ذكر بيعة إبراهيم بن المهدي
ص 440
في هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة ولقبوه المبارك وكانت بيعته أول يوم من المحرم وقيل خامسه وخلعوا المأمون وبايعه سائر بني هاشم فكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك فكان الذي سعى في هذا الأمر السندي وصالح صاحب المصلى ونصير الوصيف وغيرهم غضبا على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس ولتركه لباس آبائه من السواد فلما فرغ من البيعة وعد الجند رزق بستة أشهر ودافعهم بها فشغبوا عليه فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيرا فخرجوا في قبضها فانتهبوا الجميع وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد واستولى إبراهيم على الكوفة والسواد جميعه وعسكر بالمدائن واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي
وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي وخرج عليه مهدي بن علوان الحروري وغلب على طساسيج نهر بوق والراذانين فوجه إليه إبراهيم أبا إسحاق بن الرشيد وهو المعتصم في جماعة من القواد فلقوه فاقتتلوا فطعن رجل من أصحابه ابن الرشيد فحامى عنه غلام تركي يقال له أشناس وهزم مهدي إلى حولاياه وقيل كان خروج مهدي سنة ثلاث ومائتين
ذكر استيلاء إبراهيم على قصر ابن هبيرة
ص 441
وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل ومعه من القواد سعيد بن الساجور وأبو البط وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الأفريقي وغيرهم فكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة وكانوا قد تحرفوا عن حميد وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميدا يكاتب إبراهيم وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك فكتب الحسن إلى حميد يستدعيه إليه فلم يفعل خاف أن يسير إليه فيأخذ هؤلاء القواد ماله وعسكره ويسلمونه إلى إبراهيم فلما ألح الحسن عليه بالكتب سار إليه في ربيع الآخر وكتب أولئك القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد فوجهه إليهم فانتهبوا ما في عسكر حميد فكان مما أخذوا له مائة بدرة وأخذ ابن حميد جواري أبيه وسار إليه وهو بعسكر الحسن
ودخل عيسى القصر وتسلمه لعشر خلون من ربيع الآخر فقال حميد للحسن ألم أعلمك لكنك خدعت وعاد إلى الكوفة فأخذ أمواله واستعمل عليها العباس بن موسى بن جعفر العلوي وأمره أن يدعو لأخيه علي بن موسى بعد المأمون
وأعانه بمائة آلف درهم وقال له قاتل عن أخيك فإن أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك وأنا معك فلما كان الليل خرج حميد إلى الحسن وكان الحسن قد وجه حكيما الحارثي إلى النيل فسار إليه عيسى بن محمد فاقتتلوا فنهزم حكيم فدخل عيسى النيل ووجه إبراهيم إلى الكوفة سعيدا وأبا البط لقتال العباس بن موسى وكان العباس قد دعا أهل الكوفة فأجابه بعضهم وأما الغلاة من الشيعة فإنهم قالوا إن كنت تدعونا لاخيك وحده فنحن معك وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه فقال إنما أدعو للمأمون وبعده لأخي فقعدوا عنه فلما أتاه سعيد وأبو البط ونزلوا قرية شاهي بعث إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر وهو ابن الذي بويع له بمكة وبعث معه جماعة منهم أخو أبي السرايا فاقتتلوا ساعة فانهزم علي بن محمد العلوي وأهل الكوفة ونزل سعيد وأصحابه الحيرة وكان ذلك ثاني جمادى الأولى ثم تقدموا فقاتلوا أهل الكوفة وخرج إلى شيعة بني العباس ومواليهم فاقتتلوا إلى الليل وكان شعارهم يا أبا إبراهيم يا منصور لا طاعة للمأمون وعليهم السواد وعلى أهل الكوفة الخضرة فلما كان الغد اقتتلوا وكان كل فريق منهم إذا غلب على شيء أحرقه ونهبه فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة خرجوا إلى السعيد فسألوه الأمان للعباس وأصحابه فأمنهم على أن يخرجوا من الكوفة فأجابوه إلى ذلك ثم أتوا العباس فأعلموه ذلك فقبل منهم وتحول عن داره فشغب أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد وقاتلوهم فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى وأحرقوا وقتلوا من ظفروا به
