ذكر ولاية منصور بن المهدي ببغداد
ص 427
وفي هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة فامتنع عن ذلك فأرادوه على الإمرة عليهم على أن يدعو للمأمون بالخلافة فاجابهم إليه وكان سبب ذلك ما ذكرناه قبل من إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد فلما اتصل إخراجه من بغداد بالحسن بن سهل سار من المدائن إلى واسط وذلك أول سنة احدى ومائتين فلما هرب إلى واسط تبعه محمد بن أبي خالد بن الهندوان مخالفا له وقد تولى القيام بأمر الناس وولي سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي ونصر بن حمزة بن مالك الجانب الشرقي وكان ببغداد منصور بن المهدي والفضل بن الربيع وخزيمة بن خازم وقدم عيسى بن محمد بن أبي خالد من الرقة من عند طاهر في هذه الأيام فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل فمضيا ومن معهما إلى قرية أبي قريش قريب واسط ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن في غير موضع فهزماهم ولما انتهى محمد إلى دير العاقول أقام به ثلاثا وزهير بن المسيب مقيم بإسكاف بني الجنيد عاملا للحسن على جوخى وهو يكاتب قواد بغداد فركب إليه محمد وأخذه أسيرا وأخذ كل ماله وسيره أسيرا إلى بغداد وحبسه عند أبيه جعفر ثم تقدم محمد إلى واسط ووجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل وبها نائب للحسن فهزمه هارون وتبعه إلى الكوفة ثم سار المنهزمون من الكوفة إلى الحسن بواسط ورجع هارون إلى أبيه وقد استولى على النيل وسار محمد وهارون نحو واسط فسار الحسن عنها ونزل خلفها وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما تقدم إلى الآن فلما رأى أن محمدا قد بلغ واسطا طلب منه الأمان فأمنه وظهر
وسار محمد إلى الحسن على تعبية فوجه إليه الحسن قواده وجنده فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب محمد بعد العصر وثبت محمد حتى جرح جراحات شديدة وانهزموا هزيمة قبيحة وقتل منهم خلق كثير وغنموا مالهم وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول ونزل محمد بفم الصلح وأتاهم الحسن فاقتتلوا فلما جنهم الليل رحل محمد وأصحابه فنزلوا المبارك فأتاهم الحسن فاقتتلوا فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جبل فأقاموا بها
ووجه محمد ابنه عيسى إلى عرنايا فأقام بها وأقام محمد بجرجرايا فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبو زنبيل إلى بغداد وخلف عسكره لست خلون من ربيع الآخر ومات محمد بن أبي خالد فدفن في داره سرا وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم فأعلمه حال أبيه وأعلم خزيمة ذلك الناس وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه يبذل فيه القيام بأمر الحرب مقام أبيه فرضوا به وصار مكان أبيه وقتل أبو زنبيل زهير بن المسيب من ليلته ذبحه ذبحا وعلق رأسه في عسكر أبيه وبلغ الحسن بن سهل موت محمد فسار إلى المبارك فأقام به وبعث في جمادى الآخرة جيشا له فالتقوا بأبي زنبيل بفم الصراة فهزموه وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل فتقدم جيش الحسن إليهم فلقوهم فاقتتلوا ساعة وانهزم هارون وأصحابه فأتوا المدائن ونهب أصحاب الحسن النيل ثلاثة إلى وما حولها من القرى وكان بنو هاشم والقواد حين مات محمد بن أبي خالد قالوا نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون فأتاهم خبر هارون وهزيمته فجدوا في ذلك وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق وقالوا لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي الحسن بن سهل
