ذكر ما فعله بغا بالأعراب
ص 84
في هذه السنة قتل أهل المدينة من كان في حبس بغا من بني سليم وبين هلال
وكان سبب ذلك أن بغا لم حبس من أخذه من بني سليم وبني هلال بالمدينة وهم ألف وثلاثمائة وكان سار عن المدين إلى بني مرة فنقبت الأسرى الحبس ليخرجوا فرأت امرأة النقب فصرخت بأهل المدينة فجاؤوا فوجدوهم قد قتلوا المتوكلين وأخذوا سلاحهم فاجتمع عليهم أهل المدينة ومنعوهم الخروج وباتوا حول الدار فقاتلوهم فلما كان الغد قتلهم أهل المدينة وقتل سودان المدينة كل من لقوه بها من الأعراب ممن يريد الميرة فلما قدم بغا وعلم بقتلهم شق ذلك عليه
وقيل إن السجان كان قد ارتشى منهم ليفتح لهم الباب فعجلوا قبل ميعاده وكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون
( الموت خير للفتى من العار % قد أخذ البواب ألف دينار )
وكان سبب غيبة بغا عنهم أن فزارة ومرة تغلبوا على فدك فلما قاربهم أرسل إليهم رجلا من قواده من بني فزارة يعرض عليهم الأمان ويأتيه بأخبارهم فلما أتاهم الفزاري حذرهم سطوته وزين لهم الهرب فهربوا وخلوا فدك وقصدوا الشام وأقام بغا بحيفا وهي قرية من حد عمل الشام مما يلي الحجاز نحوا من أربعين ليلة ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر به من بني مرة وفزارة
وفيها سار إلى بغا من بطون غطفان وفزارة وأشجع وثعلبة جماعة وكان أرسل إليهم فلما أتوه استحلفهم الأيمان المؤكدة أن يتخلفوا عنه متى دعاهم فحلفوا ثم سار إلى ضربة لطلب بني كلاب فأتاه منهم نحو ثلاثة آلاف رجل فحبس من أهل الفساد نحوا من ألف رجل وخلى سائرهم ثم قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين فحبسهم ثم سار إلى مكة فحج ثم رجع إلى المدينة
ذكر أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي
ص 85
وفي هذه السنة تحرك ببغداد قوم مع أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وجده مالك أحد نقباء بني العباس وقد تقدم ذكره
وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين وابن الدورقي وأبي زهير وكان يخالف من يقول القرآن مخلوق ويطلق لسانه فيه مع غلظة بالواثق وكان يقول إذا ذكر الواثق فعل هذا الخنزير وقال هذا الكافر وفشا ذلك فكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون الشداخ وآخر يقال له طالب وغيرهما ودعوا الناس إليه فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفرق أبو هارون وطالب في الناس مالا فأعطيا كل رجل دينار واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلت من شعبان ليضربوا بالطبل فيها ويثوروا على السلطان وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر في الجانب الغربي فاتفق أن ممن بايعهم رجلين من بين الأشرس شربا نبيذا ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد وكان إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة غائبا عن بغداد وخليفته أخوه محمد بن إبراهيم فأرسل إليهم محمد يسألهم عن قصتهم فلم يظهر أحد فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين يعرف بعيسى الأعور فأحضره وقرره فأقر على بني الأشرس وعلى أحمد بن نصر وغيرهما فأخذ بعض من سمى وفيهم طالب وأبو هارون ورأى في منزل بين الأشرس علمين أخضرين ثم أخذ خادما لأحمد بن نصر فقرره فأقر بمثل ما قال عيسى فأرسل إلى أحمد بن نصر فأخذه وهو في الحمام وحمل إليه وفتش بيته فلم يوجد فيه سلاح ولا شيء من الآلات فسيرهم محمد بن إبراهيم إلى الواثق مقيدين على أكف بغال ليس تحتهم وطاء إلى سامرا
فلما علم الواثق بوصولهم جلس لهم مجلسا عاما فيه أحمد بن أبي داود وكان كارها لقتل أحمد بن نصر فلما حضر أحمد عند الواثق لم يذكر له شيئا من فعله والخروج عليه ولكنه قال له ما تقول في القرآن قال كلام الله وكان أحمد قد استقتل فتطيب وتنور قال الواثق أمخلوق هو قال كلام الله قال فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة قال يا أمير المؤمنين قد جاءت الأخبار عن رسول الله أنه قال ( ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته ) فنحن على الخبر وحدثني سفيان بحديث رفعه ( ان قلب ابن آدم المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه وكان النبي يدعو ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك )
قال إسحاق بن إبراهيم انظر ما يقول قال أنت أمرتني بذلك فخاف إسحاق وقال أنا أمرتك قال نعم أمرتني أن أنصح له ونصيحتي له أن لا يخالف حديث رسول الله فقال الواثق لمن حوله ما تقولون فيه فقال عبد الرحمن بن إسحاق وكان قاضيا على الجانب الغربي وعزك يا أمير المؤمنين هو حلال الدم وقال بعض أصحاب ابن أبي داود اسقني دمه وقال ابن أبي داود هو كافر يستتاب لعل به عاهة ونقص عقل كأنه كره أن يقتل بسبب فقال الواثق إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إليه ودعا بالصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومشى إليه وهو في وسط الدار على نطع فضربه على حبل عاتقه ثم ضربه أخرى على رأسه ثم ضرب سيما الدمشقي رقبته وحز رأسه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه وحمل حتى صلب عند بابك وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بها وأقيم عليه الحرس وكتب في آذنه رقعة هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر وتتبع أصحابه فجعلوا في الحبوس
