الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
66

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة

الجزء الخامس 9 عنصر صفحة 352
ذكر موت الفضل بن يحيى ص 352

في هذه السنة مات الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة وكانت علته أنه أصابه ثقل في لسانه وشقه فعولج أشهرا فبرأ وكان يقول ما أحب أن يموت الرشيد لأن أمري قريب من أمره فلما صح من علته وتحدث عادته العلة واشتدت عليه وانعقد لسانه وطرفه فمات في المحرم وصلى عليه اخوانه في القصر الذي كانوا فيه ثم أخرج فصلى عليه الناس وجزع الناس وكان موته قبل الرشيد بخمسة أشهر وهو ابن خمس وأربعين سنة وكان من محاسن الدنيا لم ير في العالم مثله ولاشتهار أخباره وأخبار أهله وحسن سيرتهم لم نذكرها وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري وفيها كانت وقعة بين هرثمة وأصحاب رافع كان الظفر لهرثمة وافتتح بخارى وأسر بشيرا أخا رافع فبعث به إلى الرشيد

ذكر موت الرشيد ص 352

وفي هذه السنة مات الرشيد أول جمادى الآخرة لثلاث خلون منه وكانت قد اشتدت علته بالطريق بجرجان فسار إلى طوس فمات بها

قال جبرائيل بن بخيتشوع كنت مع الرضشيد بالرقة وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة أتعرف حاله في ليلته ثم يحدثني وينبسط إلي ويسألني عن أخبار العامة فدخلت عليه يوما فسلمت عليه فلم يكد يرفع طرفه ورأيته عابسا مفكرا مهموما فوقت مليا من النهار وهو على تلك الحال فلما طال ذلك أقدمت فسألته عن حاله وما سببه فقال إن فكري وهمي لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه قد أفزعتني وملأت قلت المقام بمكة فما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ فاذن لي فسرت إلى مكة قال لم تطل أيامه بها حتى مات

وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه وكان أصحاب المهدي يشربون عنده فكان يعقوب ينهاه عن ذلك ويعظه ويقول ليس على هذا استوزرني ولا عليه صحبتك بعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ فضيق على المهدي حتى قيل

( فدع عنك يعقوب بن داود جانبا % وأقبل على صهباء طيبة النشر )

وقال يعقوب يوما للمهدي في أمر أراده هذا والله السرف فقال المهدي ويحك يت يعقوب إنما يحسن السرف بأهل الشرف ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين

ذكر عدة حوادث ص 352

وفي هذه السنة سار المهدي إلى جرجان وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب إبراهيم

وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ببغال وابل ولم يكن هنالك بريد قبل ذلك وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس وأضاف إليه سجستان فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدي

وفيها أخذ المهدي داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن مجالد ومحمد بن أبي المكي ومحمد بن طيفور في الزندقة فاستتابهم وخلى سبيلهم وبعث داود إلى أبيه وهو على البصرة وأمره بتأديبه

وفيها استعمل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله على المدينة وكان على مكة والطائف عبيد الله بن قثم وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي وفيها أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من حبسه

وحج بالناس إبراهيم بن يحيى صدري فقلت فرجت عني يا أمير المؤمنين ثم قبلت يده ورجله وقلت الرؤيا إنما تكون لخاطر أو بخارات رديئة وتهاويل السوداء وهي أضغاث أحلام قال فإني أقصها عليك رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها لا افهم اسم صاحبها وفي الكف تربة حمراء فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه هذه التربة التي تدفن فيها فقلت وأين هذه التربة قال طوس وغابت اليد وانقطع الكلام فقلت أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان وما ورد عليك منها وانتقاض بعضها فذلك الفكر أوجب هذه الرؤيا فقال كان ذلك فأمرته باللهو والانبساط ففعل ونسينا الرؤيا وكالت الأيام ثم سار إلى خراسان لحرب رافع فما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة فلم تزل تزيد حتى دخلنا طوس فبينا هو يمرض في بستان في ذلك القصر الذي هو فيه إذ ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملا يقوم ويسقط فاجتمعنا إليه نسأله فقال أتذكر رؤياي بالرقة في طوس ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال جئني من تربة هذا البستان فأتاه بها في كفه حاسرا عن ذراعيه فلما نظر إليه قال هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي وهذه الكف بعينها وهذه التربة الحمراء ما خرمت شيئا وأقبل على البكاء والنحيب ثم مات بعد ثلاثة

