ذكر موت علي بن موسى الرضا
ص 447
في هذه السنة مات علي بن موسى الرضا عليه السلام وكان سبب موته انه أكل عنبا فاكثر منه فمات فجأة وذلك في آخر صفر وكان موته بمدينة طوس فصلى المأمون عليه ودفنه عند قبر أبيه الرشيد وكان المأمون لما قدمها قد أقام عند قبر أبيه
وقيل أن المأمون سمه في عنب وكان علي يحب العنب وهذا عندي بعيد فلما توفي كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه موت علي وما دخل عليه من المصيبة بموته وكتب إلى أهل بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم موته وانهم إنما نقموا ببيعته وقد مات ويسألهم الدخول في طاعته فكتبوا إليه أغلظ جواب وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة
ذكر قبض إبراهيم بن المهدي على عيسى بن محمد
ص 447
وفي هذه السنة في آخر شوال حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد وسبب ذلك أن عيسى كان يكاتب حميدا والحسن بن سهل وكان يظفر لإبراهيم الطاعة وكان كلما قال له إبراهيم ليخرج إلى قتال أحمد يعتذر بان الجند يريدون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة فلما توثق عيسى بما يريد فارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي يوم الجمعة سلخ شوال وبلغ الخبر إبراهيم ابلغه هارون بن محمد بن عيسى وجاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس أني قد سالت حميدا أن لا يدخل عملي ولا ادخل عمله ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام وبلغ إبراهيم قوله وفعله وكان عيسى قد سأله إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة فأجابه إلى ذلك فلما تكلم عيسى بما تكلم حذر إبراهيم وأرسل إلى عيسى يستدعيه فاعتل عليه فتابع الرسل بذلك فحضر عنده بالرصافة فلما دخل عليه عاتبه ساعة وعيسى يعتذر إليه وينكر بعضه فأمر به إبراهيم فضرب وحبس واخذ عدة من قواده وأهله فحبسهم ونجا بعضهم وفيمن نجا خليفته العباس ومشى بعض أهله إلى بعض وحرضوا الناس على إبراهيم وكان أشدهم العباس خليفة عيسى وكان هو رأسهم فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ وغيره وظهر الفساق والشطار وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلموا إليه بغداد
ذكر خلع إبراهيم بن المهدي
ص 448
وفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي وكان سبب ذلك ما ذكرنا من قبضه على عيسى بن محمد على ما تقدم فلما كاتب أصحابه ومنهم العباس حميدا بالقدوم عليهم سار حتى أتى نهر صرصر فنزل عنده وخرج إليه العباس وقواد أهل بغداد فلقوه وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطي كل جندي خمسين درهما فأجابهم إلى ذلك ووعدهم أن يصنع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية على أن يدعوا للمأمون بالخلافة يوم الجمعة ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك ولما بلغ إبراهيم الخبر اخرج عيسى ومن معه من اخوته من الحبس وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه أمر هذا الجانب فأبى عليه
فلما كان يوم الجمعة احضر العباس بن محمد بن أبي رجاء الفقيه فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون بالخلافة وجاء حميد إلى الياسرية فعرض جند بغداد وأعطاهم الخمسين التي وعدهم فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة لما تشاءموا به من علي بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم فقال حميد بل أزيدكم عشرة وأعطيكم ستين درهما لكل رجل فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميدا فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله واخذ منه كفلاء وكلم عيسى الجند ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد فأبوا ذلك عليه فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي ووعد أولئك الجند أن يزيدهم على الستين فشتموه وأصحابه وقالوا لا نريد بابراهيم فقاتلهم ساعة ثم ألقى نفسه في وسطهم حتى أخذوه شبه الأسير فأخذه بعض قواده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم فاخبروه فاغتم لذلك وكان المطلب بن عبد الله بن مالك قد اختفى من إبراهيم كما ذكرنا فلما قدم حميد أراد العبور إليه فعلموا به فأخذوه واحصروه عند إبراهيم فحبسه ثلاثة أيام ثم خلى عنه لليلة خلت من ذي الحجة
ذكر اختفاء إبراهيم بن المهدي
ص 449
وفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدي وكان سبب ذلك أن حميدا تحول فنزل عند أرجاء عبد الله بن مالك فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا إليه فصار عامتهم عنده واخذوا له المدائن فلما رأى إبراهيم فعلهم اخرج جميع من بقي عنده حتى يقاتلوا فالتقوا على جسر نهر ديالي فاقتتلوا فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه حتى دخلوا بغداد وذلك سلخ ذي القعدة فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع ثم تحول إلى حميد وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميدا واحدا عد واحد فلما رأى ذلك إبراهيم سقط ف يديه وشق عليه وكاتب المطلب حميدا ليسلم إليه ذلك الجانب وكان سعيد بن الساجور وأبو البط وغيرهما يكاتبون علي بن هشام على أن يأخذوا له إبراهيم فلما علم إبراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كل قوم من أصحابه جعل يداريهم فلما جنه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة
وبعث المطلب إلى حميد يعلمه انه قد أحدق بدار إبراهيم وكتب ابن الساجور إلى علي بن هشام فركب حميد من ساعته من أرحاء عبد الله فأتى باب الجسر وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر بين ثم تقدم إلى مسجد كوثر واقبل حميد إلى دار إبراهيم فطلبوه فلم يجدوه فيها فلم يزل إبراهيم متواريا حتى جاء المأمون وبعد ما قدم حتى كان من أمره ما كان وكانت أيام إبراهيم سنة واحد عشر شهرا واثني عشر يوما وكان بعده علي بن هشام على شرقي بغداد وحميد على غربيها وكان إبراهيم قد أطلق سهل بن سلامة من الحبس وكان الناس يظنونه قد قتل فكان يدعو في مسجد الرصافة إلى ما كان عليه فإذا جاء الليل يرد إلى حبسه ثم انه أطلقه وخلى سبيلاه لليلة خلت من ذي الحجة فذهب فاختفى ثم ظهر بعد هرب إبراهيم فقربه حميد واحسن إليه ورده إلى أهله فلما جاء المأمون أجازه ووصله
ذكر عدة حوادث
ص 449
في هذه السنة انكسفت الشمس لليلتين بقيتا من ذي الحجة حتى ذهب ضوءها وغاب اكثر من ثلثيها ووصل المأمون إلى همذان في آخر من ذي الحجة وحج بالناس سليمان بن عبد الله سليمان بن علي وكانت بهراسان زلازل عظيمة ودامت مقدار سبعين يوما وكان معظمها ببلخ والجوزجان والفارياب والطالقان وما وراء النهر فخربت البلاد وتهدمت الدور وهلك فيها خلق كثير
وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس وكتب القواد إلى المأمون بذلك فجعل على عسكره دينار بن عبد الله وأرسل إليهم يعرفهم انه واصل
وفيها ظهر بالأندلس رجل يعرف بالولد وخالف على صاحبها فسير إليه جيشا فحصروه بمدينة باجة وكان استولى عليها فضيقوا عليه فملكوها وقيد وفيها ولي أسد بن الفرات الفقيه القضاء بالقيروان وفيها توفي محمد بن جعفر الصادق بجرجان وصلى عليه المأمون وهو الذي بايعه الناس بالخلافة بالحجاز وفيها توفي خزيمة بن خازم التميمي في شعبان وهو من القود المشهورين وقد تقدن من أخباره ما يعرف به محله ويحيى بن آدم بن سليمان وأبو أحمد الزبيري ومحمد بن بشير العبدي الفقيه بالكوفة والنضر بن شميل اللغوي المحدث وكان ثقة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.