ذكر الحرب مع بني نمير
ص 89
وفي هذه السنة سار بغا الكبير إلى بني نمير فأوقع بهم وكان سبب ذلك عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفي امتدح الواثق بقصيدة فدخل عليه وأنشده فأمر له بثلاثين ألف درهم فأخبر الواثق بإفساد بني نمير في الأرض وإغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها وكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم وهو بالمدينة فسار نحو اليمامة فلقي من بني نمير جماعة بالريف فحاربهم فقتل منهم نيفا وخمسين رجلا وأسر أربعين رجلا ثم سار نزل مرأة وأرسل إليهم يدعوهم إلى السمع والطاعة فامتنعوا وسار بعضهم إلى نحو جبال السود وهي خلف اليمامة وبث بغا سراياه فيهم فأصابت منهم ثم سار بجماعة من معه وهم نحو من ألف رجل سوى من تخلف في العسكر من الضعفاء والأتباع فلقيهم وقد جمعوا لهم وهم نحو ثلاثة آلاف بموضع يقال له روضة الأبان على مرحلة من أضاخ فهزموا مقدمته وكشفوا مسيرته وقتلوا من أصحابه نحوا من مائة رجل وعشرين رجلا وعقروا من إبل عسكره نحو سبعمائة بعير ومائة دابة وانتهبوا الأثقال وبعض الأموال ثم أدركهم الليل وجعل بغا يدعوهم إلى الطاعة فلما طلع الصبح ورأوا قلة من مع بغا عبوا وجعلوا رجالتهم أمامهم ونعمهم ومواشيهم وراءهم وحملوا على بغا فهزموه حتى بلغ معسكره وأيقن من معه بالهلكة وكان بغا قد أرسل من أصحابه مائتي فارس إلى طائفة منهم فبينا هو قد أشرف على العطب إذ وصل أصحابه إليه منصرفين من وجوههم فلما نظر بنو نمير ورأوهم قد أقبلوا من خلفهم ولوا هاربين وأسلموا رجالتهم وأموالهم فلم يفلت من الرجالة إلا اليسير وأما الفرسان فنجوا على خيلهم
وقيل إن الهزيمة كانت على بغا مذ غدوة إلى انتصاف النهار ثم تشاغلوا بالنهب فرجع إلى بغا من كان انهزم من أصحابه فرجع بهم فهزم بني نمير وقتل فيهم من زوال الشمس إلى آخر وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة راجل وأقام بموضع الوقعة فأرسل أمراء العرب يطلبون الأمان فأمنهم فأتوه فقيدهم وأخذهم معه إلى البصرة وكانت الوقعة في جمادى الآخرة ثم قدم واجن الأشروسني على بغا في سبعمائة مقاتل مددا له فسيره بغا في آثارهم حتى بلغ تبالة من أعمال اليمن ورجع وكان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ليوافيه ببغداد بمن عنده من فزارة ومرة وثعلبة وكلاب ففعل فلقيه ببغداد فسارا جميعا وقدم بغا سامرا بمن بقي معه منهم سوى من هرب ومات وقتل في الحروب فكانوا يزيدون على ألفي رجل ومائتي رجل من نمير وكلاب ومرة وفزارة وثعلبة وطيئ
ذكر موت أبي جعفر الواثق
ص 90
في هذه السنة توفي الواثق بالله أبو جعفر هارون بن محمد المعتصم في ذي الحجة لست بقين منه وكانت علته الاستسقاء وعولج بالإقعاد في تنور مسخن فوجد لذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة في اسخانه ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من اليوم الأول فحمي عليه فأخرج منه في محفة وحضر عنده أحمد بن أبي دؤاد ومحمد بن عبد الملك الزيات وعمر بن فرج فمات فيها فلم يشعروا بموته حتى ضرب بوجهه المحفة فعلموا
وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد حضره عند موته وغمضه وقيل إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هاتين البيتين
( الموت فيه جميع الناس مشترك % لا سوقة منهم تبقى ولا ملك )
( ما ضر أهل قليل في تفرقهم % وليس يغني عن الملاك ما ملكوا )
وأمر بالبسط فطويت وألصق خده بالأرض وجعل يقول يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه
وقال أحمد بن محمد الواثقي كنت فيمن يمرض الواثق فلحقه غشية وأنا وجماعة من أصحابه قيام فقلنا لو عرفنا خبره فتقدمت إليه فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت من خوفه فرجعت إلى الخلف وتعلقت قعنبة سيفي في عتبة المجلس فاندقت وسلمت من جراحه ووقفت في موقفي ثم إن الواثق مات وسجيناه وجاء الفراشون وأخذوا ما تحته في المجلس ورفعوه لأنه مكتوب عليهم واشتغوا بأخذ البيعة وجلست على باب المجلس لحفظ الميت ورددت الباب فسمعت حسا ففتحت الباب وإذا جرذ قد دخل من بستان هناك فأكل إحدى عيني الواثق فقلت لا إله إلا الله هذه العين التي فتحها من ساعة فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة وجاؤوا فغسلوه فسألني أحمد بن أبي دؤاد عن عينه فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب منها
ولما مات صلى عليه أحمد وأنزله في قبره وقيل صلى عليه أخوه المتوكل ودفن بالهروني بطريق مكة وكان مولده بطريق مكة وأمه أم ولد اسمها قراطيس ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام ومات وكان أبيض مشربا بحمرة جميلا ربعة حسن الجسم قائم العين اليسرى فيها نكتة بياض وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وقيل ستا وثلاثين سنة
ذكر بعض سيرة الواثق بالله
ص 91
