في هذه السنة مات الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة وكانت علته أنه أصابه ثقل في لسانه وشقه فعولج أشهرا فبرأ وكان يقول ما أحب أن يموت الرشيد لأن أمري قريب من أمره فلما صح من علته وتحدث عادته العلة واشتدت عليه وانعقد لسانه وطرفه فمات في المحرم وصلى عليه اخوانه في القصر الذي كانوا فيه ثم أخرج فصلى عليه الناس وجزع الناس وكان موته قبل الرشيد بخمسة أشهر وهو ابن خمس وأربعين سنة وكان من محاسن الدنيا لم ير في العالم مثله ولاشتهار أخباره وأخبار أهله وحسن سيرتهم لم نذكرها وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري وفيها كانت وقعة بين هرثمة وأصحاب رافع كان الظفر لهرثمة وافتتح بخارى وأسر بشيرا أخا رافع فبعث به إلى الرشيد
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة
وفي هذه السنة مات الرشيد أول جمادى الآخرة لثلاث خلون منه وكانت قد اشتدت علته بالطريق بجرجان فسار إلى طوس فمات بها
قال جبرائيل بن بخيتشوع كنت مع الرضشيد بالرقة وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة أتعرف حاله في ليلته ثم يحدثني وينبسط إلي ويسألني عن أخبار العامة فدخلت عليه يوما فسلمت عليه فلم يكد يرفع طرفه ورأيته عابسا مفكرا مهموما فوقت مليا من النهار وهو على تلك الحال فلما طال ذلك أقدمت فسألته عن حاله وما سببه فقال إن فكري وهمي لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه قد أفزعتني وملأت قلت المقام بمكة فما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ فاذن لي فسرت إلى مكة قال لم تطل أيامه بها حتى مات
وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه وكان أصحاب المهدي يشربون عنده فكان يعقوب ينهاه عن ذلك ويعظه ويقول ليس على هذا استوزرني ولا عليه صحبتك بعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ فضيق على المهدي حتى قيل
( فدع عنك يعقوب بن داود جانبا % وأقبل على صهباء طيبة النشر )
وقال يعقوب يوما للمهدي في أمر أراده هذا والله السرف فقال المهدي ويحك يت يعقوب إنما يحسن السرف بأهل الشرف ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين
وفي هذه السنة سار المهدي إلى جرجان وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب إبراهيم
وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ببغال وابل ولم يكن هنالك بريد قبل ذلك وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس وأضاف إليه سجستان فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدي
وفيها أخذ المهدي داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن مجالد ومحمد بن أبي المكي ومحمد بن طيفور في الزندقة فاستتابهم وخلى سبيلهم وبعث داود إلى أبيه وهو على البصرة وأمره بتأديبه
وفيها استعمل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله على المدينة وكان على مكة والطائف عبيد الله بن قثم وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي وفيها أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من حبسه
وحج بالناس إبراهيم بن يحيى صدري فقلت فرجت عني يا أمير المؤمنين ثم قبلت يده ورجله وقلت الرؤيا إنما تكون لخاطر أو بخارات رديئة وتهاويل السوداء وهي أضغاث أحلام قال فإني أقصها عليك رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها لا افهم اسم صاحبها وفي الكف تربة حمراء فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه هذه التربة التي تدفن فيها فقلت وأين هذه التربة قال طوس وغابت اليد وانقطع الكلام فقلت أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان وما ورد عليك منها وانتقاض بعضها فذلك الفكر أوجب هذه الرؤيا فقال كان ذلك فأمرته باللهو والانبساط