وقيل إن عيسى لما ساعده أهل بغداد على حرب الحسن بن سهل علم الحسن أنه لا طاقة له به فبعث إليه وبذل المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية أي النواحي أحب فطلب كتاب المأمون بخطه
وكتب عيسى إلى أهل بغداد أني مشغول بالحرب عن جباية الخراج فولوا رجلا من بني هشام فولوا منصور بن المهدي وقال أنا خليفة أمير المؤمنين المأمون حتى يقدم أو يولي من أحب فرضي به الناس
وعسكر منصور بكلواذي وبعث غسان بن عباد بن أبي الفرج إلى ناحية الكوفة فنزل بقصر ابن هبيرة فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي فأخذه أسيرا وقتل من أصحابه وذلك لأربع خلون من رجب وسير منصور بن المهدي محمد بن يقطين في عسكر إلى حميد فسار حتى أتى كوثر فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه حميد وكان بالنيل فقاتله قتالا شديدا وانهزم ابن يقطين وقتل من أصحابه وأسر وغرق بشر كثير ونهب حميد ما حول كوثى من القرى ورجع حميد إلى النيل وابن يقطين أقام بنهر صرصر
وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد من في عسكره وكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا بين فارس وراجل فأعطى الفارس أربعين درهما والراجل عشرين درهما
ذكر أمر المتطوعة بالمعروف
ص 429
وفي هذه السنة تجردت المتطوعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان سبب ذلك أن فساق بغداد والشطار آذوا الناس أذى شديدا وأظهروا الفسق وقطعوا الطريق وأخذوا النساء والصبيان علانية وكانوا يأخذون ولد الرجل وأهله فلا يقدر أن يمتنع منهم وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر على الامتناع وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم ولا يقدر عليهم لأنه كان يغريهم وهم بطانته وكانوا يمسكون المجتازين في الطريق ولا يعدي عليهم أحد وكان الناس معهم في بلاء عظيم وآخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل وانتهبوها علانية وأخذوا العين والمتاع والدواب فباعوها ببغداد ظاهرا واستعدى أهلها السلطان فلم يعدهم وكان ذلك آخر شعبان فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم فلو اجتمعتم لقمعتم هؤلاء الفساق ولعجزوا عن الذي يفعلونه
فقام رجل يقال له خالد الدريوش فدعا جيرانه وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه إلى ذلك فشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم وامتنعوا عليه وأرادوا قتاله فقاتلهم فهزموهم وضرب من أخذه من الفساق وحبسهم ورفعهم إلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغر على السلطان شيئا
ثم قام بعده رجل من الحربية يقال له سهل بن سلامة الانصاري من أهل خراسان ويكنى أبا حاتم فدعا الناس إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بالكتاب والسنة وعلق مصحفا في عنقه وأمر أهل محلته ونهاهم فقبلوا منه ودعا الناس جميعا الشريف والوضيع من بني هاشم وغيرهم فأتاه خلق عظيم فبايعوه على ذلك وعلى القتال معه لمن خالفه وطاف ببغداد وأسواقها
وكان قيام سهل لأربع خلون من رمضان وقيام الدريوش قبله بيومين أو ثلاثة وبلغ خبر قيامهما إلى منصور بن المهدي وعيسى بن محمد بن أبي خالد فكسرهما ذلك لأن أكثر اصحابهما كان الشطار ومن لا خير فيه ودخل منصور بغداد وكان عيسى يكاتب الحسن بن سهل في الأمان فأجابه الحسن إلى الأمان له ولأهل بغداد وأن يعطي جنده وأهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة ورحل عيسى فدخل بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال وتفرقت العساكر فرضي أهل بغداد بما صالح عليه وبقي سهل على ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذكر البيعة لعلي بن موسى عليه السلام بولاية العهد
