وفي هذه السنة ظهر رافع بن الليث بن نصر بما وراء النهر مخالفا للرشيد بسمرقند وكان سبب ذلك أن يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوج ابنة لعمه أبي النعمان وكانت ذات يسار ولسان ثم تركها بسمرقند وأقام ببغداد واتخذ السراري فلما طال ذلك عليها أرادت التخلص منه وبلغ رافعا خبرها فطمع فيها وفي مالها فدس إليها من قال لها إنه لا سبيل إلى الخلاص من زوجها إلا أنت تشهد عليها قوما أنها أشركت بالله ثم تتوب فينفسخ نكاحها وتحل للازواج ففعلت ذلك وتزوجها رافع فبلغ الخبر يحيى بن الأشعث فشكا إلى الرشيد فكتب إلى علي بن عيسى بن ماهان يأمره أن يفرق بينهما وأن يعاقب رافعا ويجلده الحد ويقيده ويطوف به في سمرقند على حمار ليكون عظة لغيره ففعل به ذلك ولم يحده فأراد ضرب عنقه فشفع فيه عيسى بن علي بن عيسى وأمره بالانصراف إلى سمرقند فرجع إليها ووثب بعامل ابن عيسى عليها فقتله واستولى عليها فوجه إليه ابنه فلقيه فهزمه رافع فاخذ علي بن عيسى في جمع الرجال والتأهب لمحاربته وانقضت السنة
ثم دخلت سنة وتسعين ومائة
وفي هذه السنة فتح الرشيد هرقلة وأخربها وكان سبب مسيره إليها ما ذكرناه سنة سبع وثمانين ومائة من غدر نقفور وكان فتحها في شوال وكان حصرها ثلاثين يوما وسبى أهلها وكان قد دخل البلاد في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفا من المرتزقة سوى الاتباع والمتطوعة ومن لا ديوان له وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع ووجه داود بن عيسى بن موسى سائرا في أرض الروم في سبعين ألفا يخرب وينهب ففتح الله عليه
وفيتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودلسة وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف وملقونية واستعمل حميد بن معيوف على سواحل الشام ومصر فبلغ قبرس فهدم وأحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفا فأقدمهم الرافقة فبيعوا بها وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار ثم سار الرشيد إلى طوانة فنول بها ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير وعن رأس ولده دينارين وعن بطارقته كذلك وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة كان هرقلة كات خطبها فارسلها اليه
وخرج في هذه السنة خارجي من ناحية عبد القيس يقال له سيف بن بكير فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النورة وفيها نقض أهل قبرض العهد فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلها
وحج بالناس عيسى بن موسى الهادي وفيها أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون وقيل بل أسلم أبوه سهل على يدي المهدي وكان محبوسا وقيل أسلم الفضل وأخوه الحسن على يد يحيى بن خالد فاختاره يحيى لخدمة المأمون فلهذا كان الفضل يرعى البرامكة ويثنى عليهم ولقب بذي الرياستين لأنه تقلد الوزراة والسيف وكان يتشيع وهو الذي اشار على المأمون بالعهد لعلي بن موسى الرضا عليه السلام
وكان على الموصل هذه السنة خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب لوما دخل الموصل تنكسر لؤلوه في باب المدينة فتطير منه وكان معه أبو الشيص الشاعر فقال في ذلك
( ما كان منكسر اللواء لطيره % تخشى ولا أمر يكون موبلا )
( لكن هذا الرمح أضعف ركنه % صغر الولاية فاستقل الموصلا ) فسرى عن خالد وفيها غزا الرشيد الصائفة واستخلف المأمون بالرقة وفوض إليه الأمور وكتب إلى الآفاق بذلك ودفع إليه خاتم المنصور تيمنا به ونقشه الله ثقتي آمنت به وفيها خرجت الروم إلى عين زربة والكنيسة السوداء وأغاروا فاستنقذ أهل المصيصة ما كان معهم من الغنيمة وفيها توفي أسد بن عمرو بن عامر أبو المنذر البجلي الكوفي صاحب أبي حنيفة وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوسا بالرافقة في المحرم وعمره سبعون سنة وعمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