قال أبو جعفر لما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في صفر وقد اشتدت علته فسير ابنه المأمون إلى مرو وسير معه من القواد عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الاشعث والسندي الحرشي ونعيم بن حازم وسار الرشيد إلى طوس واشتد به الوجع حتى ضعف عن الحركة فلما أثقل أرجف به الناس فبلغه ذلك فأمر بمركوب ليركبه ليراه الناس فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض فأتي ببرذون فلم يطق النهوض فأتي بحمار فلم ينهض فقال ردوني ردوني صدق والله الناس ووصل إليه وهو بطوس بشير بن الليث أخو رافع وأسيرا فقال الرشيد والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة فقلت اقتلوه ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه فلما فرغ منه أغمي عليه وتفرق الناس عنه فلما ايس من نفسه أمر بقبره فحفر في موضع عن الدار التي كان فيها وأنزل إليه قرحا فقرؤوا فيه القرآن حتى خنمبل وهو في محفة على

وكان على الكوفة هاشم بن عيد وعلى البصرة روح بن حاتم وعلى قضائها خالد بن طليق وعلى كور دجلة وكسكر واعمال البصرة والبحرين والأهواز وفارس وكرمان المعلي مولى المهدي وعلى مصر إبراهيم بن صالح وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشي وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي وعلى الري سعد مولاه وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي وقيل موسى بن كعب الخثعمي وعلى قضائها علي بن مسهر بن عمير ولم يكن في هذه السنة صائفة للهدنة التي كانت فيها

وفيها قتل بشار بن برد الشاعر الأعمى على الزندقة وكان خلق ممسوح العينين

وفيها توفي الجراح بن مليح الرؤاسي وهو والد وكيع وفيها توفي المبارك بن فضالة وحماد بن سلمة البصري وفيها قتل عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية بن هشام وهذيل بن الصميل وسمرة بن جبلة لأنهم اجتمعوا على خلعه مع العلاء بن حميد القشيري فتقرب بهم شفير القبر يقول ابن آدم تصير إلى هذا وكان يقول في تلك الحال واسوأتاه من رسول الله وقال الهيثم بن عدي لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه ففتح عينيه منها فرأى الفضل بن الرليع على رأسه فقال يا فضل

( أحين دنا ما كنت أرجو دنوه % رمتني عيون الناس من كل جانب )

( فأصبحت مرحوما وكنت محسدا % فصبرا على مكروه أمن العواقب )

( سأبكي على الوصل الذي كان بيننا % وأندب أيام السرور الذواهب )

قال سهل بن صاعد كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه فدعا بملحفة غليظة فاحتبى بها وجعل يقاسي ما يقاسي فنهضت فقال اقعد فقعدت طويلا لا بكلمني ولا أكلمه فنهضت فقال أين يا سهل فقلت ما يتسع قلبي يا أمير المؤمنين تعاني من المرض ما تعاني فلو اضطجعت يا أمير المؤمنين فضحك ضحكا صحيحا ثم قال يا سهل أذكر في هذه الحال قول الشاعر

( وإني من قوم كرام يزيدهم % شماسا وصبرا شدة الحدثان )

ثم مات وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع واسماعيل بن صبيح ومسرور وحسين ورشيد وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وقيل ملك ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وستة عشر يوما وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد وخطه الشيب قال وكان في بيت المال لما توفي تسعمائة ألف ونيف