ص 430
في هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده ولقبه الرضا من آل محمد وأمر جنده بطرح السواد ولبس الثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد بعد عوده إلى بغداد يعلمه أن المأمون قد جعل علي بن موسى ولي عهده من بعده وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أورع ولا أعلم منه وأنه سماه الرضا من آل محمد وأمره بطرح السواد ولبس الخضرة وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين وأمر محمدا أن يأمر من عنده من أصحابه والجند والقواد وبني هاشم بالبيعة له ولبس الخضرة ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك فدعاهم محمد إلى ذلك فأجاب بعضهم وامتنع بعضهم وقال لا تخرج الخلافة من ولد العباس وإنما هذا من الفضل بن سهل
فمكثوا كذلك أياما وتكلم بعضهم وقالوا نولي بعضنا ونخلع المأمون فكان أشدهم فيه منصور و إبراهيم ابنا المهدي
ذكر الباعث على البيعة لإبراهيم بن المهدي
ص 431
وفي هذه السنة في ذي الحجة خاض الناس في البيعة لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلع المأمون ببغداد وكان سبب ما ذكرناه من إنكار الناس لولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي بن موسى فأظهر العباسيون بغداد أنهك قد كانوا بايعوا لإبراهيم بن المهدي لخمس بقين من ذي الحجة ووضعوا يوم الجمعة رجلا يقول إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم ووضعوا من يجيبه بأننا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادي وتخلعوا المأمون ففعلوا ما أمروهم به فلم يصل الناس جمعة وتفرقوا وكان ذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجة من السنة
ذكر فتح جبال طبرستان والديلم
ص 431
في هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبه والي طبرستان اللارز والشيزر من بلاد الديلم وافتتح جبال طبرستان فأنزل شهريار بن شروين عنها وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسر أبا ليلى ملك الديلم
ذكر ابتداء بابك الخرمي
ص 431
وفيها تحرك بابك الخرمي في الداويدانية أصحاب جاويدان بن سهل صاحب البذ وادعى أن روح جاويدان دخلت فيه وأخذ في العبث والفساد وتفسير جاويدان الدائم الباقي ومعنى خرم فرج وهي مقالات المجوس والرجل منهم ينكح أمه وأخته وابنته ولهذا يسمونه دين الفرج ويعتقدون مذهب التناسخ وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره
ذكر ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية
ص 431
وفي هذه السنة سادس ذي الحجة توفي أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية وكانت إمارته خمس سنين ونحو شهرين وكان سبب موته أنه حدد على كل فدان في عمله ثمانية عشر دينارا كل سنة فضاق الناس لذلك وشكا بعضهم إلى بعض فتقدم إليه رجل من الصالحين اسمه حفص بن عمر الجزري مع رجال من الصالحين فنهوه عن ذلك ووعظوه وخوفوه العذاب في الآخرة وسوء الذكر في الدنيا وزوال النعمة فإن الله تعالى اسمه وجل ثناؤه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال فلم يجبهم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية المذكور إلى ما طلبوا فخرجوا من عنده إلى القيروان فقال لهم حفص لو أننا نتوضأ للصلاة ونصلي ونسأل الله تعالى أن يخفف عن الناس ففعلوا ذلك فما لبث إلا خمسة إلى حتى خرجت قرحة تحت أذنه فلم ينشب أن مات منها وكان من أجمل أهل زمانه ولما مات ولي بعده أخوه زيادة الله بن إبراهيم وبقي أميرا رخى البال وادعا والدنيا عنده آمنة ثم جهز جيشا في أسطول البحر وكان مراكب كثيرة إلى مدينة سردانية وهي للروم فعطب بعضها بعد أن غنموا من الروم وقتلوا كثيرا فلما عاد من سلم منهم أحسن إليهم زيادة الله ووصلهم فلما كان سنة سبع ومائتين خرج عليه زياد بن سهل المعروف بابن الصقلبية وجمع جمعا كثيرا وحصر مدنية باجه فسير إليه زيادة الله العساكر فأزالوه عنها وقتلوا من وافقه على المخالفة
