الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
72

ثم دخلت سنة مائتين

الجزء الخامس 10 عنصر صفحة 420
ذكر هرب أبي السرايا ص 420

في هذه السنة هرب أبو السرايا من الكوفة وكان قد حصره فيها ومن معه هرثمة وجعل يلازم قتالهم حتى ضجروا وتركوا القتال فلما رأى ذلك أبو السرايا تهيأ للخروج من الكوفة فخرج في ثمانمائة فارس ومعه محمد بن محمد بن زيد ودخلها هرثمة فأمن أهلها ولم يتعرض إليهم وكان هربه سادس عشر المحرم وأتى القادسية وسار منها إلى السوس بخوزستان فلقي مالا قد حمل من الأهواز فأخذه وقسمه بين أصحابه وأتاه الحسن بن علي المأموني فأمره بالخروج من عمله وكره قتاله فأبى أبو السرايا إلا قتاله فقاتله فهزمه المأموني وجرحه وتفرق أصحابه وسار هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك نحو منزل أبي السرايا برأس عين فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش فأخذهم وأتى بهم الحسن بن سهل وهو بالنهروان فقتل أبا السرايا وبعث رأسه إلى المأمون ونصبت جثته على جسر بغداد وسير محمد بن محمد إلى المأمون وأما هرثمة فإنه أقام بالكوفة يوما واحدا وعاد واستخلف بها غسان بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس والي خراسان وسار علي بن سعيد إلى البصرة فأخذها من العلويين وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي عليه السلام وهو الذي يسمى زيد النار وإنما سمي بها لكثرة ما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم وكان إذا أتى رجل من المسودة أحرقه وأخذ أموالا كثيرة من أموال التجار سوى أموال بني العباس فلما وصل علي إلى البصرة استأمنه زيد فأمنه وأخذه وبعث إلى مكة والمدينة واليمن جيشا فأمرهم بمحاربة من بها من العلويين وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر

ذكر ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر ص 421

في هذه السنة ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد وكان بمكة فلما بلغه خبر أبي السرايا وما كان منه سار إلى اليمن وبها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عاملا للمأمون فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار منها نحو مكة فأتى المشاش فعسكر بها واجتمع بها إليه جماعة من أهل مكة هربوا من العلويين واستولى إبراهيم على اليمن وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ الأموال

ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة والبيعة لمحمد بن جعفر ص 421

وفي هذه السنة في المحرم نزع الحسين كسوة الكعبة وكساها كسوة أخرى أنفذها أبو السرايا من الكوفة من القز وتتبع ودائع بني العباس واتباعهم وأخذها وأخذ أموال الناس بحجة الودائع فهرب الناس منه وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم وأخذ ما على الأساطين من الذهب وهو نزر حقير

وأخذ ما في خزانة الكعبة فقسمه مع كسوتها على أصحابه فلما بلغه قتل أبي السرايا ورأى تغير الناس لسوء سيرته وسيرة أصحابه أتى هو وأصحابه إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عليه السلام وكان شيخا محببا للناس مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة وكان يروي العلم عن أبيه جعفر رضي الله عنه وكان الناس يكتبون عنه وكان يظهر زهدا فلما أتوه قالوا له تعلم منزلتك من الناس فهلم نبايع لك بالخلافة فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان فامتنع من ذلك فلم يزل به ابنه علي والحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه على رأيه وأجابهم وأقاموه في ربيع الأول فبايعوه بالخلافة وجمعوا له الناس فبايعوه طوعا وكرها وسموه أمير المؤمنين فبقي شهورا وليس له من الأمر شيء وابنه علي والحسين بن الحسن وجماعتهم أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح فعلا فوثب الحسين بن الحسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة وأرادها على نفسها فامتنعت منه فأخاف زوجها وهو من بني مخزوم حتى توارى عنه ثم كسر باب دارها وأخذها إليه مدة ثم هربت منه ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد وهو ابن قاضي مكة يقال له إسحاق بن محمد وكان جميلا فأخذه قهرا

فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من المجاورين اجتمعوا بالحرم واجتمع معهم جمع كثير فأتوا محمد بن جعفر فقالوا له لنخلعنك أو لقتلنك أو لتردن الينا هذا الغلام فأغلق بابه وكلمهم من شباك وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك فأمنوه فركب إلى ابنه وأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فنزل المشاش واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر وأعلموه وحفروا خندقا وجمعوا الناس من الاعراب وغيرهم فقاتلهم إسحاق ثم كره القتال فسار نحو العراق فلقيه الجند الذين أنفذهم هرثمة إلى مكة ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل فقالوا لإسحاق ارجع معنا ونحن نكفيك القتال فرجع معهم فقاتلوا الطالبيين فهزموهم فأرسل محمد بن جعفر يطلب الأمان فأمنوه ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة وأما محمد بن جعفر فسار نحو الجحفة فأدركه بعض موالي بني العباس فأخذ جميع ما معه وأعطاه دريهمات يتوصل بها فسار نحو بلاد جهينة فجمع بها وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة عند الشجرة وغيرها عدة دفعات فانهزم محمد وفقئت عينه بنشابة وقتل من أصحابه بشر كثير ورجع إلى موضعه فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي ومن رجاء بن جميل وهو ابن عمة الفضل بن سهل فأمنه وضمن له الرجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان فقبل ذلك فأتي مكة العشر بقين من ذي الحجة فخطب الناي وقال إنني بلغني أن المأمون مات وكانت له في عنقي بيعة وكانت فتنة عمت الأرض فبايعني الناس ثم إنه صح عندي أن المأمون حي صحيح وأنا أستغفر الله من البيعة وقد خلعت نفسي من البيعة التي بايعتموني عليها كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي فلا بيعة لي في رقابكم ثم نزل وسار سنة احدى ومائتين إلى العراق فسيره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو فلما سار المأمون إلى العراق صحبه فمات بجرجان على ما نذكره إن شاء الله تعالى

ذكر ما فعله إبراهيم بن موسى ص 422

وفي هذه السنة وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر فبلغه ان أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن فعلم العقيلي أنه لا يقوى لهم فأقام ببستان ابن عامر فاجتازت به قافلة من الحاج ومعهم كسوة الكعبة وطيبها فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين فاستشار المعتصم أصحابه فقال الجلودي أنا أكفيك ذلك فانتخب مائة رجل وسار بهم إلى العقيلي فصحبهم فقاتلهم فانهزموا وأسر أكثرهم وأخذ كسوة المعبة وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك فرده وأخذ الأسرى فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط وأطلقهم فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس فهلك أكثرهم في الطريق جوعا وعريا

ذكر مسير هرثمة إلى المأمون وقتله ص 423

لما فرغ هرثمة من أبي السرايا رجع فلم يأت الحسن بن سهل وكان بالمدائن بل سار على عقرقوف حتى أتى البردان والنهروان وأتى خراسان فاتته كتب المأمون في غير موضع لأن يأتي إلى الشام والحجاز فأبى وقال لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين إدلالا منه عليه ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه

وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل وما يكتم عنه من الأخبار وأنه لا يدعه حتى يرده إلى بغداد ليتوسط سلطانه فعلم الفضل بذلك فقال للمأمون إن هرثمة قد أثقل عليك البلاد والعباد ودس أبا السرايا وهو من جنده ولو أراد لم يفعل ذلك وقد كتبت إليه عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل وقد جاء مشاقا يظهر القول الشديد فإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره فتغير قلب المأمون

وأبطأ هرثمة إلى ذي القعدة فلما بلغ مرو خشي أن يكتم قدومه عن المأمون فأمر بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون فسمعها فقال ما هذا قالوا هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق فظن هرثمة أن قوله المقبول فأمر المأمون بإدخاله فلما دخل عليه قال له المأمون مالأت أهل الكوفة العلويين ووضعت أبا السرايا ولو شئت أن تأخذهم جميعا لفعلت فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر فلم يقبل منه فأمر به فديس بطنه وضرب أنفه وسحب من بين يديه وقد أمر الفضل الأعوان بالتشديد عليه فحبس فمكث في الحبس أياما ثم دس إليه من قتله وقالوا مات

ذكر وثوب الحربية ببغداد ص 424

وفيها كان الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل وكان سبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى المأمون فلما اتصل ببغداد وسمع ما صنعه المأمون بهرثمة بعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام وهو والي بغداد من قبله أن ماطل الجند من الحربية أرزاقهم ولا تعطهم وكانت الحربية قبل ذلك حين خرج هرثمة إلى خراسان قد وثبوا وقالوا لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداد فطردوهم وصيروا إسحاق بن موسى الهادي خليفة المأمون ببغداد واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به فدس الحس إليهم وكاتب قوادهم حتى يبعثوا من جانب عسكر المهدي فحول الحربية إسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل

وجاء زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدي وبعث الحسن علي بن هشام في الجانب الآخر وهو ومحمد بن أبي خالد ودخلوا بغداد ليلا في شعبان وقاتل الحربية ثلاثة إلى على قنطرة الصراة ثم وعدهم رزق سنة اشهر إذا أدركت الغلة فسألوه تعجيل خمسين درهما لكل رجل منهم ينفقونها في رمضان فأجابهم إلى ذلك وجعل يعطيهم فلم يتم العطاء حتى أتاهم خبر زيد بن موسى من البصرة المعروف بزيد النار وكان هرب من الحبس وكان عند علي بن سعيد فخرج بناحية الأنبار هو وأخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين فبعثوا إليه فأتي به إلى علي بن هشام وهرب علي بن هشام بعد جمعة من الحربية ونزل بصرصر لأنه لم يف لهم بإعطاء الخمسين إلى أن جاء الأضحى وبلغهم خبر هرثمة وأخرجوه وكان القيم بأمر هرثمة محمد بن أبي خالد لأن علي بن هشام كان يستخف به فغضب من ذلك وتحول إلى الحربية فلم يقربهم علي فهرب إلى صرصر ثم هزموه من صرصر

