الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
64

ثم دخلت سنة اخدى وتسعين ومائة

الجزء الخامس 6 عنصر صفحة 343
ذكر الفتنة من أهل طليطلة وهو وقعة الحفرة ص 343

في هذه السنة أوقع الأمير الحكم بن هشام الاموي صاحب الأندلس بأهل طليطلة فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء وخلعوهم مرة بعد أخرى وقويت نفوسهم بحصانة بلدهم وكثرة أموالهم فلم يكونوا يطيعوا أمراءهم طاعة مرضية فلما أعيا الحكم شأنهم أعمل الحيلة في الظفر بهم فاستعان في ذلك بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثغر الأعلى فأظهر طاعة الحكم ودعا إليه فاطمأن إليه بهذا السبب وكان من أهل مدينة وشقة فاستحضره فحضر عنده فأكرمه الحكم وبالغ في إكرامه واطلعه على عزمه في أهل طليطلة ووطأه على التدبير عليهم فولاه طليطلة وكتب إلى أهلها يقول إني قد اخترت لكم فلانا وهو منكم لتطمئن قلوبكم إليه وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا ولتعرفوا جميل رأينا فيكم فمضى عمروس إليهم ودخل طليطلة فأنس به أهلها واطمأنوا نإليه وأحسن عشرتهم وكان أول ما عمل عليهم من الحيلة أن أظهر لهم موافقتهم على بغض بني أمية وخلع طاعتهم فمالوا إليه ووثقوا بما يفعله ثم قال لهم إن سبب الشر بينكم وبين أصحاب الأمير إنما هو اختلاطهم بكم وقد رأيت أن أبني بناء اعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان رفقا بكم فأجابوه إلى ذلك فبنى في وسط البلد ما أراد فلما مضى لذلك مدة كتب الأمير الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سرا يأمره أن يرسل إليه يستغيث من جيوش الكفرة وطلب النجدة والعساكر ففعل العامل ذلك فحشد الحكم الجيوش من كل ناحية واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن وحشد معه قواده ووزراءه فسار الجيش واجتاز بمدينة طليطلة ولم يعرض عبد الرحمن لدخولها فأتاه وهو عندها الخبر من ذلك العامل أن عساكر الكفرة قد تفقرت وكفى الله شرها فتفرق العسكر وعزم عبد الرحمن على العود إلى قرطبة فقال عمروس عند ذلك لأهل طليطلة قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبي وأنه يلزمني الخروج إليه وقضاء حقه فإن نشطتم لذلك وإلا سرت إليه وحدي فخرج معه وجوه أهل طليطلة فأكرمهم عبد الرحمن وأحسن إليهم

وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادما له ومعه كتاب لطيف إلى عمروس فأتاه الخادم وصافحه وسلم الكتاب إليه من غير أن يحادثه فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة فأشار إلى أعيان أهلها بأن يسألوا عبد الرحمن الدخول إليهم ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم ومنتعهم وقوتهم فظنوه ينصحهم ففعلوا ذلك وادخلوا عبد الرحمن البلد ونزل مع عمروس في داره وأتاه أهل طليطلة ارسالا يسلمون عليه وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة وشرع في الاستعداد لذلك وواعدهم يوما ذكره وقرر معهم أنهم يدخلون من باب ويخرجون من آخر ليقل الزحام ففعلوا ذلك فلما كان اليوم المذكور أتاه الناس أفواجا فكان كلما دخل فوج أخذوا وحملوا إلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة في ذلك القصر فضربت رقابهم عليها فلما تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحدا فقال أين الناس فقيل إنهم يدخلون من هذا الباب ويخرجون من الباب الآخر فقال ما لقيني منهم أحد وعلم الحال وصاح وأعلم الناس هلاك أصحابهم فكان سبب نجاة من بقي منهم فذلت رقابهم بعدها وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وايام ولده عبد الرحمن ثم انجبرت مصيبتهم وكثروا فلما هلك عبد الرحمن وولي ابنه محمد عاجلوه بالخلع على ما نذكره