وفي سنة ثمان ومائتين مقل إلى زيادة الله أن منصور بن نصير الطنبذي يريد المخالفة عليه بتونس وهو يسعى في ذلك ويكاتب الجند فلما تحققه سير إليه قائدا اسمه محمد بن حمزة في ثلاثمائة فارس وأمره أن يخفى خبره ويجد السير إلى تونس فلا يشعر به منصور حتى يأخذه فيحمله إليه فسار محمد ودخل تونس فلم يجد منصورا بها كان قد توجه إلى قصره بطنبذة فأرسل إليه محمد قاضي تونس ومعه أربعون شيخا يقبحون له الخلاف وينهونه عنه ويأمرونه بالطاعة فساروا إليه واجتمعوا به وذكروا له ذلك فقال منصور ما خالفت طاعة الأمير وأنا سائر معكم إلى محمد ومن معه إلى الأمير ولكن أقيموا معي يومنا هذا حتى معمل له ولمن معه ضيافة فأقاموا عنده وسير منصور لمحمد ولمن معه الإقامة الحسنة الكثيرة من الغنم والبقر وغير ذلك من أنواع ما يؤكل فكتب إليه يقول إنني صائر اليك مع القاضي والجماعة فركن محمد إلى ذلك وأمر بالغنم فذبحت وأكل هو ومن معه وشربوا الخمر فلما أمسى منصور سجن القاضي ومن معه وسار مجدا فيمن عنده من أصحابه سرا إلى تونس فدخلوا دار الصناعة وفيها محمد وأصحابه فأمر بالطبول فضربت وكبر هو وأصحابه فوثب محمد وأصحابه إلى سلاحهم وقد عمل فيه الشراب وأحاط بهم منصور ومن معه وأقبلت العامة من كل مكان فرجموهم بالحجارة واقتتلوا عامة الليل فقتل من كان مع محمد ولم يسلم منهم إلا من نجا إلى البحر فسبح حتى تخلص وذلك في صفر وأصبح منصور فاجتمع عليه الجند وقالوا نحن لا نثق بك ولا نأمن أن يخليك زيادة الله ويستميلك بدنياه فتميل إليه فإن أحببت أن نكون معك فاقتل أحدا من أهله ممن عندك فأحضر إسماعيل بن سفيان بن سالم بن عقال وهو من أهل زيادة الله فكان هو العامل على تونس فلما حضر أمر بقتله
فلما سمع زيادة الله الخبر سير جيشا كثيفا واستعمل عليهم غلبون واسمه الأغلب بن عبد الله بن الأغلب وهو وزير زيادة الله إلى منصور الطنبذي فلما ودعهم زيادة الله تهددهم بالقتل إن انهزموا
فلما وصلوا إلى تونس خرج إليهم منصور فقاتلهم فانهزم جيش زيادة الله عاشر ربيع الأول فقال القواد الذين فيه لغلبون لا نأمن زيادة الله على أنفسنا فإن أخذت لنا أمانا حضرنا عنده
وفارقوه واستولوا على عدة مدن فأخذوها منها باجه والجزيرة وصطفورة ومنير والأربس وغيرها فاضطربت أفريقية واجتمع الجند كلهم إلى منصور وأطاعوه لسوء سيرة زيادة الله كانت معهم فلما كثر جمع منصور سار إلى القيروان فحصرها في جمادى الأولى وخندق على نفسه وكان بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة وعمر منصور سور القيروان فوالاه أهلها فبقي الحصار عليه أربعين يوما ثم إن زيادة الله عبى أصحابه وجمعهم وسار معهم الفارس والراجل فكانوا خلقا كثيرا فلما رآهم منصور راعه ما راى وهاله ولم يكن يعرف ذلك من زيادة الله لما كان فيه من الوهن فزحف منصور إليه بنفسه أيضا فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا وانهزم منصور ومن معه ومضوا هاربين وقتل منهم خلق كثير وذلك منتصف جمادى الآخرة
وأمر زيادة الله أن ينتقم من أهل القيروان بما جنوه من مساعدة منصور والقتال معه وبما تقدم أولا من مساعدة عمران بن مجالد لما قاتل أباه إبراهيم بن الأغلب فمنعه أهل العلم والدين فكف عنهم وخرب سور القيروان ولما انهزم منصور فارقه كثير من أصحابه الذين صاروا معه منهم عامر بن نافع وعبد السلام بن المفرج إلى البلاد التي تغلبوا عليها
