فيها سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع بن الليث وكان مريضا واستخلف على الرقة ابنه القاسم وضم إليه خزيمة بن خازم وسار من بغداد إلى النهروانم لخمس خلون من شعبان واستخلف على بغداد انه الأمين وأمر المأمون بالمقام ببغداد فقال الفضل بن سهل للمأمون حين أراد الرشيد المسير إلى خراسان لست تدري ما يحدث بالرشيد وخراسان ولايتك ومحمد الأمين المقدم عليك وإن أحسن ما يصنع بم أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم وزبيدة وأموالها فاطلب إلى أمير المؤمنين أن تسير معه فطلب إليه ذلك فأجابه بعد امتناع فلما سار الرشيد سايره الصباح الطبري فقال له يا صباح لا أظنك تراني أبدا فدعا فقال ما أظنك تدري ما أجد قال الصباح لا والله فعدل عن الطريق واستظل بشجرة وأمر خواصه بالبعد فكشف عن بطنه فإذا عليه عصابة حرير حوالي بطنه فقال هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبرائيل بن بختيشوع رقيب الأمين وما منهم أحد إلا وهو يحصى أنفاسي ويستطيل دهري وان أردت أن تعلم ذلك فالساعة أدعو بدابة فيأتوني بدابة أعجف قطوف لتزيد بي علتي فاكتم علي ذلك فدعا له بالبقاء ثم طلب الرشيد دابة فجاؤوا بها على ما وصف فنظر إلى الصباح وركبها
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة
$ وفيها تحركت الخرمية بناحية أذربيجان فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسيب وأسر ووافاه بقرماسين فأمره بقتل الأسرى وبيع السبي وفيها قدم يحيى بن معاذ على الرشيد بأبي النداء فقتله وفيها فارق جماعة من القواد رافع بن الليث وصاروا إلى هرثمة منهم عجيف بن عنبسة وغيره وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن نصر بن مالك وغزا فافتتح مطمورة وفيها كان الفداء بالبذندون وفيها خرج ثروان الحروري بطف البصرة فقاتل عامل السلطان بها وفيها مات عيسى بن جعفر المنصور بالدسكرة وهو يريد اللحاق بالرشيد وفيها قتل الرشيد الهيصم الكناني
وحج بالناس هذه السنة العباس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور وفيها كان وصول هرثمة إلى خراسان كما تقدم وحصر هرثمة رافع بن الليث بسمرقند وضايقه واستقدم طاهر بن الحسين فحضر عنده وخلت خراسان لحمزة الخارجي حتى دخلها وصار يقتل ويجمع الأموال ويحملها إليها عمال هراة وسجستان فخرج إليه عبد الرحمن النيسابوري فاجتمع إليه نحو عشرين ألفا فسار إلى حمزة فقاتله قتالا شديدا فقتل من أصحاب حمزة خلقا وسار خلفه حتى بلغ هراة وكان ذلك سنة أربع وتسعين فكتب إليه المأمون فرده وأدام هرثمة على حصار سمرقند حتى فتحها على ما نذكره إن شاء الله تعالى وقتل رافع بن الليث وجماعة من أقربائه واستعمل على ما وراء النهر ابن يحيى فعاد وكان قتله رافعا سنة خمس وتسعين
وفي هذه السنة توفي عبد الله بن ادريس بن يزيد الأودي الكوفي ويوسف بن أبي يوسف القاضي وفيها كان الفداء الثاني بين المسلمين والروم وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي وكان عدة الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير
وقال يعقوب بن داود بعث إلي المهدي يوما فدخلت عليه وهو في مجلس مفروش بفرش مورد على بستان فيه شجر ورؤوس الشجر مع صجن المجلس وقد اكتسى ذلك الشجر بالأزهار من الخوخ والتفاح فما رأيت شيئا أحسن منه وعنده جارية عليها نحو ذلك الفرش ما رأيت أحسن منها فقال لي يا يعقوب كيف ترى مجلسنا هذا قلت على غاية الحسن فمتع الله أمير المؤمنين به قال هو لك بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به قال فدعوت له ثم قال لي يا يعقوب ولي إليك حاجة أحب أن تضمن لي قضاءها قلت الأمر لأمير المؤمنين وعلي السمع والطاعة فاستحلفني بالله وبرأسه فحلفت لأعملن بما قال فقال هذا فلان بن فلان من ولد علي بن أبي وأحب أن تكفيني مؤنته وتريحني منه وتعجل ذلك قلت أفعل فأخذته وأخذت الجارية وجميع ما في المجلس وأمر لي بمائة ألف درهم فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر وادخلت العلوي إلي وسألته عن حاله فأخبرني وإذا هو أعقل الناس وأحسنهم أبانة عن نفسه ثم قال ويحك يا يعقوب تلقى الله بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد قلت لا والله فهل فيك أنت خير قال كذا وكذا فأرسلت إلى من يثق إليه العلوي فأخذه وأعطيته مالأ وأرسلت الجارية إلى المهدي تعلمه الحال فأرسل إلى الطريق فأخذ العلوي وصاحبه والمال
فلما كان الغد استحضرني المهدي وسألني عن العلوي فأخبرته أني قتلته فاستحلفني بالله وبرأسه فحلفت له فقال يا غلام اخرج الينا في هذا البيت فأخرج العلوي وصاحبه والمال فبقيت متحيرا وامتنع مني الكلام فما أدري ما أقول فقال المهدي قد حل لي دمك ولكن احبسوه في المطبق ولا أذكر به فحبست في المطبق واتخذ لي فيه بئر فدليت فيها فبقيت مدة لا أعرف عددها وأصبت ببصري وطال شعري حتى استرسل كهيئة البهائم قال فإني كذللك إذا دعي بي وقيل يلي سلم على أمير المؤمنين فسلمت قال أي أمير المؤمنين أنا قلت المهدي قال رحم الله المهدي قلت فالهادي قال رحم الله الهادي قلت فالرشيد قال نعم سل حاجتك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
