الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
12

ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين

الجزء السادس 5 عنصر صفحة 80
ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة ص 80

وفي هذه السنة وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي المدينة

وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشر ويأخذون مهما أرادوا من الأسواق بالحجاز بأي سعر أرادوا وزاد الأمر بهم إلى أن وقعوا بناس من بني كنانة وباهلة فأصابوا وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ثلاثين ومائتين فوجه محمد بن صالح عامل المدينة إليهم حماد بن جرير الطبري وكان مسلحة لأهل المدينة في مائتي فارس وأضاف إليهم جندا غيرهم وتبعهم متطوعة فسار إليهم حماد فلقيهم بالرويثة فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت سودان المدينة بالناس وثبت حماد وأصحابه وقريش والأنصار وقاتلوا قتالا عظيما فقتل حماد وعامة أصحابه وعدد صالح من قريش والأنصار وأخذ بنو سليم الكراع والسلاح والثياب فطمعوا ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة وانقطع الطريق فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في جمع من الجند فقدم المدينة في شعبان فلقيهم ببعض مياه الحرة من وراء السوارقية قريتهم التي يأوون إليها وبها حصون فقتل بغا منهم نحوا من خمسين رجلا وأسر مثلهم وانهزم الباقون وأقام بغا بالسوارقية ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق فأتوه متفرقين فجمعهم وترك من يعرف بالفساد وهم زهاء ألف رجل وخلى سبيل الباقين وعاد بالأسرى إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين فحبسهم ثم سار إلى مكة فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق بعد انقضاء الموسم وعرض على بين هلال مثل الذي عرض على بني سليم فأقبلوا وأخذ من المفسدين نحوا من ثلاثمائة رجل وأطلق الباقين ورجع إلى المدينة فحبسهم

ذكر وفاة عبد الله بن طاهر ص 81

وفيها مات عبد الله بن طاهر بنيسابور في ربيع الأول وهو أمير خراسان وكان إليه الحرب والشرطة والسواد والري وطبرستان وكرمان وخراسان وما يتصل بها وكان خراج هذه الأعمال يوم مات ثمانية وأربعين ألف ألف درهم وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة وكذلك عمر والده طاهر واستعمل الواثق على أعماله كلها ابنه طاهر بن عبد الله

ذكر شيء من سيرة عبد الله بن طاهر ص 81

لما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري فبنى دارا وخرج بحائطها في الطريق فلما قدمها عبد الله جمع الناس وسألهم عن سرة محمد فسكتوا فقال بعض الحاضرين سكوتهم يدل على سوء سيرته فعزله عنهم وأمره بهدم ما بنى في الطريق وكان يقول ينبغي أن يبذل العلم لأهله وغير أهله فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله وكان يقول سمن الكيس ونبل الذكر لا يجتمعان أبدا وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن منصور فاستحضرهم يوما فحضروا وتأخر الفضل ثم حضر فقال له أبطأت عني فقال كان عندي أصحاب حوائج وأردت دخول الحمام فأمره عبد الله بدخول الحمام وأحضر عبد الله الرقاع التي في حقه فوقع فيها كلها بالإجابة وأعادها ولم يعلم الفضل وخرج من الحمام واشتغلوا يومهم

وبكر أصحاب الرقاع إليه فاعتذر إليهم فقال بعضهم أريد رقعتي فأخرجها ونظر فيها فرأى خط عبد الله فيها فنظر في الجميع فرأى خطه فيها فقال لأصحابه خذوا رقاعكم فقد قضيت حاجاتكم واشكروا الأمير دوني فما كان لي فيها سبب وكان عبد الله أديبا وشاعرا فمن شعره

( اسم من اهواه اسم حسن % فإذا صحفته فهو حسن )

( فإذا أسقطت منه فاءه % كان نعتا لهواه المختزن )

( فإذا أسقطت منه ياءه % صار فيه بعض أسباب الفتن )

( فإذا أسقطت منه راءه % صار شيئا يعترى عند الوسن )

( فإذا أسقطت منه ظاءه % صار منه عيش سكان المدن )