ذكر عصيان أهل ماردة على الحكم وما فعله باهل قرطبة ص 344

وفيها عصى أصبغ بن عبد الله ووافقه أهل مدينة ماردة من الأندلس على الحكم وأخرجوا عامله واتصل الخبر بالحكم فسار إليها وحاصرها فبينما هو مجد في الحصار أتاه الخبر عن اهل قرطبة أنهم أعلنوا بالعصيان له فرجع مبادرا فوصل إلى قرطبة في ثلاثة أيام وكشف عن الذين أثاروا الفتنة فصلبهم منكسين وضرب أعناق جماعة فارتدع الباقون بذلك واشتدت كراهيتهم له ولم يزل أهل ماردة تارة يطيعون ومرة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين فضعف أمر أصبغ لأن الحكم تابع إرسال الجيوش إليه واستعمال جماعة من أعيان أهل ماردة وثقاته من أصحابه فمالوا إليه وفارقوا أصبغ حتى أخوه فتحير اصبغ وضعفت نفسه فأرسل يطلب الأمان فأمنه الحكم ففارق ماردة وحضر عند الحكم وأقام عنده بقرطبة

ذكر غزو الفرنج بالأندلس ص 345

في هذه السنة تجهز لذريق ملك الافرنج بالأندلس وجمع جموعه ليسير إلى مدينة طرطوشة ليحصرها فبلغ ذلك الحكم فجمع العساكر وسيرها مع ولده عبد الرحمن فاجتمعوا في جيش عظيم وتبعهم كثير من المتطوعة فساروا فلقوا الافرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد المسلمين شيئا فاقتتلوا وبذل كل من الطائفتين جهده واستنفذ وسعه فانزل الله تعالى نصره على المسلمين فانهزم الكفار وكثر القتل فيهم والاسر ونهبت أموالهم وأثقالهم وعاد المسلمونت ظافرين غانمين

ذكر عصيان حزم على الحكم ص 345

في هذه السنة خالف حزم بن وهب بناحية باجة ووافقه غيره وقصدوا لشبونة وكان الحكم يسمى حزما في كتبه النبطي فلما سمع الحكم خبره سير إليه ابنه هشاما في جمع كثير فأذله ومن معه وقطع الأشجار وضيق عليهم حتى أذعنوا لطلب الأمان فأمنه

ذكر عزل علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاية هرضمة ص 345

وفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وكان سبب ذلك ما ذكرناه من قتل ابنه عيسى فلما قتل جزع عليه أبوه فخرج عن بلخ إلى مرو مخافة عليها أن يسير إليها رافع بن الليث ليأخذها وكان ابنه عيسى قد دفن في بستان في داره بلخ أموالا عظيمة قيل كانت ثلاثين ألف ألف ولم يعلم بها أبوه ولم يطلع عليها إلا جارية له فلما سار علي بن عيسى إلى مرو وأطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم وتحدث به الناس واجتمعوا ودخلوا البستان ونهبوا المال وبلغ الرشيد الخبر فقال خرج عن بلخ من غير أمري وخلف مثل هذا المال وهو يزعم أنه قد باع حلي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع فعزله واستعمل هرثمة بن أعين

وكان قد نقم الرشيد عليه ما كان يبلغه من سوء سيرته وإهانته أعيان الناس واستخفافه بهم فمن ذلك أنه دخل عليه يوما الحسين بن مصعب والد طاهر بن الحسين وهشام بن فرخسرو فسلما عليه فقال للحسين لا سلم الله عليك يا ملحد ابن الملحد والله إني لأعرف ما أنت عليه من عداوة الاسلام والطعن في الدين ولم أنتظر بقتلك إلا أمر الخيفة ألست المرجف بي في منزلي هذا بعد أن ثملت من الخمر وزعمت أنك جاءتك كتب من بغداد بعزلي أخرج إلى سخط الله لعنك الله فعن قريب ما يكون منها فاعتذر إليه فلم يقبل عذره وأمر بإخراجه فأخرج وقال لهشام بن فرخسرو صارت دارك دار الندوة يجتمع إليك السفهاء تطعن على الولاة سفك الله دمي إن لم أسفك دمك فاعتذر إليه فلم يعذره فأخرجه