ذكر عدة حوادث
ص 86
في هذه السنة أراد الواثق الحج فوجه عمر بن فرج لإصلاح الطريق فرجع وأخبره بقلة الماء فبدا له وفيها ولي جعفر بن دينار اليمن فسار في شعبان وحج في طريقه وكان معه أربعة آلاف فارس وألفا راجل وفيها نقب اللصوص بيت المال الذي في دار العامة وأخذوا اثنين وأربعين ألف درهم وشيئا يسيرا من الدنانير ثم تتبعوا وأخذوا بعد ذلك وفيها خرج محمد بن عبد الله الخارجي التغلبي في ثلاث عشر رجلا في ديار ربيعة فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن أحمد الطوسي وكان على حرب الموصل في مثل عدته فقتل من الخوارج أربعة وأخذ محمد بن عبد الله أسيرا فبعث به إلى سامرا فحبس
وفيها قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان والجبال وفارس وكان قد سار في طلب الأكراد لأنهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي وقد معه بنحو من خمسمائة نفس فيهم غلمان صغار فحبسوا وأجيز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار وقلد سيفا وكسي وفيها سار جيش للمسلمين إلى بلاد المشركين فقصدوا جليقية وقتلوا وأسروا وسبوا وغنموا ووصلوا إلى مدينة ليون فحصروها ورموها بالمجانيق فخاف أهلها فتركوها بما فيها وخرجوا هاربين فغنم المسلمون منهم ما أرادوا وأخربوا الباقي ولم يقدروا على هدم سورها فتركوه ومضوا لأن عرضه سبع عشرة ذراعا وقد ثلموا فيه ثما كثيرة وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم واجتمع المسلمون فيها على نهر اللامس على مسرة يوم من طرسوس واشترى الواثق من بغداد وغيرها من الروم وعقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم وأمره بحضور الفداء هو وخانقان الخادم وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين فمن قال القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي دينارا ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم
فما كان في عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على النهر وأتت الروم ومن معهم من الأسرى وكان النهر بين الطائفتين فكان المسلمون يطلقون الأسير فيطلق الروم الأسير من المسلمين فيلتقيان في وسط النهر ويأتي كل أصحابه فإذا وصل الأسير إلى المسلمين كبروا وإذا وصل الأسير إلى الروم صاحوا حتى فرغوا وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسا والنساء والصبيان ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة نفس وكان النهر مخاضة تعبره الأسرى وقيل بل كان عليه جسر ولما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي شاتيا فأصاب الناس ثلج ومطر فمات منهم مائتا نفس وأسر نحوهم وغرق بالبدندون خلق كثير فوجد الواثق على أحمد وكان قد جاء إلى أحمد بطريق من الروم ينذره فقال وجوه الناس لأحمد إن عسكرا فيه سبعة آلاف لا تتخوف عليه فإن كنت كذلك فواجه القوم واطرق بلادهم ففعل وغنم نحوا من ألف بقرة وعشرة آلاف شاة وخرج فعزله الواثق واستعمل مكانه نصر بن حمزة الخزاعي في جمادى الأولى وفيها مات الحسن بن الحسين بطبرستان
وفيها كان بإفريقية حرب بين أحمد بن الأغلب وأخيه محمد بن الأغلب وكان مع أحمد جماعة فهجموا على محمد في قصره وأغلق أصحاب محمد بن الأغلب الباب واقتتلوا ثم كفوا عن القتال واصطلحوا وعظم أمر أحمد ونقل الدواوين إليه ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا اسمها ومعناها لأحمد أخيه فبقي كذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين فاتفق مع محمد من بين عمه ومواليه جماعة وقاتل أخاه أحمد فظفر به ونفاه إلى الشرق واستقام أمر محمد بأفريقية ومات أخوه أحمد بالعراق
وفيها مات أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الراوية في شعبان وهو ابن ثمانين سنة وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى بن جعفر أخت علي الرضا رضي الله عنه وفيها مات مخارق المغني وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي وعمرو بن أبي عمرو الشيباني ومحمد بن سعدان النحوي الضرير توفي في ذي الحجة وفيها توفي إبراهيم بن غرغرة وعاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي ومحمد بن سلام بن عبد الله الجمحي البصري وكان عالما بالأخبار وأيام الناس ( سلام بالتشديد ) وعاصم بن عمرو بن علي بن مقدم أبو بشر المقدمي وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي وكان قد حبس في محنة الناس بخلق القرآن فلم يجب وكان من الصالحين وهارون بن معروف البغدادي وكان حافظا للحديث
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.