ذكر ولاة الأمصار أيام الرشيد ص 354

( ولاة المدينة ) إسحاق بن عيسى بن علي عبد الملك بن صالح بن علي محمد بن عبد الله موسى بن عيسى بن موسى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم علي بن عيسى بن موسى محمد بن إبراهيم عبد الله بن مصعب بكار بن عبد الله بن مصعب محمد بن علي أبو البختري وهب بن منبه

( ولاة مكة ) العباس بن محمد بن إبراهيم سليمان بن جعفر بن سليمان موسى بن عيسى بن موسى عبد الله بن محمد بن إبراهيم عبد الله بن قثم بن العباس عبيد الله بن قثم عبد الله بن محمد بن عمران عبيد الله بن محمد بن إبراهيم العباس بن موسى بن عيسى علي بن موسى بن عيسى محمد بن عبد الله العثماني حماد البربري سليمان بن جعفر بن سليمان الفضل بن العباس بن محمد أحمد بن إسماعيل بن علي

( ولاة الكوفة ) موسى بن عيسى بن موسى محمد بن إبراهيم عبيد الله بن محمد بن إبراهيم يعقوب بن أبي جعفر موسى بن عيسى بن موسى العباس بن عيسى بن موسى اسحاق بن الصباح الكندي موسى بن عيسى بن موسى العباس بن عيسى بن موسى موسى بن عيسى بن موسى جعفر بن أبي جعفر

( ولاة البصرة ) محمد بن سليمان بن علي سليمان بن أبي جعفر عيسى بن جعفر بن أبي جعفر حزيمة بن خازم عيسى بن جعفر جرير بن يزيد جعفر بن سليمان جعفر بن أبي جعفر عبد الصمد بن علي مالك بن علي الخزاعي إسحاق بن سليمان بن علي سليمان بن أبي جعفر عيسى بن جعفر الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين عيسى بن جعفر بن أبي جعفر جرير بن يزيد عبد الصمد بن علي إسحاق بن عيسى بن علي

( ولاة خراسان ) أبو العباس الطوسي جعفر بن محمد بن الأشعث العباس بن جعفر الغطريف بن عطاب سليمان بن راشد

على الخراج ) حمزة بن مالك الفضل بن يحيى بن خالد منصور بن يزيد بن منصور جعفر بن يجيى وخليفته بها علي بن عيسى بن ماهان هرثمة بن أعين العباس بن جعفر للمأمون بها علي بن الحسن بن قحطبة

ذكر نسائه وأولاده ص 354

قيل تزوج زبيدة وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور وأعرس بها سنة خمس وستين ومائة فولدت محمدا الأمين وماتت سنة ست وعشرين ومائتين وتزوج أمه العزيز أم ولد الهادي فولدت له علي بن الرشيد وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين وتزوج العباسية بنت سليمان بن المنصور وتزوج عزيزة ابنة خاله الغطريف وتزوج العثمانية وهي ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي

ومات الرشيد عن أربع مهائر زبيدة وأم محمد بنت صالح وعباسة والعثمانية وكان قد ولد له من الذكور محمد الأمين من زبيدة وعبد الله المأمون لأم ولد اسمها مراجل والقاسم المؤتمن وأبو إسحاق محمد المعتصم وصالح وأبو عيسى محمد وأبو يعقوب محمد وأبو العباس محمد وأبو سليمان محمد وأبو علي محمد وأبو محمد وهو اسمه وأبو أحمد محمد كلهم لأمهات أولاد وله من البنات سكينة وأم حبيب وأروى وأم الحسن وأم محمد وهي حمدونة وفاطمة وأم أبيها وأم سلمة وخديجة وأم القاسم ورملة وأم جعفر وأم علي والغالية وريطة كلهن لأمهات أولاد

ذكر بعض سيرته ص 355

قيل كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم فإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الطاهرة

وكان يطلب العمل بآثار المنصور إلا في بذل المال فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر ذلك وكان يحب الشعر والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه ويكره المراء في الدين وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح ويجزل العطاء عليه ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدة التي منها

( وسدت بهارون الثغور فأحكمت % به من أمور المسلمين لمرائر )

