة قرية وخرب نهار باجة ثمان عشرة قرية وصار عرضه ثلاثين ميلا وكان هذا حدثا عظيما وقع في جميع البلاد في شهر واحد وفيها هلك ردمير بن اذفوس في رجب وكانت ولايته ثمانية أعوام وفيها هلك أبو السول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسرقسطة
ذكر عدة حوادث
ص 105
وفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب وعمل كرتين في مؤخر السروج وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب كل واحد منهما قدر أربع أصابع ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى ومن خرج من نسائهم تلبس إزارا عسليا ومنعهم من لباس المناطق وأمر بهدم بيعهم المحدثة وبأخذ العشر من منازلهم وأن يجعل على أبواب دروهم صور شياطين من خشب
ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان ولا يعلمهم مسلم وأن يظهروا في شعانينهم صليبا وأن يستعملوا في الطريق وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض وكتب في ذلك إلى الآفاق
وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي وهو ابن أخي طاهر بن الحسين وكان صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من القواد يعودونه وجزع المتوكل لموته
وفيها مات الحسن بن سهل كان شرب دواء فأفرط عليه فحبس الطبع فمات وكان موته وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في يوم واحد وقيل مات الحسن في سنة ست وثلاثين وفيها في ذي الحجة تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام ففزع الناس ثم صار في لون ماء المدود وفيها أتي المتوكل بيحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وكان قد جمع جمعا ببعض النواحي فأخذ وحبس وضرب وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي صاحب الألحان والغناء وكان فيه علم وأدب وله شعر جيد وعبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي الحجة وإسماعيل بن علية ومنصور بن أبي مزاحم وسريج بن يونس أبو الحرث ( سريج ) بالسين المهملة والجيم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.