وفي هذه السنة ادخل عبيد الله بن السري بغداد وانزل مدينة المنصور وأقام ابن طاهر بمصر واليا عليها وعلى الشام والجزيرة وقال للمأمون بعض اخوته إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولج علي بن أبي طالب وهكذا كان أبوه قبله فامكر المأمون ذلك فعاوده أخوه فوضع المأمون رجلا قال له امش في هيئة القراء والنساك إلى مصر فادع جماعة من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا ثم صر إلى عبد الله بن طاهر فادعه إليه واذكر له مناقبه ورغبه فيه وابحث غن باطنه وائتني بما تسمع ففعل الرجل ذلك فاستجاب له جماعة من أعيانه فقعد بباب عبد الله بن طاهر فلما ركب قام إليه فأعطاه رقعة فلما عاد إلى منزله أحضره قال قد فهمت ما في رقعتك فهات ما عندك فقال ولي امانك قال نعم فدعاه إلى القاسم وذكر فضله وزهده وعلمه فقال عبد الله أتنصفني قال نعم قال هل يجب شكر الله على العباد قال نعم قال فتجيء إلي وأنا في هذه الحال لي خاتم في المشرق جائز وخاتم في المغرب جائز وفيها بينهما أمري مطاع ثم ما التفت عن يميني ولا شمالي وورائي وأمامي إلا ريات نعمة لرجل أنعمها علي ومنة ختم بها رقبتي ويدا لائحة بيضاء ابتدأني بها وتفضلا وكرما تدعوني إلى أن اكفر بهذه النعم وهذا الإحسان وتقول اغدر بمن كان أولى لهذا وأحرى وآسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا أكان الله يوجب علي أن اغدر به واكفر إحسانه وانكث بيعته فسكت الرجل فقال له عبد الله ما أخاف عليك إلا نفسك فارحل عن هذا البلد فان السلطان الأعظم أن بلغه ذلك كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك فلما ايس منه جاء إلى المأمون فاخبره فاستبشر وقال ذلك غرس يدي والف ادبي وقراب يلفحي ولم يظهر ذلك ولا علمه ابن طاهر إلا بعد موت المأمون وكان هذا القائل للمأمون المعتصم فانه كان منحرفا عن عبد الله
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين
وفيها قتل السيد بن انس الازدي أمير الموصل وسبب قتله أن زريق بن علي بن صدقة الازدي الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل واذربيجان وجرى بينه وبين السيد حروب كثيرة فلما كان هذه السنة جمع زريق جمعا كثيرا قيل كانوا أربعين ألفا وسيرهم إلى الموصل لحرب السيد فخرج إليهم في أربعة آلاف فالتقوا بسوق الأحد فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده وهذه كانت عادته أن يحمل وحده بنفسه وحمل عليه رجل من أصحاب زريق فاقتتلا فقتل كل واحد منهما احبه لم يقتل غيرهما وكان هذا الرجل قد حلف بالطلاق إن رأى السيد أن يحمل عليه فيقتله أو يقتل دونه لأنه كان له على زريق كل سنة مائة ألف درهم فقيل له بأي سبب تأخذ هذا المال فقال لأنني متى رأيت السيد قتلته وحلف على ذلك فوفى به فلما بلغ المأمون قتله غضب لذلك وولى محمد بن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي واستعمله على الموصل
وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين عامر بن نافع وبين منصور بن نصر بأفريقية وسبب ذلك أن منصورا كان كثير الحسد وسار بهم من تونس إلى منصور وهو بقصره بطبنذة فحصره حتى فنى ما كان عنده من الماء فراسله منصور وطلب منه الأمان على أن يركب سفينة ويتوجه إلى المشرق فأجابه إلى ذلك فخرج منصور أول الليل مختفيا يريد الاربس فلما اصبح عامر ولم ير لمنصور أثرا طلبه حتى أدركه فاقتتلوا وانهزم منصور ودخل الاربس فتحصن بها وحصره عامر ونصب عليه منجنيقا فلما اشتد الحصار على أهل الاربس قالوا لمنصور أما أن تخرج عنا وإلا سلمناك إلى عامر فقد اضر بنا الحصار فاستمهلهم حتى يصلح أمره فأمهلوه وأرسل إلى عبد السلام بن المفرج وهو من قواد الجيش يسأله الاجتماع به فاتاه فكلمه منصور من فوق السور واعتذر وطلب منه أن يأخذ له أمانا من عامر حتى يسير إلى المشرق فأجابه عبد السلام إلى ذلك واستعطف له عامر فأمنه على أن يسير إلى تونس ويأخذ أهله وحاشيته ويسير بهم إلى المشرق فخرج إليه فسيره مع خيل إلى تونس وأمر رسوله سرا أن يسير به إلى مدينة جربة ويسجنه ففعل ذلك وسجن معه أخاه حمدون فلما علم عبد السلام ذلك عظم عليه وكتب عامر إلى أخيه وهو عامله على جربة يأمره بقتل منصور وأخيه حمدون ولا يراجع فيهما فحضر عندهما واقراهما الكتاب فطلب منصور منه دواة وقرطاسا ليكتب وصيته فأمر له بذلك فلم يقدر أن يكتب وقال فاز المقتول بخير الدنيا والآخرة ثم قتلهما وبعث برأسيهما إلى أخيه واستقامت الأمور لعامر بن نافع ورجع بعد السلام بن المفرج إلى مدينة باجة وبقي عامر بن نافع بمدينة تونس وتوفي سلخ ربيع الآخر سنة أربع عشرة ومائتين فلما وصل خبره إلى زيادة الله قال الآن وضعت الحرب أوزارها وأرسل بنوه إلى زيادة الله يطلبون الأمان فأمنهم واحسن إليهم
وفيها قدم عبد الله بن طاهر مدينة السلام من المغرب فتقلاه العباس بن المأمون والمعتصم وأسر الناس وفها مات موسى بن حفص فولي ابنه طبرستان وولي حاجب بن صالح السند فهزمه بشر بن داود فانحاز إلى كرمان وفيها أمر المأمون مناديا فنادى برئت الذمة من ذكر معاوية بخير أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله
وفيها مات أبو العتاهية الشاعر وحج بالناس صالح بن العباس وهو والي مكة وفيها خرج بأعمال تاكرنا من الأندلس طوريل فقصد جماعة من الجند قد نزلوا ببعض قرى تاكرنا ممتارين فقتلهم واخذ دوابهم وسلاحهم وما معهم فسار إليه عاملها وفيها مات الاخفش النحوي البصري
وفيها مات طلق بن غنام النخعي واحمد بن إسحاق الحضرمي وعبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي
وفيها توفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني المحدث وهو من مشايخ أحمد بن حنبل وكان يتشيع
وفيها توفي عبد الله بن داود الخريبي البصري وكان يسكن الخريبة بالبصرة فنسب إليها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