أعطاه خمسة آلاف دينار وخلعه وعشرة من الرقيق الرومي وبرذونا من خلص مركبه وقيل كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني وكان مضاحكا فكها يعرف أخبار أهل الحجاز والقاب الأشراف ومكايد المجان فكان الرشيد لا يصبر عنه وأسكنه في قصره فجاء ذات ليلة وهو نائم فقام الرشيد إلى صلاة الفجر فكشف اللحاف عنه وقال كيف أصبحت فقال ما أصبحت بعد اذهب إلى عملك قال قم إلى الصلاة قال هذا وقت صلاة أبي الجارود وأنا من أصحاب أبي يوسف فمضى الرشيد يصلي وقام ابن أبي مريم وأتى الرشيد فرآه يقرأ في الصلاة وما لي لا أعبد الذي فطرني فقال ما أدري والله فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم قال وهو مغضب في الصلاة أيضا قال ما صنعت قال قطعت علي صلاتي قال والله ما فعلت إنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت وما لي لا أعبد الذي فطرني فقلت لا أدري فعاد الرشيد الضحكة ثم قال له إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدها

وفيا ساتعمل يحيى بن خالد على بعض أعمال الخراج فدخل على الرشيد يودعه وعنده يحيى وجعفر فقال لهما الرشيد أوصياه فقال يحيى وقر وأعمر وقال جعفر انصف وانتصف فقال الرشيد اعدل وأحسن وقيل حج الرشيد مرة فدخل الكعبة فرآه بعض الحجبة وهو واقف على أصابعه يقول يا من يملك حوائج السلئلين ويعلم ضمير الصامتين فإن لكل مسألة منك ردا حاضرا وجوابا عنيدا ولكل صامت منك علم محيط ناطق بمواعيدم الصادقة وأياديك الفاضلة ورحمتك الواسعة صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا يا من لا تضره الذنوب ولا تخفى عليه الغيوب ولا تنقصه مغفرة الخطايا يا من كبس الأرض على الماء وسد الهواء بالسماء واختار لنفسه أحسن الأسماء صل على محمد وعلى آل محمد وخر لي في جميع أموري يا من خضعت له الأصوات بأنواع اللغان يسألونه الحاجات إن من حاجتي إليك أن تغفر لي ذنوبي إذا توفيتني وصيرت في لحدي وتفرق عني أهلي وولدي اللهم لك الحمد حمدا يفضل كل حمد كفضلك على جميع الخلق اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون له رضا وصل عليه صلاة تكون له ذخرا وأجزه عنا الجزاء الأوفى اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واجعلنا سعداء مرزوقين ولا تجعلنا أشقياء مرجومين

وقيل دخل ابن السماك على الرشيد فبينما هو عنده إذ طلب ماء فلما أراد شربه قال له ابن السماك مهلا يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب فلما شرب قال أسألك بقرابتك من رسول الله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها قال بجميع ملكي قال إن ملكا لا يساوي شربة ماء وخروج بولة لجدير أن لا ينافس فيه فبكى الرشيد وقيل كان الفضيل بن عياض يقول ما من نفس أشد علي موتا من هارون الرشيد لوددت أن الله زاد من عمري في عمره فعظم ذلك على أصحابه

فلما مات وظهلرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس عليه من القول بخلق القرآن قالوا الشيخ أعلك بما تكلم به وقال محمد بن منصور البغدادي لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عينا يأتيه بما يقول فرآه يوما قد كتب على الحائط

( أما والله إن الظلم لؤم % وما زال المسيء هو الظلمو )

( إلى ديان يوم الدين نمضي % وعند الله تجتمع الخصوم )

فأخبر بذلك الرشيد فبكى وأحضره واستحله وأعطاه ألف دينار وقال الأصمعي صنع الرشيد يوما طعاما كثيرا وزخرف مجالسه وأحضر أبا العتاهية فقال له صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا فقال

( عش ما بدا لك سالما % في ظل شاهقة القصور )

فقال أحسنت ثم قال ماذا فقال

( يسعى عليك بما اشتهي % لدى الرواح وفي البكور )