( فسروا هذا فلن يعرفه % غير من يسبح في بحر الفطن )

وهذا الاسم هو اسم ظريف غلامه وكان من أكثر الناس بذلا للمال مع علم ومعرفة وتجربة وأكثر الشعراء في مراثيه فمن أحسن ما قيل فيه وفي ولاية ابنه طاهر قول أبي الغمر الطبري

( فأيامك الأعياد صارت مآتما % وساعاتك الغضبات صارت خواشعا )

( على أننا لم نفتقدك بطاهر % وإن كان خطبا يقلق القلب رائعا )

( وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت % على أثرها بدرا على الناس طالعا )

( وما كنت إلا الطود زال مكانه % وأثبت في مثواه ركنا مدافعا )

( فلولا التقى قلنا تناسختما معا % بديعي معن يفضلان البدائعا )

وهي طويلة

ذكر خروج المشركين إلى بلاد المسلمين بالأندلس ص 82

في هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين عند أشبونة فأقاموا ثلاثة عشر يوما بينهم وبين المسلمين بها وقائع ثم ساروا إلى قادس ثم إلى شدونة فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع ثم ساروا إلى أشبيلية ثامن المحرم فنزلوا على اثني عشر فرسخا منها فخرج إليهم كثير من المسلمين فالتقوا فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم وقتل كثير منهم

ثم نزلوا على ميلين من أشبيلية فخرج أهلها إليهم وقاتلوهم فانهزم المسلمون رابع عشر المحرم وكثر القتل والأسر فيهم ولم ترفع المجوس السيف عن أحد ولا عن دابة دخلوا حاجز اشبيلية وأقاموا به يوما وليلة وعادوا إلى مراكبهم وأقاموا عسكر عبد الرحمن صاحب البلاد مع عدة من القواد فتبادر إليهم المجوس فثبت المسلمون وقاتلوهم فقتل من المشركين سبعون رجلا وانهزموا حتى دخلوا مراكبهم وأحجم المسلمون عنهم فسمع عبد الرحمن فسير جيشا آخر غيرهم فقاتلوا المجوس قتالا شديدا فرجع المجوس عنهم فتبعهم العسكر ثاني ربيع الأول وقاتلوهم وأتاهم المدد من كل ناحية ونهضوا لقتال المجوس من كل جانب فخرج إليهم المجوس وقاتلوهم فكاد المسلمون ينهزمون ثم ثبتوا فترجل كثير منهم فانهزم المجوس وقتل نحو خمسمائة رجل وأخذوا منهم أربعة مراكب فأخذوا ما فيها وأحرقوها وبقوا أياما لا يصلون إلى المجوس لأنهم في مراكبهم

ثم خرج المجوس إلى لبلة فأصابوا سبيا ثم نزل المجوس إلى جزيرة قريب قوريس فنزلوها وقسموا ما كان معهم من الغنيمة فحمى المسلمون ودخلوا إليهم في النهر فقتلوا من المجوس رجلين ثم رحل المجوس فطرقوا شدونة فغنموا طعمة وسبيا وأقاموا يومين ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن صاحب الأندلس إلى أشبيلية فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة فأغاروا وسبوا ثم لحقوا بأكشونية ثم مضوا إلى باجة ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة ثم ساروا فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس

وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست وأربعين خروج المجوس إلى أشبيلية أيضا وهي شبيهة بهذه ثم فلا أعلم أهي هذه وقد اختلفوا في وقتها أم هي غيرها وما أقرب أن تكون هي هي وقد ذكرتها هناك لأن في كل واحدة منهما شيئا ليس في الأخرى

ذكر عدة حوادث ص 83

في هذه السنة مات محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله كاتب الواقدي صاحب الطبقات ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي كاتب المأمون وعلي بن الجعد أبو الحسن الجوهري وكان عمره ستا وتسعين وهو من مشايخ البخاري وكان يتشيع وفيها مات أشناس التركي بعد موت عبد الله بن طاهر بتسعة أيام وحج هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وإليه أحداث الموسم وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.