ثم إن زيادة الله سير جيشا سنة تسع ومائتين إلى مدينة سبيبة واستعمل عليهم محمد بن عبد الله بن الأغلب وكان بها جمع من الجند الذين صاروا مع منصور عليهم عمر بن ناع فالتقوا في العشرين من المحرم واقتتلوا فانهزم ابن الأغلب وعاد هو ومن معه إلى القيروان فعظم الأمر على زيادة الله وجمع الرجال وبذل الأموال وكان عيال الجند الذين مع منصور بالقيروان فلم يعرض لهم زيادة الله فقال الجند لمنصور الرأي أن تحتال في نقل العيال من القيروان لنأمن عليهم فسار بهم منصور إلى القيروان وحصر زيادة الله ستة عشر يوما ولم يكن منهم قتال وأخرج الجند نساءهم وأولادهم من القيروان وانصرف منصور إلى تونس ولم يبق زيادة الله من أفريقية كلها إلا قابس والساحل ونفزاوة وطرابلس فإنهم تمسكوا بطاعته وأرسل الجند إلى زيادة الله أن ارحل عنا وخل أفريقية ولك الأمان على نفسك ومالك وما ضمه قصرك فضاق به وغمه الأمر فقال له سفيان بن سوادة مكني من عسكرك لاختار منهم مائتي فارس وأسير بهم إلى نفزاوة فقد بلغني أن عامر بن نافع يريد قصدهم فإن ظفرت كان الذي تحب وإن تكن الأخرى عملت برأيك فأمره بذلك فأخذ مائتي فارس وسار إلى نفزاوة فدعا برابرها إلى نصرته فأجابوه وسارعوا إليه واقبل عامر بن نافع في العسكر إليهم فالتقوا واقتتلوا فانهزم عامر ومن معه وكثر القتل فيهم ورجع عامر إلى قسطسلية فجبى أموالها ليلا ونهارا في ثلاثة إلى وساروا عنها واستخلف عليها من يضبطها فهرب منها أيضا خوفا من أهلها فأرسل أهل قسطيلية إلى ابن سوادة وسألوه أن يجيء إليهم فسار إليهم وملك قسطيلية وضبطها
وقد قيل إن هذه الحوادث المذكورة سنة ثمان وتسع مائتين إنما كانت سنة تسع وعشر ومائتين
( طنبذة ) بضم الطاء المهملة وسكون النون وضم الباء الموحدة وبذال معجمة وآخره هاء و ( صطفوره ) بفتح الصاد وسكون الطاء وضم الفاء وسكون الواو وآخره هاء و ( سبيبه ) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الباء الثانية الموحدة وآخره هاء و ( نفزاوة ) بالنون والفاء الساكنة وفتح الزاي وبعد الألف واو ثم هاء
ذكر ما فتحه زيادة الله بن الأغلب من جزيرة صقلية وما كان فيها من
ص 435
في سنة اثنتي عشرة ومائتين جهز زيادة الله جيشا في البحر وسيرهم إلى جزيرة صقلية واستعمل عليهم أسد بن الفرات قاضي القيروان وهو من أصحاب مالك وهو مصنف الأسدية في الفقه على مذهب مالك فلما وصولوا إليها ملكوا كثيرا منها وكان سبب إنفاذ الجيش أن ملك الروم بالقسطنطينية استعمل على جزيرة صقلية بطريقا اسمه قسطنطين سنة احدى عشرة ومائتين فلما وصل إليها استعمل على جيش الأسطول إنسانا روميا ايمه فيمي كان حازما شجاعا فغزوا أفريقية وأخذ من سواحلها تجارا ونهب وبقي هناك مديدة ثم إن ملك الروم كتب إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي مقدم الأسطول وتعذيبه فبلغ الخبر إلى فيمي فأعلم أصحابه فغضبوا له وأعانوه على المخالفة فسار في مراكبه إلى صقلية واستولى على مدينة سرقوسة فسار إليه قسطنطين فالتقوا واقتتلوا فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية فسير إليه فيمي جيشا فهرب منهم فأخذ وقتل وخوطب فيمي بالملك واستعمل على ناحية من الجزيرة رجلا اسمه بلاطه فخالف على فيمي وعصى واتفق هو وابن عم له اسمه ميخائيل وهو والي مدينة بلزم وجمعا عسكرا كثيرا فقاتلا فيمي وانهزم فاستولى بلاطه على مدينة سرقوسة وركب فيمي ومن معه في مراكبهم إلى أفريقية وأرسل إلى الامير زيادة الله يستنجده ويعده بملك جزيرة صقلية فسير معه جيشا في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين فوصولا إلى مدينة مازر من صقلية فساروا إلى بلاطه الذي قاتل فيمي فلقيهم جمع للروم فقاتلهم المسلمون وأمروا فيمي ومن معه أن يعتزلوهم واشتد القتال بين المسلمين والروم فانهزمت الروم وغنم المسلمون أموالهم ودوابهم وهرب بلاطه إلى قلورية فقتل بها
واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة ووصل إلى قلعة تعرف بقلعة الكراث وقد اجتمع إليها خلق كثير فخدعوا القاضي أسد بنت الفرات أمير المسلمين وذلوا له فلما رآهم فيمي مال إليهم وراسلهم أن يثبتوا ويحفظوا بلدهم فبذلوا لأسد الجزية وسألوه أن لا يقرب منهم فاجابهم إلى ذلك وتأخر عنهم أياما فاستعدوا للحصار ودفعوا إليهم ما يحتاجون إليه فامتنعوا عليه وناصبهم الحرب وبث السرايا في كل ناحية فغنموا شيئا كثيرا وافتتحوا عمرانا كثيرة حول سرقوسة وحاصروا سرقوسة برا وبحرا ولحقته الأمداد من أفريقية فسار إليهم والي بلرم في عساكر كثيرة فخندق المسلمون عليهم وحفروا خارج الخندق حفرا كثيرة فحمل الروم عليهم فسقط في تلك الحفر كثير منهم فقتلوا وضيق المسلمون على سرقوسة فوصل أسطول من القسطنطينية فيه جمع كثير وكان قد حل بالمسلمين وباء شديد سنة ثلاث عشرة ومائتين هلك فيه كثير منهم وهلك فيه أميرهم أسد بن الفرات وولي الأمر على المسلمين بعده محمد بن أبي الجواري فلما رأى المسلمون شدة الوباء ووصول الروم تحملوا في مراكبهم ليسيروا فوقف الروم في مراكبهم على باب المرسى فمنعوا المسلمين من الخروج فلما رأى المسلمون ذلك أحرقوا مراكبهم وعادوا ورحلوا إلى مدينة ميناو فحصروها ثلاثة إلى وتسلموا الحصن فسار طائفة منهم إلى حصن جرجنت فقاتلوا أهله وملكوه وسكنوا فيه واشتدت نفوس المسلمين بهذا الفتح وفرحوا ثم ساروا إلى مدينة قصريانة ومعهم فيمي فخرج أهلها إليه فقبلوا الأرض بين يديه فأجابوه إلى أن يملكوه عليهم وخدعوه ثم قتلوه
ووصل جيش كثير من القسطنطينية مددا لمن في الجزيرة فتصافوا هم والمسلمون فانهزم الروم وقتل منهم خلق كثير ودخل من سلم قصريانه
وتوفي محمد بن أبي الجواري أمير المسلمين وولي بعده زهير بن غوث
ثم إن سرية المسلمين سارت للغنيمة فخرج عليها طائفة من الروم فاقتتلوا وانهزم المسلمون وعادوا من الغد ومعهم جمع العسكر فخرج إليهم الروم وقد اجتمعوا وحشدوا وتصافوا مرة ثانية فانهزم المسلمون أيضا وقتل منهم نحو ألف قتيل وعادوا إلى معسكرهم وخندقوا عليهم فحصرهم الروم ودام القتال بينهم فضاقت الأقوات على المسلمين فعزموا على بيات الروم فعلموا بهم ففارقوا الخيم وكانوا بالقرب منها فلما خرج المسلمون لم يرو أحدا وأقبل عليهم الروم من كل ناحية فأكثروا القتل فيهم وانهزم الباقون فدخلوا ميناو ودام الحصار عليهم حتى أكلوا الدواب والكلاب فلما سمع من في مدينة جرجنت من المسلمين ما هم عليه هدموا المدينة وساروا إلى مازر ولم يقدروا على نصرة إخوانهم
ودام الحال كذلك إلى أن دخلت سنة أربع عشرة ومائتين وقد أشرف المسلمون على الهلاك وإذ قد أقبل أسطول كثير من الأندلس خرجوا غزاة ووصل في ذلك الوقت مراكب كثيرة من أفريقية مددا للمسلمين فبلغت عدة الجميع ثلاثمائة مركب فنزلوا إلى الجزيرة فانهزم الروم عن حصار المسلمين وفرج الله عنهم وسار المسلمون إلى مدينة بلرم فحصروها وضيقوا على من بها فطلب صاحبها الأمان لنفسه ولأهله ولماله فأجيب إلى ذلك وسار في البحر إلى بلاد الروم
ودخل المسلمون البلد في رجب سنة ست عشرة ومائتين فلم يروا فيه إلا أقل من ثلاثة آلاف إنسان وكان فيه لما حصروه سبعون ألفا وماتوا كلهم وجرى بين المسلمين أهل أفريقية وأهل الأندلس خلف ونزاع ثم اتفقوا وبقي المسلمون إلى سنة تسع عشرة ومائتين