فقال أحسنت ثم ماذا فقال 359

( فإذا النفوس تقعقعت % في ظل حشرجة الصدور )

( فهناك تعلم موقنا % ما كنت إلا في غرور )

فبكى الرشيد وقال الفضل بن يحيى بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزنته فقال دعه فإنه رآنا في عمي أن يزيدنا

خلافة الأمين ص 357

وفي هذه السنة بويع الأمين بالخلافة في عسكر الرشيد صبيحة الليلة التي توفي فيها وكان المأمون حينئذ بمرو فكتب حمويه مولى المهدي صاحب البريد إلى نائبه ببغداد وهو سلام أبو مسلم يعلمه بوفاة الرشيد فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه وهناه بالخلافة فكان أول الناس فعل ذلك

وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين يخبره بوفاة الرشيد مع رجاء الخادم وأرسل معه الخاتم والقضيب والبردة فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره بالخلد إلى قصر الخلافة وصلى بالناس الجمعة ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزى نفسه والناس ووعدهم الخير وأمن الأبيض والأسود وفرق في الجند الذين ببغداد رزق أربعة وعشرين شهرا ودعا إلى البيعة فبايعه جلة أهل بيته وكل عم ابنه وأمر سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم فأمر السندي أيضا بمبايعة من عداهم

ذكر ابتداء الاختلاف بين الأمين والمأمون ص 357

في هذه السنة ابتدأ الاختلاف بين الأمين والمأمون ابني الرشيد وكان سبب ذلك أن الرشيد لما سار نحو خراسان وأخذ البيعة للمأمون على جميع من في عسكره من القواد وغيرهم وأقر له لجميع ما معه من الأموال وغيرها على ما سبق ذكره عظم على الأمين ذلك ثم بلغه شدة مرض الرشيد فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتبا وجعلها في قوائم صناديق المطبخ وكانت منقورة وألبسها جلود البقر وقال لا تظهرن أمير المؤمنين ولا غيره على ذلك حتى يموت أكير المؤمنين ولو قتلت فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم ما معك فلما قدمك بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون قدومه فدعا به وسأله عن سبب قدومه فقال بعثني الأمين لآتيه بخبرك

قال فهل معك كتاب قال لا فأمر بما معه ففتش فلم يصيبوا شيئا فأمر به فضرب فلم يقر بشيء فحبسه وقيده ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره فإن أقر وإلا اضرب عنقه فقرره فلم يقر بشيء ثم غشي على الرشيج فصاح النساء فأمسك الفضل عن قتله وحضر عند الرشيد فأفاق وهو ضعيف قد شغل عن بكر وغيره ثم مات