فأرسل العباسيون إلى سعيد وهو بالحيرة يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان فركب سعيد وأصحابه وأتوا الكوفة عتمة فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب وأحرقوا ما معهم من النهب فمكثوا عامة الليل فخرج إليهم رؤساء الكوفة فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء وأن العباس لم يرجع عن الأمان فانصرفوا عنه فلما كان الغد دخلها سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان ولم يعرضوا إلى أحد وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده واستعملوا مكانه غسان بن أبي الفرج ثم عزلوه بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايا واستعملوا الهول ابن أخي سعيد فلم يزل عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب الهول وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل وأمر ابن عائشة الهاشمي ونعيم بن حازم أن يسيرا جميعا ولحق بهما سعيد وأبو البط والأفريقي وعسكروا جميعا بالصيادة قرب واسط عليهم جميعا عيسى بن محمد فكانوا يركبون ويأتون عسكر الحسن بواسط فلا يخرج إليهم منهم أحد وهم متحصنون بالمدينة ثم إن الحسن أمر أصحابه بالخروج إليهم لأربع بقين من رجب فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الظهر وانهزم عيسى أصحابه حتى بلغوا طرنايا والنيل وغنموا عسكر عيسى وما فيه
ذكر الظفر بسهل بن سلامة
ص 442
وفي هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي فحبسه وعاقبه وكان سبب ظفره به أن سهلا كان مقيما بغداد يدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاجتمع إليه عامة أهل بغداد فلما انهزم عيسى أقبل هو ومن معه نحو سهل بن سلامة لأنه كان يذكرهم بأقبح أعمالهم ويسميهم الفساق فقاتلوه أياما حتى صاروا إلى الدروب وأعطوا أصحابه الدراهم الكثيرة حتى تنحوا عن الدروب فأجابوا إلى ذلك فلما كان السبت لخمس بقين من شعبان قصد وه من كل وجه وخذله أهل الدروب لأجل الدراهم التي أخذوها حتى وصل عيسى وأصحابه إلى منزل سهل فاختفى منهم واختلط بالنظارة فلم يروه في منزله فجعلوا عليه العيون فلما كان الليل أخذوه وأتوا به إسحاق بن الهادي فكلمه فقال إنما كانت دعوتي عباسية وإنما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة وأنا على ما كنت أدعوكم إليه الساعة فقالوا له أخرج إلى الناس فقل لهم إن ما كنت أدعوكم إليه باطل فخرج فقال أيها الناس قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة وأنا أدعوكم إليه الساعة فضربوه وقيدوه وشتموه وسيروه إلى إبراهيم بن المهدي بالمدائن فلما دخل عليه كلمه به إسحاق بن الهادي فضربه وحبسه وأظهر أنه ق تل خوف ا من الناس لئلا يعلموا مكانه فيخرجوه وكان ما بين خروجه وقبضه اثنا عشر شهرا
ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذي الرياستين
ص 443
وفي هذه السنة سار المأمون من مرو إلى العراق واستخف على خراسان غسان بن عبادة وكان سبب مسيره أن علي بن موسى الرضا أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتنة والقتال مذ قتل الأمين وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء وأنهمك يقولون مسحور مجنون وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة فقال له المأمون لم يبايعوه بالخلافة وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل فأعلمه أن الفضل قد كذبه وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل و إبراهيم والناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك فقال ومن يعلم هذا قال حلى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وغيرهما من وجوه العسكر فأمر بإدخالهم فدخلوا فسألهم عما أخبره به علي بن موسى ولم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم فضمن لهم ذلك وكتب لهم خطه به فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي وأن أهل بغداد قد سموه الخليفة السني وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي بن موسى منه وأعلموه بما فيه الناس وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه فقتله الفضل وإن لم يتدارك أمره وإلا خرجت الخلافة من يده وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه فأخرج من الأمر كله وجعل في ولاية من الأرض بالرقة لا يستعان به في شيء حتى ضعف أمره وشغب عليه جنده وأنه لو كان ببغداد لضبط الملك وأن الدنيا قد تفقت من أقطارها وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد فإن أهلها لو رأوك لأطاعوك فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل فعلم الفضل بالحال فبغتهم حتى ضرب بعضهم وحبس بعضهم ونتف لحى بعضهم فقال علي بن موسى للمأمون في أمرهم فقال أنا أدري ثم ارتحل فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل فقتلوه في الحمام وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان وكان الذين قتلوه أربعة نفر أحدهم غالب المسعودي الأسود وقسطنطين الرومي وفرج الديلمي وموفق الصقلبي وكان عمره ستين سنة وهربوا فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري فقالوا للمأمون أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت رقابهم