ففعل ونسينا الرؤيا وكالت الأيام ثم سار إلى خراسان لحرب رافع فما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة فلم تزل تزيد حتى دخلنا طوس فبينا هو يمرض في بستان في ذلك القصر الذي هو فيه إذ ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملا يقوم ويسقط فاجتمعنا إليه نسأله فقال أتذكر رؤياي بالرقة في طوس ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال جئني من تربة هذا البستان فأتاه بها في كفه حاسرا عن ذراعيه فلما نظر إليه قال هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي وهذه الكف بعينها وهذه التربة الحمراء ما خرمت شيئا وأقبل على البكاء والنحيب ثم مات بعد ثلاثة
قال أبو جعفر لما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في صفر وقد اشتدت علته فسير ابنه المأمون إلى مرو وسير معه من القواد عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الاشعث والسندي الحرشي ونعيم بن حازم وسار الرشيد إلى طوس واشتد به الوجع حتى ضعف عن الحركة فلما أثقل أرجف به الناس فبلغه ذلك فأمر بمركوب ليركبه ليراه الناس فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض فأتي ببرذون فلم يطق النهوض فأتي بحمار فلم ينهض فقال ردوني ردوني صدق والله الناس ووصل إليه وهو بطوس بشير بن الليث أخو رافع وأسيرا فقال الرشيد والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة فقلت اقتلوه ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه فلما فرغ منه أغمي عليه وتفرق الناس عنه فلما ايس من نفسه أمر بقبره فحفر في موضع عن الدار التي كان فيها وأنزل إليه قرحا فقرؤوا فيه القرآن حتى خنمبل وهو في محفة على
وكان على الكوفة هاشم بن عيد وعلى البصرة روح بن حاتم وعلى قضائها خالد بن طليق وعلى كور دجلة وكسكر واعمال البصرة والبحرين والأهواز وفارس وكرمان المعلي مولى المهدي وعلى مصر إبراهيم بن صالح وعلى افريقية يزيد بن حاتم وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشي وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي وعلى الري سعد مولاه وعلى الموصل أحمد بن إسماعيل الهاشمي وقيل موسى بن كعب الخثعمي وعلى قضائها علي بن مسهر بن عمير ولم يكن في هذه السنة صائفة للهدنة التي كانت فيها
وفيها قتل بشار بن برد الشاعر الأعمى على الزندقة وكان خلق ممسوح العينين
وفيها توفي الجراح بن مليح الرؤاسي وهو والد وكيع وفيها توفي المبارك بن فضالة وحماد بن سلمة البصري وفيها قتل عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية بن هشام وهذيل بن الصميل وسمرة بن جبلة لأنهم اجتمعوا على خلعه مع العلاء بن حميد القشيري فتقرب بهم شفير القبر يقول ابن آدم تصير إلى هذا وكان يقول في تلك الحال واسوأتاه من رسول الله وقال الهيثم بن عدي لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه ففتح عينيه منها فرأى الفضل بن الرليع على رأسه فقال يا فضل
( أحين دنا ما كنت أرجو دنوه % رمتني عيون الناس من كل جانب )
( فأصبحت مرحوما وكنت محسدا % فصبرا على مكروه أمن العواقب )
( سأبكي على الوصل الذي كان بيننا % وأندب أيام السرور الذواهب )
قال سهل بن صاعد كنت عند الرشيد وهو يجود بنفسه فدعا بملحفة غليظة فاحتبى بها وجعل يقاسي ما يقاسي فنهضت فقال اقعد فقعدت طويلا لا بكلمني ولا أكلمه فنهضت فقال أين يا سهل فقلت ما يتسع قلبي يا أمير المؤمنين تعاني من المرض ما تعاني فلو اضطجعت يا أمير المؤمنين فضحك ضحكا صحيحا ثم قال يا سهل أذكر في هذه الحال قول الشاعر
( وإني من قوم كرام يزيدهم % شماسا وصبرا شدة الحدثان )