وكان بكر قد كتب إلى الفضل يسأله أن لا يعجل في أمره بشيء فان عنده أشياء يحتاج إلى عملها فاحضره الفضل وأعلمه بموت الرشيد وسأله عما عنده فخاف أن يكون الرشيد حيا فلما تيقن موته أخرج الكتب التي معه وهي كتاب إلى أخيه من يامره بترك الجزع وأخذ البيعة على الناس لهما ولأخيهما المؤتمن ولم يكن المأمون حاضرا كان بمرو وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل وكتاب إلى الفضل يأمره بالحفظ والاحتياط على ما معه من الحرم والاموال وغير ذلك وأقر كل من كان اليه عمل كصاحب الشرطة والحرس والحجابة فلما قرؤوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين فقال الفضل بن الربيع لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره وأمر الناس بالرحيل فرحلوا محبة منهم لأهلهم ووطنهم وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون فلما بلغ المأمون ذلك جمع من عنده من قواد أبيه وهم عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وشبيب بن حمبد بن قحطبة والعلاء مولى هارون وهو على حجابته والعباس بن المسيب بن زهير وهو على شرطته وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح وذو الرياستين وهو أعظمهم عنده قدرا وأخصهم به واستشارهم فأشاروا أن يلحقهم في الفي فارس جريدة فيردهم فخلا به ذو الرياستين وقال إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتابا وتوجه رسولا يذكرهم البيعة ويسألهم الوفاء ويحذرهم الحنث وما فيه دنيا وآخرة ففعل ذلك ووجه سهل بن صاعد ونوفلا الخادم ومعهما كتاب فلحقا الجند والفضل بنيسابور فأوصلا إلى الفضل كتابه فقال إنما أنا واحد من الجند وشد عبد الرحمن بن جبلة الأنباري على سهل بالرمح ليطعنه فأمره على جنبه وقال له قل لصاحبك لو كنت حاضرا لوضعته في فيك وسب المأمون فرجعا إليه بالخبر فقال ذو الرياستين أعداء استرحتن منهم ولكن افهم عني أن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام المنصور فخرج عليه المقنع وهو يدعي الربوبية وقيل طلب بدم أبي مسلم فضعضع العسكر بخروجه بخراسان وخرج بعده يوسف البرم وهو عند المسلمين كافر فتضعضوا أيضا له فأخبرني أنت أيها الأمير كيف رأيت الناس عند ما ورد عليهم خبر رافع قال رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديدا قال فكيف بك وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم كيف يكون اضطراب أهل بغداد اصبر وأنا أضمن لك الخلافة قال المأمون قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به قال ذو الرياستين والله لأصدقنك إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد ان قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك مني برياستهم المشهورة وبما عندهم من القوة على الحرب فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تبلغ أملك وترى رأيك

وقام ذو الرياستين وأتاهم في منازلهم وذكرهم ما يجب عليهم من الوفاء قال فكأني جئتهم بجيفة على طبق فقال بعضهم هذا لا يحل اخرج وقال بعضهم من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه فجئت وأخبرته فقال قم بالأمر قال قلت له قرأت القرآن وسمعت الأحاديث وتفقهت في الدين فأرى أن نبعث إلي من بحضرتك من الفقهاء فتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وتقعد على الصوف وترد المظالم ففعل ذلك جميعه وأكرمه القواد والملوك وأبناء الملوك وكان يقول للتميمي نقيمك مقام موسى بن كعب وللربعي نقيمك مقام أبي داود وخالد بن إبراهيم ولليماني نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم وكل هؤلاء نقباء الدولة العباسية ووضع عن خراسان ربع الخراج فحسن ذلك عند أهلها وقالوا ابن أختنا وابن عم نبينا وأما الأمين فلما سكن الناس ببغداد أمر ببناء ميدان حول قصر المنصور بعد بيعته بيوم للصوالجة واللعب فقال شاعرهم

( بنى أمين الله مدانا % وصير الساحة بستانا )

( وكانت الغزلان فيه بانا % يهدي إليه فيه غزلانا )

وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري وأهدى إلى الأمين وكتب إليه وعظمه

ذكر عدة حوادث ص 361

في هذه السنة دخل هرثمة بن أعين حائط سمرقند فأرسل رافع بن الليث إلى الترك فأتوه وصار هرثمة بين رافع والترك ثم إن الترك انصرفوا فضعف رافع

وفيها قدمت زبيدة امرأة الرشيد من الرقة إلى بغداد فلقيها ابنها الأمين بالانبار ومعه جمع من بغداد من الوجوه وكان معه أخوه ابن الرشيد وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان وكان ملك سبع سنين وملك بعده ابنه استبراق وكان مجروحا فبقي شهرين ومات فملك بعده ميخائيل بن جورجس ختنه على أخته

وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة وأقره على قنسرين والعواصم واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم

وحج بالناس هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد وهو أمير مكة

وفيها توفي صقلاب بن زياد الأندلسي وهو من أصحاب مالك وكان فقيها زاهدا

وفي هذه السنة مات مروان بن معاوية الفزاري وقيل سنة أربع وتسعين في ذي الحجة وفيها توفي اسماعيل بن علية وأبو بكر بن عياش وله ست وتسعون سنة ( عياش ) بالياء المثناة من تحت والشين المعجمة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.