فأما الحسين فسار إلى الرشيد فاستجار به وشكا إليه فأجاره وأما هشام فإنه قال لبنت له إني أخاف الأمير على مدي وأنا مفض إليك بأمر إن أنت اظهرته قتلت وإن أنت كتمته سلمت قالت وما هو قال قد عزمت على أن أظهر أن الفالج قد أصابني فإذا كان في السحر فاجمعي جواريك واقصدي فراشي وحركيني فإذا رأيت حركتي ثقلت فصيحي أنت وجواريك واجمعهي اخوتك فأعلميهم علتي ففعلت ما أمرها وكانت عاقلة فأقام مطروحا على فراشه حينا لا يتحرك إلى أن جاء هرثمة واليا فركب إلى لقائه فرآه علي بن عيسى بن ماهان فقال إلى أين فقال أتلقى الأمير أبا حاتم قال الم تكن عليلا فقال وهب الله العافية وعزل الطاغية في ليلة واحدة فعلى هذا تكون ولاية هرثمة ظاهرة

وقيل بل كانت ولايته سرا لم يطلع الرشيد أحدا فقيل إنه لما اراد عزل علي بن عيسى استدعى هرثمة وأسر إليه ذلك وقال له ان علي بن عيسى قد كتب يستمدني بالعساكر والأموال فأظهر للناس أنك تسير إليه نجدة له وكتب له الرشيد كتابا بولايته بخط يده ووأمر كتابه أن يكتبوا له إلى علي بن عيسى بأنه قد سير هرثمة نجدة له فسار هرثمة ولا يعلم بأمره أحد حتى ورد نيسابور فلما وردها استعمل أصحابه على كورها وسار مجدا يسبق الخبر فأتى مرو والتقاه علي بن عيسى فاحترمه هرثمة وعظمه حتى دخل البلد ثم قبض 1 عليه وعلى أهله وأصحابه وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف وكانت خزائنه وأثاثه على ألف وخمسمائة بعير فأخذ الرشيد ذلك كله وكان وصول هرثمة إلى خراسان سنة اثنتين وتسعين فلما فرغ هرثمة من أخذ اموالهم اقامهم لمطالبة الناس وكتب إلى الرشيد بذلك وسير علي بن عيسى اليه على بعير بغير وطاء ولا غطاء

ذكر عدة حوادث ص 347

فيها خرج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايا وتنقل في السواد فوجه إليه طوق بن مالك فهزمه طوق وجرحه وقتل عامة أصحابه وفيها خرج أبو النداء بالشام فسير الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ وعقد له على الشام وفيها ظفر حماد البربري بهيصم اليماني وفيها أرسل أهل نسف إلى رافع بن الليث يسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى بن علي بن عيسى وعلي بن عيسى فأرسل إليهم جمعا فقتلوا عيسى وحده في ذي القعدة ولم يعرضوا لأصحابه وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضيق فقتلوه وخمسين رجلا وسلم الباقون وكان ذلك على مرحلتين من طرطوس وفيها استعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان وضم إليه ثلاثين ألفا من أهل خراسان ورتب الرشيد بدرب الحدث عبدالله بن مالك وبمرعش سعيد بن سلم بن قتيبة فأغارت الروم عليها فأصابوا من المسلمين وانصرفوا ولم يتحرك سعيد من موضعه وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرطوس وأقام الرشيد يتحرك بدرب الحدث ثلاثة أيام من رمضان وعاد إلى الرقة وأمر الرشيد بهدم الكنائس باثغور وأخذ أهل الذمة بمخالفة هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم وأمر هرثمة ببناء طرطوس وتمصيرها ففعل وتولى ذلك فرخ الخادم بأمر الرشيد وسير إليها جندا من أهل خراسان ثلاثة آلاف ثم اشخص إليهم ألفا من أهل المصيصة وألفا من أهل انطاكية وتم بناؤها سنة اثنتين وتسعين ومائة وبنى مسجدها

وحج بالناس هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي وكان أميرا على مكة وكان على الموصل محمد بن الفضل بن سليمان

وفيها توفي الفضل بن موسى السيناني أبو عبد الله الرزوي مولى بني قطيعة وكان مولده سنة خمس عشرة ومائة

( السيناني ) بكسر السين المهملة وبالياء المثناة من تحتها وبالنون قبل الألف ثم بنون بعده منسوب إلى سينان وهي قرية من قرى مرو

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.