ثم مات وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع واسماعيل بن صبيح ومسرور وحسين ورشيد وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوما وقيل ملك ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وستة عشر يوما وكان عمره سبعا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد وخطه الشيب قال وكان في بيت المال لما توفي تسعمائة ألف ونيف
( ولاة المدينة ) إسحاق بن عيسى بن علي عبد الملك بن صالح بن علي محمد بن عبد الله موسى بن عيسى بن موسى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم علي بن عيسى بن موسى محمد بن إبراهيم عبد الله بن مصعب بكار بن عبد الله بن مصعب محمد بن علي أبو البختري وهب بن منبه
( ولاة مكة ) العباس بن محمد بن إبراهيم سليمان بن جعفر بن سليمان موسى بن عيسى بن موسى عبد الله بن محمد بن إبراهيم عبد الله بن قثم بن العباس عبيد الله بن قثم عبد الله بن محمد بن عمران عبيد الله بن محمد بن إبراهيم العباس بن موسى بن عيسى علي بن موسى بن عيسى محمد بن عبد الله العثماني حماد البربري سليمان بن جعفر بن سليمان الفضل بن العباس بن محمد أحمد بن إسماعيل بن علي
( ولاة الكوفة ) موسى بن عيسى بن موسى محمد بن إبراهيم عبيد الله بن محمد بن إبراهيم يعقوب بن أبي جعفر موسى بن عيسى بن موسى العباس بن عيسى بن موسى اسحاق بن الصباح الكندي موسى بن عيسى بن موسى العباس بن عيسى بن موسى موسى بن عيسى بن موسى جعفر بن أبي جعفر
( ولاة البصرة ) محمد بن سليمان بن علي سليمان بن أبي جعفر عيسى بن جعفر بن أبي جعفر حزيمة بن خازم عيسى بن جعفر جرير بن يزيد جعفر بن سليمان جعفر بن أبي جعفر عبد الصمد بن علي مالك بن علي الخزاعي إسحاق بن سليمان بن علي سليمان بن أبي جعفر عيسى بن جعفر الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين عيسى بن جعفر بن أبي جعفر جرير بن يزيد عبد الصمد بن علي إسحاق بن عيسى بن علي
( ولاة خراسان ) أبو العباس الطوسي جعفر بن محمد بن الأشعث العباس بن جعفر الغطريف بن عطاب سليمان بن راشد
على الخراج ) حمزة بن مالك الفضل بن يحيى بن خالد منصور بن يزيد بن منصور جعفر بن يجيى وخليفته بها علي بن عيسى بن ماهان هرثمة بن أعين العباس بن جعفر للمأمون بها علي بن الحسن بن قحطبة
قيل تزوج زبيدة وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور وأعرس بها سنة خمس وستين ومائة فولدت محمدا الأمين وماتت سنة ست وعشرين ومائتين وتزوج أمه العزيز أم ولد الهادي فولدت له علي بن الرشيد وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين وتزوج العباسية بنت سليمان بن المنصور وتزوج عزيزة ابنة خاله الغطريف وتزوج العثمانية وهي ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي
ومات الرشيد عن أربع مهائر زبيدة وأم محمد بنت صالح وعباسة والعثمانية وكان قد ولد له من الذكور محمد الأمين من زبيدة وعبد الله المأمون لأم ولد اسمها مراجل والقاسم المؤتمن وأبو إسحاق محمد المعتصم وصالح وأبو عيسى محمد وأبو يعقوب محمد وأبو العباس محمد وأبو سليمان محمد وأبو علي محمد وأبو محمد وهو اسمه وأبو أحمد محمد كلهم لأمهات أولاد وله من البنات سكينة وأم حبيب وأروى وأم الحسن وأم محمد وهي حمدونة وفاطمة وأم أبيها وأم سلمة وخديجة وأم القاسم ورملة وأم جعفر وأم علي والغالية وريطة كلهن لأمهات أولاد
قيل كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم فإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الطاهرة
وكان يطلب العمل بآثار المنصور إلا في بذل المال فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر ذلك وكان يحب الشعر والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه ويكره المراء في الدين وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح ويجزل العطاء عليه ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدة التي منها
