فيها قتل محمد بن حميد الطوسي قتله بابك الخرمي وسبب ذلك انه لما فرغ من أمر المتغلبين على طريقه إلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر والآلات والميرة فاجتمع معه عالم من المتطوعة من سائر الأمصار فسلك المضائق إلى بابك وكان كلما تجاوز مضيقا أو عقبة ترك عليه من يحفظه من أصحابه إلى أن ينزل بهشتادسر وحفر خندقا وشاور في دخول بلد بابك فأشاروا عليه بدخوله من وجه ذكروه له فقبل رأيهم وعبى أصحابه وجعل على القلب محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الطائي المعروف بابي سعيد وعلى الميمنة السعدي بن اصرم وعلى الميسرة العباس بن عبد الجبار اليقطيني ووقف محمد بن حميد خلفهم في جماعة ينظر إليهم ويأمرهم بسد خلل أن رآه فكان بابك يشرف عليهم من الجبل وقد كمن لهم الرجال تحت كل صخرة فلما تقدم أصحاب محمد وصعدوا في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إليهم فيمن معه وانهزم الناس فأمرهم أبو سعيد ومحمد بن حميد بالصبر فلم يفعلوا ومروا على وجوههم والقتل يأخذهم وصبر محمد بن حميد مكانه وفر من مكان معه غير رجل واحد وسارا يطلبان الخلاص فرأى جماعة وقتالا فقصدهم فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته فقاتلهم وقاتلوه وضربوا فرسه بمزراق فسقط إلى الأرض واكبوا على محمد بن حميد فقتلوه وكان محمد ممدوحا جوادا فرثاه الشعراء واكثروا منهم الطائي فلما وصل خبر قتله إلى المأمون عظل ذلك عنده واستعمل عبد الله بن طاهر على قتال بابك فسار نحوه
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين
كان أبو دلف من أصحاب محمد الامين وسار مع علي بن عيسى بن ماهان إلى حرب طاهر بن الحسين فلما قتل علي عاد أبو دلف إلى همذان فراسله طاهر يستميله ويدعوه إلى بيعة المأمون فلم يفعل وقال أن في عنقي بيعة لا أجد إلى فسخها سبيلا لكني سأقيم مكاني لا أكون مع أحد الفريقين أن كففت عني فأجابه إلى ذلك فأقام بكرج فلما خرج المأمون إلى الري راسل أبا دلف يدعوه إليه فسار نحوه مجدا وهو خائف شديد الوجل فقل له أهله وقومه وأصحابه أنت سيد العرب وكلها تطيعك فان كنت خائفا فأقم ونحن نمنعك فلم يفعل وسار وهو يقول
( أجود بنفسي دون قومي دافعا % لما نابهم قدنا وأغشى الدواهيا )
( واقتحم الأمر المخوف اقتحامه % لأدرك مجدا أو أعاود ثاويا )
في هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان فسار إليها
وكان سبب مسيره إليها أن أخاه طلحة لما مات ولي خراسان علي بن طاهر خليفة لاخيه عبد الله وكان عبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك وأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور فاكثروا فيهم القتل واتصل ذلك بالمأمون فأمر عبد الله بن طاهر بالمسير إلى خراسان فسار إليها فلما قدم نيسابور وكان أهلها قد قحطوا فمطروا قبل وصوله إليها بيوم واحد فلما دخلها قام إليه رجل بزاز فقال
( قد قحط الناس في زمانهم % حتى إذا جئت بالدرر )
( غيثان في ساعة لنا قدما % فمرحبا بالأمير والمطر )
فأحضره عبد الله وقال له الشاعر أنت قال لا ولكني سمعتها بالرقة فحفظتها فاحسن إليه وجعل إليه أن لا يشتري له شيء من الثياب إلا بأمره
في هذه السنة خرج بلال الغسانتي الشاري فوجه إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد فقتل بلال وفيها قتل أبو الرازي باليمن وفيها تحرك جعفر بن داود القمي فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر وكان هرب من مصر فرد إليها
وفيها ولي علي بن هشام الجبل وقم واصبهان وأذربيجان
وفيها توفي ادريس بن ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام بالمغرب وأقام بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس فولى أخاه القاسم البصرة وطنجة وما يليهما واستعمل باقي اخوته على مدن البربرة
وفيها سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إلى مدينة باجة وكانت عاصية عليه من حين فتنة منصور إلى الآن فملكها عنوة وفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة من الأندلس على صاحبها عبد الرحمن وكان هاشم ممن خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلها فسار إلى قرطبة فلما كان الآن سار إلى طليطلة فاجتمع إليه أهل الشر وغيرهم فسار بهم إلى وادي تحويبه وأغار على البربر وغيرهم فطار اسمه واشتدت شوكته واجتمع له جمع عظيم وأوقع بأهل شنت برية وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة فسير إليه عبد الرحمن هذه السنة جيشا فقاتلوه لم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى وبقي هاشم كذلك وغلب على عدة مواضع وجاوز بركة العجوز وإذا غارة خيله فسير إليه عبد الرحمن جيشا كثيفا سنة ست عشرة ومائتين فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا بمجاورة رورية فاشتدت الحرب بينهم ودامت عدة أيام ثم انهزم هاشم وقتل هو وكثير ممن معه من أهل الطمع والشر وطالبي الفتن وكفى الله الناس شرهم
وحج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد
وفيها توفي أبو هاشم النبيل واسمه الضحاك بن محمد الشيباني وهو إمام في الحديث
وفيها توفي أبو أحمد حسين بن محمد البغدادي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