لما توفي المعتصم وجلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس واشتمل على العلويين وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم والتعهد لهم بالأموال وفرق في أهل الحرمين أموالا لا تحصى حتى أنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل ولما توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه ويندبنه ففعلوا ذلك بينهم مناوبة حزنا عليه لما كان يكثر من الإحسان إليهم وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر وكان مالا عظيما
قال الحسين بن الضحاك شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام أول مجلس جلسه فغنته جارية إبراهيم بن المهدي
( ما درى الحاملون يوم استقلوا % نعشه للثواء أم للبقاء )
( فليقل فيك باكياتك ما شئ % ن صباحا وعند كل مساء )
فبكى وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه قال ثم تغنى بعضهم فقال
( ودع هريرة إن الركب مرتحل % وهل تطيق وداعا أيها الرجل )
فازداد الواثق بكاء قال ما سمعت كاليوم تعزية بأب وتغني نفس ثم تفرق أهل المجلس قال وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق
( أبت دار الأحبة أن تبينا % أجدك ما رأيت بها معينا )
( تقطع حسرة من حب ليلى % نفوس ما أثبن ولا جزينا )
فصنعت فيه صوتا علم جارية صالح بن عبد الوهاب فغناه زرزر الكبير للواثق فسأله لمن هذا فقال لعلم فأحضر صالحا وطالب منه شراءها فأهداها له فعوضه خمسة آلاف دينار فمطله بها ابن الزيات فأعادت الصوت فقال الواثق بارك الله عليك وعلى من رباك فقالت وما ينفع من رباني أمرت له بشيء فلم يصل إليه فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه وأضعفه له فدفع إليه عشرة آلاف دينار وترك صالح عمل السلطان واتجر في المال
وقال أبو عثمان النحوي المازني استحضرني الواثق من البصرة فلما حضرت عنده قال من خلفت بالبصرة قلت أختا لي صغيرة قال فما قالت المسكينة قلت ما قالت ابنة الأعشى
( تقول ابنتي حين جد الرحي % ل أراني سواء ومن قد يتم )
( أبانا فلا رمت من عندنا % فأنا بخير إذا لم ترم )
( ترانا إذا أضمرتك البلاد % ونجفى وتقطع منا الرحم )
قال فما رددت عليها قلت ما قال جرير لابنته
( ثقي بالله ليس له شريك % ومن عند الخليفة بالنجاح )
فضحك وأمر له بجائزة سنية
ذكر خلافة المتوكل
ص 93
وفي هذه السنة بويع المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بعد موت الواثق وسبب خلافته أنه لما مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق وهو غلام أمرد قصير فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير فقال وصيف أما تتقون الله تولون هذا الخلافة فتناظروا فيمن تولونه فذكروا عدة ثم أحضر المتوكل فلما حضر ألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة وعممه وقبل بين عينيه وقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثم غسل الواثق وصلي عليه ودفن وكان عمر المتوكل يوم بويع ستا وعشرين سنة ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر وأراد ابن الزيات أن يلقيه المنتصر فقال أحمد بن أبي دؤاد قد رأيت لقبا أرجو أن يكون موافقا وهو المتوكل على أمر الله فأمر بامضائه فكتب به إلى الآفاق
وقيل بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكرا ينزل عليه من السماء مكتوب عليه المتوكل على الله فقصها على أصحابه فقالوا هي والله الخلافة فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيق عليه وحج بالناس محمد بن داود
ذكر عدة أحداث
ص 93
في هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش عظيم فبلغت الشربة عدة دنانير ومات منهم خلق كثير وفيها غدر موسى بالأندلس وخالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس بعد أن كان قد وافقه وأطاعه وسير إليه عبد الرحمن جيشا مع ابنه محمد
وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة وقحط عظيم وكان ابتداؤه سنة اثنتين وثلاثين فهلك فيه خلق كثير من الآدميين والدواب ويبست الأشجار ولم يزرع الناس شيئا فخرج الناس هذه السنة يستسقون فسقوا وزرعوا وزال عن الناس القحط وفيها ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس
وفيها غرق كثير من الموصل وهلك فيه خلق قيل كانوا نحو مائة ألف إنسان وكان سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيما لم يسمع بمثله بحيث أن بعض أهلها جعل سطلا عمقه ذراع في سعة ذراع فامتلأ ثلاث دفعات في نحو ساعة وزادت دجلة زيادة عظيمة فركب الماء الربض الأسفل وشاطئ نهر سوق الأربعاء فدخل كثير من الأسواق
فقيل إن أمير الموصل وهو غانم بن حميد الطوسي كفن ثلاثين ألفا وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء
وفيها أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر وفيها توفي الحكم بن موسى ومحمد بن عامر القرشي مصنف الصوائف وغيرها ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي وقيل سنة ثلاث وثلاثين وقيل غير ذلك وأبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي أخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي وفيها توفي عمرو الناقد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.