( وسدت بهارون الثغور فأحكمت % به من أمور المسلمين لمرائر )
أعطاه خمسة آلاف دينار وخلعه وعشرة من الرقيق الرومي وبرذونا من خلص مركبه وقيل كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني وكان مضاحكا فكها يعرف أخبار أهل الحجاز والقاب الأشراف ومكايد المجان فكان الرشيد لا يصبر عنه وأسكنه في قصره فجاء ذات ليلة وهو نائم فقام الرشيد إلى صلاة الفجر فكشف اللحاف عنه وقال كيف أصبحت فقال ما أصبحت بعد اذهب إلى عملك قال قم إلى الصلاة قال هذا وقت صلاة أبي الجارود وأنا من أصحاب أبي يوسف فمضى الرشيد يصلي وقام ابن أبي مريم وأتى الرشيد فرآه يقرأ في الصلاة وما لي لا أعبد الذي فطرني فقال ما أدري والله فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم قال وهو مغضب في الصلاة أيضا قال ما صنعت قال قطعت علي صلاتي قال والله ما فعلت إنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت وما لي لا أعبد الذي فطرني فقلت لا أدري فعاد الرشيد الضحكة ثم قال له إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدها
وفيا ساتعمل يحيى بن خالد على بعض أعمال الخراج فدخل على الرشيد يودعه وعنده يحيى وجعفر فقال لهما الرشيد أوصياه فقال يحيى وقر وأعمر وقال جعفر انصف وانتصف فقال الرشيد اعدل وأحسن وقيل حج الرشيد مرة فدخل الكعبة فرآه بعض الحجبة وهو واقف على أصابعه يقول يا من يملك حوائج السلئلين ويعلم ضمير الصامتين فإن لكل مسألة منك ردا حاضرا وجوابا عنيدا ولكل صامت منك علم محيط ناطق بمواعيدم الصادقة وأياديك الفاضلة ورحمتك الواسعة صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا يا من لا تضره الذنوب ولا تخفى عليه الغيوب ولا تنقصه مغفرة الخطايا يا من كبس الأرض على الماء وسد الهواء بالسماء واختار لنفسه أحسن الأسماء صل على محمد وعلى آل محمد وخر لي في جميع أموري يا من خضعت له الأصوات بأنواع اللغان يسألونه الحاجات إن من حاجتي إليك أن تغفر لي ذنوبي إذا توفيتني وصيرت في لحدي وتفرق عني أهلي وولدي اللهم لك الحمد حمدا يفضل كل حمد كفضلك على جميع الخلق اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون له رضا وصل عليه صلاة تكون له ذخرا وأجزه عنا الجزاء الأوفى اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واجعلنا سعداء مرزوقين ولا تجعلنا أشقياء مرجومين
وقيل دخل ابن السماك على الرشيد فبينما هو عنده إذ طلب ماء فلما أراد شربه قال له ابن السماك مهلا يا أمير المؤمنين بقرابتك من رسول الله لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب فلما شرب قال أسألك بقرابتك من رسول الله لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها قال بجميع ملكي قال إن ملكا لا يساوي شربة ماء وخروج بولة لجدير أن لا ينافس فيه فبكى الرشيد وقيل كان الفضيل بن عياض يقول ما من نفس أشد علي موتا من هارون الرشيد لوددت أن الله زاد من عمري في عمره فعظم ذلك على أصحابه
فلما مات وظهلرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس عليه من القول بخلق القرآن قالوا الشيخ أعلك بما تكلم به وقال محمد بن منصور البغدادي لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عينا يأتيه بما يقول فرآه يوما قد كتب على الحائط
( أما والله إن الظلم لؤم % وما زال المسيء هو الظلمو )
( إلى ديان يوم الدين نمضي % وعند الله تجتمع الخصوم )
فأخبر بذلك الرشيد فبكى وأحضره واستحله وأعطاه ألف دينار وقال الأصمعي صنع الرشيد يوما طعاما كثيرا وزخرف مجالسه وأحضر أبا العتاهية فقال له صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا فقال
( عش ما بدا لك سالما % في ظل شاهقة القصور )
فقال أحسنت ثم قال ماذا فقال
( يسعى عليك بما اشتهي % لدى الرواح وفي البكور )
فقال أحسنت ثم ماذا فقال 359