وقيل إن المأمون لما سألهم فمنهم من قال إن علي بن أبي سعيد بن أخت الفضل بن سهل وضعهم عليه ومنهم من أنكر ذلك فقتلهم ثم أحضر عبد العزيز بن عمران وعليا وموسى وخلقا فسألهم فانكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك فلم يقبل منهم وقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل وأنه قد صيره مكانه فوصله الخبر في رمضان ورحل المأمون إلى العراق فكان إبراهيم بن المدي وعيسى وغيرهما بالمدائن وكان أبو البط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه وكان المطلب بن عبد الله بن مالك قد عاد من المدائن فاعتل بأنه مريض فأتى بغداد وجعل يدعو في السر إلى المأمون على أن المنصور بن المهدي خليفة المأمون ويخلعون إبراهيم فأجابه منصور بن المهدي وخزيمة بن خازم وغيرهما من القواد وكتب المطلب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدما فينزل حميد نهر صرصر وينزل على النهروان فلما علم إبراهيم بن المهدي بذلك عاد عن المدائن نحو بغداد فنزل زندورد منتصف صفر وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة يدعوهم فاعتلوا عليه فلما راى ذلك بعث عيسى إليهم فاما منصور وخزيمة فاطعوا بأيديهما وأما المطلب فمنعه مواليه وأصحابه فنادى منادي إبراهيم من أراد النهب فليأت دار المطلب فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره فنهبوها ونهبوا دور أهله ولم يظفروه به وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر فلما بلغ حميدا وعلي بن هشام الخبر أخذ حميد المدائن ونزلها وقطع الجسر وأقاموا بها وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع ثم لم يظفر به
ذكر قتل علي بن الحسين الهمداني
ص 445
في هذه السنة قتل علي بن الحسين الهمداي وأخوه أحمد وجماعة من أهل بيته وكان متغلبا على الموصل
وسبب قتله انه خرج ومعه جماعة من قومه ومن الازد فلما نظر إلى رستاق نينوى والمرج قال نعم البلاد لإنسان واحد
فقال بعض الازد فما نصنع نحن قال تلحقون بعمان فانتشر الخبر ثم أن عليا أخذ رجلا من الازد يقال له عون بن جبلة فبنى عليه حائطا فمات فيه وظهر خبره فركبت الازد عليهم السيد بن انس فاقتتلوا واستنصر علي بن الحسين بخارجي يقال له مهدي بن علوان فاتاه فدخل البلد وصلى بالناس ودعا لنفسه واشتدت الخرب وكانت أخيرا على عبي بن الحسين وأصحابه فخرجوا عن البلد إلى الحديثة فتبعهم الازد إليها فقتلوا عليا وأخاه أحمد وجماعة من أهلهما وسار أخوهما محمد إلى بغداد فنجا وعادت الازد إلى الموصل وغلب السيد عليها وخطب للمأمون وأطاعه ( الهمداني ) ههنا نسبة إلى همدان بسكون الميم وبالدال المهماة وهي قبيلة من اليمن
ذكر عدة حوادث
ص 445
وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل
وفيها أيضا زوج المأمون ابنته أم حبيب بن علي بن موسى الرضا وزوج ابنته أم الفضل من محمد بن علي الرضا بن موسى
وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر ودعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد ومضى إلى اليمن وكان حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان قد غلب على اليمن وفيها في ربيع الآخر ظهرت حمرة في السماء ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر وبقيت إلى آخر الليل وذهبت الحمرة وبقي عمودان أحمران إلى الصبح وفيها توفي أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي المقرئ صاحب وأبي عمرو بن العلاء وإنما قيل له اليزيدي لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي وكان يعلم ولده وفيها توفي والد ذي الرياستين بعد قتل ابنه بستة اشهر وعاشت أمه حتى أدركت عرس بوران ابنة ابنها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.