وقيل كان السبب في شغب الابناء أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن علي بن ماهان الحد فغضب الابناء وخرجوا

ذكر فتنة بالموصل ص 425

وفيها وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة فاستجارت ثعلبة بمحمد بن الحسين الهمداني وهو أخو علي بن الحسين أمير البلد فأمرهم بالخروج إلى البرية ففعلوا فتبعهم بنو سامة في ألف رجل إلى العوجاء وحصروهم فيها فبلغ الخبر عليا ومحمدا ابني الحسين فأرسلا الرجال إليهم واقتتلوا قتالا شديدا فقتل من بني سامة جماعة وأسر جماعة منهم ومن بني تغلب وكانوا معهم فحبسوا في البلد ثم ان أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي أتى محمدا وطلب إليه المسالمة فأجابه إليه وصلح الأمر وسكنت الفتنة

ذكر الغزاة إلى الفرنج ص 425

وفي هذه السنة جهز الحكم أمير الأندلس جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج بالأندلس فسار بالعساكر حتى دخل بأرضهم وتوسط بلادهم فخربها ونهبها وهدم عدة من حصونها كلما أهلك موضعا وصل إلى غيره فاستنفذ خزائن ملوكهم فلما رأى ملكهم فعل المسلمين ببلادهم كاتب ملوك جميع تلك النواحي مستنصرا بهم فاجتمعت إليه النصرانية من كل أوب فأقبل في جموع عظيمة بإزاء عسكر المسلمين بينهم نهر فاقتتلوا قتالا شديدا عدة إلى المسلمون يريدون أن يعبروا النهر وهم يمنعون المسلمين من ذلك فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر فعبر المشركون إليهم فاقتتلوا أعظم قتال فانهزم المشركون إلى النهر فأخذهم السيف والأسر فمن عبر النهر سلم وأسر جماعة من جنودهم وملوكهم وقمامصتهم وعاد الفرنج ولزموا جانب النهر يمنعون المسلمين من جوازه فبقوا كذلك ثلاثة عشر يوما يقتتلون كل يوم فجاءت الأمطار وزاد النهر وتعذر جوازه فقفل عبد الكريم عنهم سابغ ذي الحجة

ذكر خروج البربر بناحية مورور ص 425

وفي هذه السنة خرج خارجي من البربر بناحية مورور من الأندلس ومعه جماعة فوصل كتاب العامل إلى الحكم بخبره فأخفى الحكم خبره واستدعى من ساعته قائدا من قواده فأخبره بذلك سرا وقال له سر من ساعتك إلى هذا الخارجي فائتني برأسه والا فرأسك وعوضه وأنا قاعد مكاني هذا إلى أن تعود فسار القائد إلى الخارجي فلما قاربه سأل عنه فأخبر عنه باحتياط كثير واحتراز شديد ثم ذكر قول الحكم إن قتلته وإلا فرأسك عوضه فحمل نفسه على سبيل سلوك المخاطرة فأعمل الحيلة حتى دخل عليه وقتله وأحضر عند الحكم فرآه بمكانه ذلك لم يتغير منه وكانت غيبته أربعة إلى فلما رأى رأسه أحسن إلى ذلك القائد ووصله وأعلى محله

( مورور ) بفتح الميم وسكون الواو وضم الراء وسكون الواو الثانية وآخره راء ثانية

ذكر عدة حوادث ص 426

في هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك لإحضار علي بن موسى بن جعفر بن محمد وأحصي في هذه السنة ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى

وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها اليون وكان ملكه سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجيش ثانية

وفيها خالف علي بن أبي سعيد على الحسن بن سهل فبعث المأمون إليه بسراج الخادم وقال له إن وضع يده في يد الحسن بن سهل أو شخص إلى بمرو وإلا فاضرب عنقه

فسار إليه سراج فأطاع وتوجه إلى المأمون بمرو مع هرثمة وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل لأنه قال له يا أمير المؤمنين

وحج بالناس هذه السنة المعتصم وفيها توفي القاضي أبو البختري وهب بن وهب ومعروف الكرخي الزاهد وصفوان بن عيسى الفقيه والمعافى بن داود الموصلي وكان فاضلا عابدا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.