( فإذا النفوس تقعقعت % في ظل حشرجة الصدور )
( فهناك تعلم موقنا % ما كنت إلا في غرور )
فبكى الرشيد وقال الفضل بن يحيى بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فحزنته فقال دعه فإنه رآنا في عمي أن يزيدنا
وفي هذه السنة بويع الأمين بالخلافة في عسكر الرشيد صبيحة الليلة التي توفي فيها وكان المأمون حينئذ بمرو فكتب حمويه مولى المهدي صاحب البريد إلى نائبه ببغداد وهو سلام أبو مسلم يعلمه بوفاة الرشيد فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه وهناه بالخلافة فكان أول الناس فعل ذلك
وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين يخبره بوفاة الرشيد مع رجاء الخادم وأرسل معه الخاتم والقضيب والبردة فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره بالخلد إلى قصر الخلافة وصلى بالناس الجمعة ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزى نفسه والناس ووعدهم الخير وأمن الأبيض والأسود وفرق في الجند الذين ببغداد رزق أربعة وعشرين شهرا ودعا إلى البيعة فبايعه جلة أهل بيته وكل عم ابنه وأمر سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم فأمر السندي أيضا بمبايعة من عداهم
في هذه السنة ابتدأ الاختلاف بين الأمين والمأمون ابني الرشيد وكان سبب ذلك أن الرشيد لما سار نحو خراسان وأخذ البيعة للمأمون على جميع من في عسكره من القواد وغيرهم وأقر له لجميع ما معه من الأموال وغيرها على ما سبق ذكره عظم على الأمين ذلك ثم بلغه شدة مرض الرشيد فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتبا وجعلها في قوائم صناديق المطبخ وكانت منقورة وألبسها جلود البقر وقال لا تظهرن أمير المؤمنين ولا غيره على ذلك حتى يموت أكير المؤمنين ولو قتلت فإذا مات فادفع إلى كل إنسان منهم ما معك فلما قدمك بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون قدومه فدعا به وسأله عن سبب قدومه فقال بعثني الأمين لآتيه بخبرك
قال فهل معك كتاب قال لا فأمر بما معه ففتش فلم يصيبوا شيئا فأمر به فضرب فلم يقر بشيء فحبسه وقيده ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره فإن أقر وإلا اضرب عنقه فقرره فلم يقر بشيء ثم غشي على الرشيج فصاح النساء فأمسك الفضل عن قتله وحضر عند الرشيد فأفاق وهو ضعيف قد شغل عن بكر وغيره ثم مات
وكان بكر قد كتب إلى الفضل يسأله أن لا يعجل في أمره بشيء فان عنده أشياء يحتاج إلى عملها فاحضره الفضل وأعلمه بموت الرشيد وسأله عما عنده فخاف أن يكون الرشيد حيا فلما تيقن موته أخرج الكتب التي معه وهي كتاب إلى أخيه من يامره بترك الجزع وأخذ البيعة على الناس لهما ولأخيهما المؤتمن ولم يكن المأمون حاضرا كان بمرو وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل وكتاب إلى الفضل يأمره بالحفظ والاحتياط على ما معه من الحرم والاموال وغير ذلك وأقر كل من كان اليه عمل كصاحب الشرطة والحرس والحجابة فلما قرؤوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين فقال الفضل بن الربيع لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره وأمر الناس بالرحيل فرحلوا محبة منهم لأهلهم ووطنهم وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون فلما بلغ المأمون ذلك جمع من عنده من قواد أبيه وهم عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وشبيب بن حمبد بن قحطبة والعلاء مولى هارون وهو على حجابته والعباس بن المسيب بن زهير وهو على شرطته وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح وذو الرياستين وهو أعظمهم عنده قدرا وأخصهم به واستشارهم فأشاروا أن يلحقهم في الفي فارس جريدة فيردهم فخلا به ذو الرياستين وقال إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتابا وتوجه