وفي هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر وأمره بحرب نصر بن شبث وكان سبب ذلك أن يحيى بن معاذ الذي كان المأمون ولاه الجزيرة مات في هذه السنة واستخلف ابنه أحمد فاستعمل المأمون عبد الله مكانه فلما أراد توليته أحضره وقال له يا عبد الله استخير الله تعالى منذ شهر واكثر وأرجو أن يكون قد خار لي ورأيت الرجل يصف ابنه لرأيه فيه ورايتك فوق ما قال أبوك فيك وقد مات يحيى واستخلف ابنه وليس بشيء وقد رأيت توليتك مصر ومحاربة نصر بن شبث
فقال السمع والطاعة وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين فعقد له وقيل وكانت ولايته سنة خمس ومائتين وقيل سبع ومائتين ولما سار أي تخلف على الشرطة إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب وهو ابن عمه
ولما استعمله المأمون كتب إليه أبوه طاهر كتابا جمع فيه كل ما يحتاج إليه الأمراء من الآداب والسياسة وغير ذلك وقد اثبت منه أحسنه لما فيه من الآداب والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم لأنه لايستغني عنه أحد من ملك وسوقة وهو
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته عز وجل ومزايلة سخطه وحفظ رعينك في الليل والنهار والزم ما البسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت سائر إليه موقوف عليه ومسؤول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله عز وجل وينجيك يوم القيامة من عقابه واليم عذابه
فان الله سبحانه وتعالى قد احسن إليك وأوجب عليك الرافة بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل عليهم والقيام بحقه وحدوده فيهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم وبيضتهم والحقن لدمائهم والام لسبيلهم وإدخال الراحة عليهم في معايشهم ومؤاخذك بما فرض عليك وموقفك عليه ومسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت واخرت ففرغ لذلك فهمك وعقلك ونظرك ولا يشغلك عنه شاغل وانه رأس أمرك وملاك شانك وأول ما يوفقك الله عز وجل به لرشدك
ولسكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه أفعالك المواظبة على ما افترض الله عز وجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس فات بها في مواقيتها على سننها وفي اسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها وترتل في قراءتك وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك وليصدق فيه رأيك ونيتك واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك واداب عليها فإنها كما قال الله عز وجل إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ثم اتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله والمثابرة على خلافته واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه ولزوم ما انزل الله عز وجل في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله ثم قم فيه بما يحق لله عز وجل عليك ولا تمل من العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد
وآثر الفقه والدين وحملته وكتاب الله عز وجل والعاملين به فان افضل ما تزين به المرء الفقه في الدين والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عز وجل فنه الدليل على الخير كله والقائد له والآمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها ومع توفيق الله عز وجل واجلالا له ودركا للدرجات العلا في المعاد مع ما في ظهورهد للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والآنسة بك والثقة بعدلك وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها فليس شيء أبين نفعا ولا أخص أمنا ولا اجمع فضلا منه والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد وآثره ف دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد ولا غاية للاستكثار في البر والسعي إذ كان يطلب به وجه الله تعالى ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته
واعلم أن القصد في شان الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وانه لن تحوط لنفسك ومن يليك ولا تستصلح أمورك بأفضل منه فاته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك واحسن الظن بالله عز وجل تستقيم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فان إيقاع التهم بالبداء والظنون السيئة بهم مأثم فاجعل من شانك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم يغنك ذلك عن اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا فانه إنما يكتفي بالقليل من وهنك ويدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشتك
واعلم انك تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك والرافة برعيتك أن تستعمل المسالة والبحث عن أمورك ولتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثر عندك مما سوى ذلك فانه أقوم للدين وأحيا للسنة واخلص نيتك ف جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم انه مسؤول عما صنع ومجزى بما احسن ومأخوذ بما ساء فان الله عز وجل جعل الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه فسالك بمن نسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى وأقم حدود الله عز وجل في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فان في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب البدع والشبهات يسلك لك دينك وتقم لك مروءتك وإذا عاهدت عهدا فف به إذا وعدت خيرا فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها واغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وابغض أهله واقص أهل النميمة فان أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب والجراءة على الكذب لان الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمها لان النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستتم لمطيعها أمر واحب أهل الصلاح والصدق واعن الإشراف بالحق واس الضعفاء وصل الرحمن وابتغ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رأيك واظهر براءتك في ذلك رعيتك وانعم بالعدل سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنته بك إلى سبيل الهدى
واملك نفسك عند الغضب وآثر الوقار والحلم واساك والحدة والطيرة والغرور فيما أنت سبيله وإياك أن تقول أنا مسلط افعل ما أشاء فان ذلك سريع إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله عز وجل واخلص لله وحده لا شريك له النية فيه واليقين به واعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولن تجد تغير نعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله عز وجل وإحسانه واستطالوا بما آتاهم الله عز وجل من فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم والحفظ لدهمائهم والاغاثة لملهوفهم واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف مؤنة عنهم ربت وزكت ونمت وصلحت به العامة وتزينت به الولاية وطاب به الزمان واعتقد فيه العز والمنعة
فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم فانك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله عز وجل وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وعملك اقدر وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك اسلس لطاعتك وأطيب نفسا بكل ما أردت
واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ولتعظم حسنتك فيه وإنما بقي من المال ما انفق في سبيل الله واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه
وإياك أن تنسبك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك فان التهاون يورث التفريط والتفريط يورث البوار
وليكن عملك لله عزل وجل وارج الثواب فيه فان الله سبحانه قد اسبغ عليك نعمته واسبغ لديك فضله واعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيرا وإحسانا فان الله عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين ولا تحقرن ذنبا ولا تمالئن حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفروا ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما ولا تأمنن غدارا ولا توالين فاسقا ولا تبتغين عاديا ولا تحمدن مرائيا ولا تحقرن إنسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا تحبن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا ترهقن هجرا ولا تركبن سفها ولا تظهرن غضبا ولا تأسن مدحا ولا تمشين مرحا ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا تدفع الأنام عتابا ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباة ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا
وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والريا والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الذمة والنحل ولا تسمعن لهم قولا فان ضررهم اكثر من منفعتهم وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح واعلم انك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا فان رعيتك إنما تقعد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عليهم وابتدئ من صفا لك من أوليائك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم واجتنب الشح واعلم انه أول ما عصى الإنسان به ربه وان العاصي بمنزلة خزي وتدبر قول الله عز وجل ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون واجعل للمسلمين كلهم من بينك حظا ونصيبا وأيقن أن الجود من افضل أعمال العباد فاعدده لنفسك خلقا وسهل طريق الجود بالحق وارض به عملا ومذهبا
وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم وادرر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله عز وجل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم وتزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله وحيطته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسيعه فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار فضيلة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء الله تعالى نجاحا وصلاحا وفلاحا واعلم أن القضاء بالعدل من الله تعالى بالمكان الذي ليس يعدل به شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي يعتدل عليه أحوال الناس في الأرض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدي حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقوم الدين وتجرى السنن والشرائع على مجاريها واشتد في أمر الله عز وجل وتورع عن القصف وامض لإقامة الحدود واقلل العجلة وابعد عن الضجر والقلق واقنع بالقسم وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك وسدد في منطقك وانصف الخصم وقف عند الشبهة وابلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة ولا لوم لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر الحق على نفسك فتدبر وتفكر واعتبر وتواضع لربك وارأف بجميع الرعية فتسلطن الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فان الدماء من الله عز وجل بمكان عظيم انتهاكا لها بغير حقها
وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية وجعله الله للإسلام عزا ورفعة ولاله توسعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولأهل الكفر من معانديهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه ولا عن غنى لغناه ولا عن كاتب ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك ولا تأخذن منه فقو الاحتمال له ولا تكلف أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على مر الحق فان ذلك اجمع لآفتهم وألزم لرضا العامة واعلم انك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم فاستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق فان ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت واسند إليك ولا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف فانك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الاحدوثة في عملك واحرزت به المحبة من رعيتك واعنت على الصلاح ودرت الخيرات فيبلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وارضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضى العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة فنافس في ذلك ولا تقدم عليه شيئا تحمد فيه مغبة أمرك إن شاء الله تعالى واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل فيعمله معاين لأموره كلها فان أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فان رايت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع فامضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصيرة والعلم به ثم خذ فيه عدته فانه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قدره واتاه على ما يهوى فاغواه ذلك فأعجبه فان لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله عز وجل بالقوة واكثر في استخارة ربك في جميع أمورك وافرع من عمل يومك ولا تؤخره لغدك واكثر مباشرته بنفسك فان لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمور يومين فيشغلك ذلك حتى تعرض عنه وإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك
وانظر أحرار الناس وذوي السن منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم وشهدت مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك فاستخلصهم واحسن إليهم وتعهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مؤنتهم واصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا وافرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أحفى مسالة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين اعزه الله في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة واجر للإضراب من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم وللحافظين لاكثره في الجرائد على غيرهم
وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقواما يرفقون بهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد لك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم وربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه قليله عما يناله به من مؤنة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستثقل بما يقربه إلى الله تعالى ويلتمس رحمته واكثر الاذن للناس عليك وابرز لهم وجهك وسكن لهم حواسك واخفض لهم جناحك واظهر لهم بشرك ولن لهم في المسالة والمنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك
وإذا أعطيت فاعط بسماحة وطيب نفس والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا امتنان فان العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالف ما دعا إلى سخط الله عز وجل واعرف ما تجمع عمالك من الأموال وينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا واكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وايثار مكارم الأمور ومعاليها وليكن اكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في سرك واعلانك وما فيه من النقص فان أولئك انصح أوليائك ومظاهرين لك وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامراته وما عنده من حوائج عمالك وأمور كورك ورعيتك ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبر له فما كان موافقا للحق والحزم فامضه واستخر الله عز وجل فيه وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسالة عنه ولا تمتن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي إليك واكثر النظر فيه والعمل به
واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فان الله عز وجل مع الصلاح وأهله
وليكن اعظم سيرتك وافضل عيشك ما كان فيه لله عز وجل رضا ولدينه نظاما ولأهله عزا وتمكينا وللذمة وللملة عدلا وصلاحا وانا اسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام
فما رأى الناس هذا الكتاب تنازعوه وكتبوه وشاع أمره وبلغ المأمون خبره فدعا به فقرئ عليه فقال ما أبقى أبو الطيب يعني طاهرا شيئا من أمر الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد احكم وأوصى به وأمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي فسار عبد الله إلى عمله فاتبع ما أمر به وعهد إليه وسار بسيرته