وسار المسلمون إلى مدينة قصريانة فخرج من فيها من الروم فاقتتلوا أشد قتال ففتح الله على المسلمين وانهزم الروم إلى معسكرهم ثم رجعوا في الربيع فقاتلوهم فنصر المسلمون أيضا ثم ساروا سنة عشرين ومائتين وأمرهم محمد بن عبد الله إلى قصريانة فقاتلهم فانهزموا وأسرت امرأة لبطريقهم وابنه وغنموا ما كان في عسكرهم وعادوا إلى بلرم ثم سير محمد بن عبد الله عسكرا إلى ناحية طبرمين عليهم محمد بن سالم فغنم غنائم كثيرة ثم عدا عليه بعض عسكره فقتلوه ولحقوا بالروم فأرسل زيادة الله من أفريقية الفضل بم يعقوب عوضا منه فسار في سرية إلى ناحية سوقوسة فأصابوا غنائم كثيرة وعادوا
ثم سارت سرية كبيرة فغنمت وعادت فعرض لهم البطريق ملك الروم بصقلية وجمع كثير فتحصنوا من الروم في أرض وعرة وشجر كثيف فلم يتمكن من قتالهم وواقفهم إلى العصر فلما رأى أنهم لا يقاتلونهم عاد عنهم فتفرق أصحابه وتركوا التعبية فلما رأى المسلمون ذلك حملوا عليهم حملة صادقة فانهزم الروم وطعن البطريق وجرح عدة جراحات وسقط عن فرسه فأتاه حماة أصحابه واستنقذوه جريحا وحملوه وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ومتاع ودواب فكانت وقعة عظيمة
وسير زيادة الله من أفريقية إلى صقلية أبا الأغلب إبراهيم بن عبد الله أميرا عليها فخرج إليها فوصل إليها منتصف رمضان فبعث أسطولا آخر إلى قوصرة فظفر بحراقة فيها رجال من الروم ورجل متنصر من أهل افريقية فأتي بهم فضرب رقابهم وسارت سرية أخرى إلى جبل النار والحصون التي في تلك الناحية فأحرقوا الزرع وغنموا وأكثروا القتل
ثم سيروا أبو الأغلب سنة إحدى وعشرين ومائتين سرية إلى جبل النار أيضا فغنموا غنائم عظيمة حتى بيع الرقيق بأبخس الأثمان وعادوا سالمين وفيها جهز أسطولا فساروا نحو الجزائر فغنموا غنائم عظيمة وفتحوا مدنا ومعاقل وعادوا سالمين وفيها سير أبو الأغلب أيضا سرية إلى قسطلياسة فغنموا وسبوا ولقيهم العدو فكانت بينهم حرب استظهر فيها الروم
وسير سرية إلى مدينة قصريانة فخرج إليهم العدو فاقتتلوا فانهزم المسلمون وأصيب منهم جماعة
ثم كانت وقعة أخرى بين الروم والمسلمين فانهزم الروم وغنم المسلمون منهم تسعة مراكب كبار برجالها وشلندس فلما جاء الشتاء وأظلم الليل رأى رجل من المسلمين غفلة من أهل قصريانة فقرب منه ورأى طريقا فدخل منه ولم يعلم به أحد ثم انصرف إلى العسكر فأخبرهم فجاؤوا معه فدخلوا من ذلك الموضع وكبروا وملكوا ربضه وتحصن المشركون منهم بحصنه فطلبوا الأمان فأمنوهم وغنم المسلمون غنائم كثيرة وعادوا إلى بلرم
وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين وصل كثير من الروم في البحر إلى صقلية وكان المسلمون قد حاصروا جفلوذي وقد طال حصارها فلما وصل الروم رحل المسلمون عنها وجرى بينهم وبين الروم الواصلين حروب كثيرة ثم وصل الخبر بوفاة زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير أفريقية فوهن المسلمون ثم تشجعوا وضبطوا أنفسهم ( سرقوسة ) بسين مفتوحة وقاف وواو وسين ثانية ( وبلرم ) بفتح الباء الموحدة واللام وتسكين الراء وبعدها ميم ( وميناو ) بميم وياء تحتها نقطتان ونون وبعد الألف واو و ( جرجنت ) بجيم وراء وجيم ثانية مفتوحة وتاء فوقها نقطتان و ( قصريانة ) بالقاف والصاد المهملة والراء والياء نحنها نقطتان وبعد الألف نون مشددة وهاء
ذكر عدة حوادث
ص 439
في هذه السنة مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا وفيها أصاب أهل خراسان واصبهان والري مجاعة شديدة وكثر الموت فيهم
وحج بالناس هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.