رسولا يذكرهم البيعة ويسألهم الوفاء ويحذرهم الحنث وما فيه دنيا وآخرة ففعل ذلك ووجه سهل بن صاعد ونوفلا الخادم ومعهما كتاب فلحقا الجند والفضل بنيسابور فأوصلا إلى الفضل كتابه فقال إنما أنا واحد من الجند وشد عبد الرحمن بن جبلة الأنباري على سهل بالرمح ليطعنه فأمره على جنبه وقال له قل لصاحبك لو كنت حاضرا لوضعته في فيك وسب المأمون فرجعا إليه بالخبر فقال ذو الرياستين أعداء استرحتن منهم ولكن افهم عني أن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام المنصور فخرج عليه المقنع وهو يدعي الربوبية وقيل طلب بدم أبي مسلم فضعضع العسكر بخروجه بخراسان وخرج بعده يوسف البرم وهو عند المسلمين كافر فتضعضوا أيضا له فأخبرني أنت أيها الأمير كيف رأيت الناس عند ما ورد عليهم خبر رافع قال رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديدا قال فكيف بك وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم كيف يكون اضطراب أهل بغداد اصبر وأنا أضمن لك الخلافة قال المأمون قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به قال ذو الرياستين والله لأصدقنك إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد ان قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك مني برياستهم المشهورة وبما عندهم من القوة على الحرب فمن قام بالأمر كنت خادما له حتى تبلغ أملك وترى رأيك
وقام ذو الرياستين وأتاهم في منازلهم وذكرهم ما يجب عليهم من الوفاء قال فكأني جئتهم بجيفة على طبق فقال بعضهم هذا لا يحل اخرج وقال بعضهم من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه فجئت وأخبرته فقال قم بالأمر قال قلت له قرأت القرآن وسمعت الأحاديث وتفقهت في الدين فأرى أن نبعث إلي من بحضرتك من الفقهاء فتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وتقعد على الصوف وترد المظالم ففعل ذلك جميعه وأكرمه القواد والملوك وأبناء الملوك وكان يقول للتميمي نقيمك مقام موسى بن كعب وللربعي نقيمك مقام أبي داود وخالد بن إبراهيم ولليماني نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم وكل هؤلاء نقباء الدولة العباسية ووضع عن خراسان ربع الخراج فحسن ذلك عند أهلها وقالوا ابن أختنا وابن عم نبينا وأما الأمين فلما سكن الناس ببغداد أمر ببناء ميدان حول قصر المنصور بعد بيعته بيوم للصوالجة واللعب فقال شاعرهم
( بنى أمين الله مدانا % وصير الساحة بستانا )
( وكانت الغزلان فيه بانا % يهدي إليه فيه غزلانا )
وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من خراسان والري وأهدى إلى الأمين وكتب إليه وعظمه
في هذه السنة دخل هرثمة بن أعين حائط سمرقند فأرسل رافع بن الليث إلى الترك فأتوه وصار هرثمة بين رافع والترك ثم إن الترك انصرفوا فضعف رافع
وفيها قدمت زبيدة امرأة الرشيد من الرقة إلى بغداد فلقيها ابنها الأمين بالانبار ومعه جمع من بغداد من الوجوه وكان معه أخوه ابن الرشيد وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان وكان ملك سبع سنين وملك بعده ابنه استبراق وكان مجروحا فبقي شهرين ومات فملك بعده ميخائيل بن جورجس ختنه على أخته
وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة وأقره على قنسرين والعواصم واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم
وحج بالناس هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد وهو أمير مكة
وفيها توفي صقلاب بن زياد الأندلسي وهو من أصحاب مالك وكان فقيها زاهدا
وفي هذه السنة مات مروان بن معاوية الفزاري وقيل سنة أربع وتسعين في ذي الحجة وفيها توفي اسماعيل بن علية وأبو بكر بن عياش وله ست وتسعون سنة ( عياش ) بالياء المثناة من تحت والشين المعجمة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
