الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
82

ثم دخلت سنة عشر ومائتين

الجزء الخامس 8 عنصر صفحة 474
ذكر ظفر المأمون بابن عائشة ص 474

فيها ظفر المأمون بإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الأفريقي ومالك بن شاهي ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لإبراهيم بن المهدي وكان الذي اطلعه عليهم وعلى صنيعهم عمران القطربلي وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث فنم عليهم عمران فاخذوا في صفر ودخل نصر بن شبث بغداد ولم يلقه أحد من الجند فاخذ ابن عائشة فأقيم على باب المأمون ثلاثة أيام في الشمس ثم ضربه بالسياط وحبسه وضرب مالك بن شاهي وأصحابه فكتبوا للمأمون بأسماء من دخل معهم في هذا الأمر من سائر الناس فلم يعرض لهم المأمون وقال لا آمن أن يكون هؤلاء قذفوا قوما براء ثم إن قتل ابن عائشة وأين شاهي ورجلين من أصحابهما وكان سبب قتلهم أن المأمون بلغه انهم يريدون أن ينقبوا السجن وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم فلما بلغ المأمون خبرهم ركب إليهم بنفسه فأخذهم فقتلهم صبرا وصلب ابن عائشة وهو أول عباسي صلب في الإسلام ثم انزل وكفن وصلي عليه ودفن في مقابر قريش

ذكر الظفر بإبراهيم بن المهدي ص 474

وفي هذه السنة في ربيع الأول أخذ إبراهيم بن المهدي وهو منتقب مع امرأتين وهو في زي امرأة أخذه حارس اسود ليلا فقال من أين انتن وأين تردن هذا الوقت فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده له قدر عظيم ليخليهن ولا يسألهن فلما نظر الحارس إلى الختم استرابهن وقال خاتم رجل له شان ورفعهن إلى صاحب المسلحة فأمرهن أن يسفرن فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت لحيته فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه فذهب به إلى باب المأمون واعلمه به فأمر بالاحتفاظ به إلى بكرة فلما كان الغد اقعد إبراهيم في دار المأمون والمقنعة التي تقنع بها في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس ويعلموا كيف أخذ ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده ثم أخرجه معه لما سار في الصلح إلى الحسن بن سهل فشفع فيه الحسن وقيل ابنته بوران

وقيل أن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم وكان المعتصم عند المأمون فحمل رديفا لقرح التركي فلما دخل على المأمون قال له هيه يا إبراهيم فقال يا أمير المؤمنين ولي الثأر محكم في القصاص والعفو اقرب للتقوى ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فان تعاقب فبحقك وان تعف فبفضلك قال بل اعفو يا إبراهيم فكبر وسجد وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو متخف فوقع المأمون في حاشية رقعته القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله عز وجل وهو اكبر ما يسأله فقال إبراهيم يمدح المأمون

( يا خير من رفلت يمانية به % بعد النبي لآيس أو طائع )

( وابر من عبد الاله على التقى % غيبا واقوله بحق صادع )

( عسل الفوارع ما اطعت فان نهج % فالصاب يمزج بالسمام الناقع )

( متيقظا حذرا وما نخشى العدى % نبهان من وسنان ليل الهاجع )

( ملئت قلوب الناس منك مخافة % وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع )

( بابي وامي فدية وابيهما % من كل معضلة وذنب واقع )

( ما ألين الكنف الذي بوأتني % وظنا وامرع رتعه للراتع )

( للصالحات أخا جعلت وللتقى % وابا رؤوفا للفقير القانع )

( نفسي فداؤك إذ تضل معاذري % والوذ منك بفضل حلم واسع )

( أملا لفضلك والفواضل شيمة % رفعت بناءك للمحل اليافع )

( فبذلت افضل ما يضيق ببذله % وسع النفوس من الفعال البارع )

( وعفوت عمن لم يكن عن مثله % عفو ولم يشفع اليك بشافع )

( إلا العلو عن العقوبة بعد ما % ظفرت يداك بمستكين خاضع )

( فرحمت اطفالا فكافراخ القطا % وعويل عانسة كقوس النازع )

( وعطفت آمرة علي كما وهى % بعد انهياض الوثي عظم الظالع )

( الله يعلم ما اقول كانها % جهد الالية من حنيف راكع )

( ما إن عصيتك والغواة تقودني % اسبابها إلا بنية طائع )

( حتى اذا علقت حبائل شقوتي % بردى إلى حفر المهالك هائع )

( لم ادر أن لمثل جرمي غافرا % فوقت انظر أي حتف صارعي )

( رد الحياة علي بعد ذهابها % ورع الإمام القادر المتواضع )

( أحياك من ولاك افضل مدة % ورمى عدوك في الوتين بقاطع )

( كم من يد لك لم تحدثني بها % نفسي إذا آلت إلي مطامعي )

( أسديتها عفوا إلي هنيئة % وشكرت مصطنعا لأكرم صانع )

( إلا يسيرا عند ما أوليتني % وهو الكبير لدي غير الضائع )

( إن أنت جدت بها علي تكن لها % أهلا وان تمنع فاكرم مانع )

( ان الذي قسم الخلافة حازها % من صلب آدم للإمام السابع )

( جمع القلوب عليك جامع امرها % وحوى رداؤك كل خير جامع )

فذكر أن المأمون قال حين انشده هذه القصيدة أقول كما قال يوسف لاخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين

ذكر ناء المأمون ببوران ص 477

وفي هذه السنة بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان وكان المأمون سار من بغداد إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل فنزله وزفت إليه بوران فلما دخل إليها المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة أم الأمين وجدتها أم الفضل والحسن بن سهل فلما دخل نثرت عليه جدتها ألف لؤلوة من انفس ما يكون فأمر المأمون بجمعه فجمع فأعطاه بوران وقال سلي حوائجك فامسكت فقالت جدتها سلي سيدك فقد أمرك فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي فقال قد فعلت وسألته الاذن لام جعفر في الحج فأذن لها وألبستها أم جعفر البدلة اللؤلؤية الأموية وابتنى بها في ليلته وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوما وحملهم ووصلهم وكان مبلغ ما يحتاج إليه وخلع الحسن على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع ونثرها على القواد فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها

ذكر مسير عبد الله بن طاهر إلى مصر ص 477

في هذه السنة سار عبد الله بن طاهر إلى مصر وافتتحها واستأمن إليه عبد الله بن السري

وكان سبب مسيره أن عبيد الله قد تغلب على مصر وخلع الطاعة وخرج جمع من الأندلس فتغلبوا على الإسكندرية واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شبث فلما فرغ منه سار نحو مصر فلما قرب منها على مرحلة قدم قائدا من قواده إليها لينظر موضعا يعسكر فيه وكان ابن السري قد خندق على مصر خندقا فاتصل الخبر به من وصول القائد إلى ما قرب منه فخرج إليه في أصحابه فالتقى هو والقائد فاقتتلوا قتالا شديدا وكان القائد في قلة فجال أصحابه وسير بريدا إلى عبد الله بن طاهر بخبره فحمل عبد الله الرجال على البغال وجنبوا الخيل وأسرعوا السير فلحقوا بالقائد وهو يقاتل ابن السري فلما رأى ابن السري ذلك لم يصبر بين أيديهم وانهزم عنهم وتساقط اكثر أصحابه في الخندق فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض كان اكثر ممن قتله الجند بالسيف

ودخل ابن السري مصر واغلق الباب عليه وعلى أصحابه وحاصره عبد الله فلم يعد ابن السري يخرج إليه وانفذ إليه ألف وصيف ووصيفة مع كل واحدة منهم ألف دينار فسيرهم ليلا فردهم ابن طاهر وكتب إليه لو قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون قال فحينذ طلب الأمان وقيل كان سنة إحدى عشرة

وذكر أحمد بن حفص بن أبي الشماس قال خرجنا مع عبد الله بن طاهر إلى مصر حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرابي قد اعترض فإذا شيخ على بعير له فسلم فرددنا عليه السلام قال وكنت أنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقي وإسحاق بن أبي ربعي ونحن نساير الأمير وكنا افره منه دابة وأجود كسوة

قال فجعل الأعرابي ينظر إلى وجوهنا

قال فقلت يا شيخ قد ألححت في النظر اعرفت شيئا أنكرته قال لا والله ما عرفتكم قبل يومي هذا ولكني رجل حسن الفراسة في الناس قال فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي وقلت ما تقول في هذا فقال

( أرى كاتبا داهي الكتابة بين % عليه وتأديب العراق منير )

( له حركات قد يشاهدن انه % عليم بتسقيط الخراج بصير )

ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي فقال

( ومظهر نسك ما عليه ضميره % يحب الهدايا بالرجال مكور )

( أخال به جبنا وبخلا وشيمة % تخبر عنه انه لوزير )

ثم نظر إلي وقال

( وهذا نديم للأمير ومؤنس % يكون له بالقرب منه سرور )

( وأحسبه للشعر والعلم راويا % فبعض نديم مرة وسمير )

ثم نظر إلى الأمير وقال

( وهذا الأمير المرتجى سيب كفه % فما أن له في العالمين نظير )

( عليه رداء من جمال وهيبة % ووجه بإدراك النجاح بشير )

( لقد عظم الإسلام منه بذي يد % فقد عاش معروف ومات نكير )

( ألا إنما عبد الإله بن طاهر % لنا والد بر بنا وأمير )

قال فوقع ذلك من عبد الله احسن موقع وأعجبه وأمر للشيخ بخمسمائة دينار وأمره أن يصحبه

ذكر فتح عبد اله الإسكندرية ص 479

وفي هذه السنة اخرج عبد الله من كان تغلب على الإسكندرية من أهل الأندلس بأمان وكانوا قد اقبلوا في مراكب من الأندلس في جمع والناس في فتنة ابن السري وغيره فارسوا بالإسكندرية ورئيسهم يدعى أبا حفص فلم يزالوا بها حتى قدم ابن طاهر فأرسل يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة فأجابوه وسألوه الأمان على أن يرتحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام فأعطاهم الأمان على ذلك فرحلوا ونزلوا بجزيرة اقريطش واستوطنوها وأقاموا بها فأعقبوا وتناسلوا

قال يونس بن عبد الأعلى اقبل إلينا فتى حدث من المشرق يعني ابن طاهر والدنيا عندنا مفتونة مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب والناس في بلاء فاصلح الدنيا وأمن البريء وأخاف السقيم واستوثق له الرعية بالطاعة

ذكر خلع أهل قم ص 480

في هذه السنة خلع أهل قم المأمون ومنعوا الخراج فكان سببه أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام واسقط عنهم شيئا من خراجهم فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة وكان خراجهم ألفي ألف درهم فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا فامتنعوا من أدائه فوجه المأمون إليهم علي بن هشام وعجيف بن عنبسة فحارباهم فظفرا بهم وقتل يحيى بن عمران وهدم سور المدينة وجباها على سبعة آلاف ألف درهم وكانوا يتظلمون من ألفي ألف

ذكر ما كان بالأندلس من الحوادث ص 480

وفي هذه السنة سير عبد الرحمن بن الحكم سرية كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليها عبيد الله المعروف بابن البلنسي فسار ودخل بلاد العدو وتردد فيها بالغارات والسبي والقتل والاسر ولقي الجيوش الأعداء في ربيع الأول فاقتتلوا فانهزم المشركون وكثر القتل فيهم وكان فتحا عظيما وفيها افتتح عسكر سيره عبد الرحمن أيضا حصن القلعة من ارض العدو وتردد فيها بالغارات منتصف شهر رمضان

وفيها أمر عبد الرحمن ببناء المسجد الجامع بجيان وفيها أخذ عبد الرحمن رهائن أبي الشماخ بن إبراهيم مقدم اليمانية بتدمير ليسكن الفتنة بين المضرية واليمانية فلم ينزجروا ودامت الفتنة فلما رأى عبد الرحمن ذلك أمر العامل بتدمير أن ينقل منها ويجعل مرسية منزلا ينزله العمال ففعل ذلك وصارت مرسية هي قاعدة تلك البلاد من ذلك الوقت ودامت الفتنة بينهم إلى ثلاث عشرة ومائتين فسير عبد الرحمن إليهم جيشا فاذعن أبو الشماخ وأطاع عبد الرحمن وسار إليه وصار من جملة قواده وأصحابه وانقطعت الفتنة من ناحية تدمير

( تدمير بالتاء فوقها نقطتان والدال المهملة والياء تحتها نقطتان ثم راء )

ذكر عدة حوادث ص 481

مات في هذه السنة شهريار بن شروين صاحب جبال طبرستان وصار في موضعه ابنه سابور فقاتله مازيار بن قارن فأسره وقتله وصارت الجبال في يد مازيار

وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو وال مكة

وفيها توفيت عليه بنت المهدي مولدها سنة ستين ومائة وكان زوجها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فولدت منه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.