ذكر وفاة هشام
ص 307
فيها مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان صاحب الأندلس في صفر
وكانت إمارته سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام وقيل تسعة أشهر وقيل عشرة أشهر وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وكنيته أبو الوليد وكانت أمه أم ولد وكان أبيض أشهلب مشربا بحمرة بعينيه حول وخلف خمسة بنين وكان عاملا حازما ذا رأي وشجاعة وعدل خيرا محبا لأهل الخير والصلاح شديدا على الأعداء راغبا في الجهاد
ومن أحسن عمله أنه أخرج مصدقا يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه أيام ولايته وهو الذي تمم بناء الجامع بمدينة قرطبة وكان أبوه قد مات قبل فراغه منه وبنى عدة مساجد معه وبلغ من عز الاسلام في أيامه وذل الكفر أن رجلا مات في ايامه وكان وصى أن يفك أسير من المسلمين من تركته فطلب ذلك فلم يوجد في دار الكفار أسير يشترى ويفك لضعف العدو وقوة المسلمين
ومناقبه كثيرة قد ذكرها أهل الأندلس كثيرا وبالغوا حتى قالوا كان يشبه في سيرته بعمر بن عبد العزيز رحمه الله
ذكر ولايته ابنه الحكم ولقبه المنتصر
ص 307
ولما مات استخلف بعده ابنه الحكم وكان الحكم صارما حازما وهو أول من استكثر من المماليك بالأندلس وارتبط الخيل وتشبه بالجبابرة وكان يباشر الأمور بنفسه وكان فصيحا شاعرا
ولما ولي خرج عليه عماه سليمان وعبد الله وكانا في بر العدوة الغربية فعبر عبد الله البلنسي إلى الأندلس فتولى بلنسية وتبعه أخوه سليمان وكان بطنجة وأقبلا يؤلبان الناس على الحكم ويثيران الفتنة فتحاربوا مدة والظفر للحكم ثم إن الحكم ظفر بعمه سليمان فقتله سنة أربع وثمانين ومائة وأما عبد الله فأقام ببلنسية وقد كف عن الفتنة وخاف فراسل الحكم في الصلح فأجابه إلى ذلك فوقع الصلح بينهما سنة ست وثمانين وزوج أولاد عبد الله بإخوته وسكنت الفتنة
ولما اشتغل الحكم بالفتنة مع عميه اغتنم الفرنج الفرصة فقصدوا بلاد الإسلام وأخذوا مدينة برشلونة واتخذوها دارا ونقلوا أصحابهم إليها وتأخرت عساكر المسلمين عنها وكان أخذها سنة خمس وثمانين ومائة
ذكر غزو الفرنج بالأندلس
ص 308
في هذه السنة سير الحكم صاحب الأندلس جيشا مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج فدخل البلاد السرايا ينهبون ويقتلون ويحرقون البلاد وسير سرية فجازوا خليجا من البحر كان الماء قد جزر عنه وكان الفرنج قد جعلوا أموالهم وأهليهم وراء ذلك الخليج ظنا منهم أن أحدا لا يقدر أن يعبر إليهم فجاءهم ما لم يكن في حسابهم فغنم المسلمون جميع مالهم وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروا وسبوا الحريم وعادوا سالمين إلى عبدالكريم وسير طائفة ئأخرى فخربوا كثيرا من بلاد فرنسية وغنم أموال أهلها وأسروا الرجال فأخبره بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد شبقوا المسلمين إلى واد وعر المسلك على طريقهم فجمع عبد الكريم عساكره وسار على تعبية وجد السير فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون فوضعوا السيف فيهم فانهزموا وغنم ما معهم وعاد سالما هو ومن معه
ذكر ولاية علي بن عيسى خراسان
ص 308
وفيها عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان واستعمل عليها علي بن عيسى بن ماهان فوليها عشر سنين وفي ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجي أيضا فجاء إلى بوشنج فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدي وكان على هراة في ستة آلاف فقاتله فهزمه حمزة وقتل من أصحابه جماعة ومات عمرويه في الزحام فوجه إليه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف فلم يحارب حمزة فعزله وسير عوضه ابنه عيسى بن علي فقاتل حمزة فهزمه حمزة فرده أبوه إليه أيضا فقاتله بباخرز وكان حمزة بنيسابور فانهزم حمزة وقتل أصحابه وبقي في أربعين رجلا فقصد قهستان
وأرسل عيسى أصحابه إلى أوق وجوين فقتلوا من بها من الخوارج وقصد القرى التي كان أهلها يعينون حمزة فأحرقها وقتل من فيها حتى وصل إلى زرنج فقتل ثلاثين ألفا ورجع وخلف برزنج عبد الله بن العباس النفسي فجبى الأموال وسار بها فلقيه حمزة بأسفزار فقاتله فصبر له عبد الله ومن معه من الصغد فانهزم حمزة وقل كثير من أصحابه وجرح في وجهه واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم ثم خرج وسار في القرى يقتل ولا يبقى على أحد وكان علي بن عيسى قج استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج فسار إليه حمزة وانتهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاما فقتلهم وقتل معلمهم وبلغ طاهرا الخبر فأتى قرية فيها وقعد الخوارج وهم الذين لا يقاتلون ولا يوان لهم فقتلهم طاهر وأخذ أموالهم وكان يشد الرجل منهم في شجرتين يجمعهما ثم يرسلهما فتأخذ كل شجرة نصفه فكتب القعد إلى حمزة بالكف فكف وواعدهم وأمن الناس مدة وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة
ذكر عدة حوادث
ص 309
وفيها سار جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام للعصبية التي بها ومعها القواد والعساكر والسلاح والأموال فسكن الفتنة وأطفأ النائرة وعاد الناس إلى الأمن والسكون
وفيها أخذ الرشيد الخاتم من جعفر فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد
وفيها ولى جعفر خراسان وسجستان ثم عزله عنها بعد عشرين ليلة واستعمل عليها عيسى بن جعفر وولي جعفر بن يحيى الحري وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب العطاف بن سفيان الأزدي سار إليها بنفسه وهدم سورها واقسم ليقتلن من لقي من أهلها فأفتاه القاضي أبو يوسف ومنعه من ذلك
وكان العطاف قد سار عنها نحو أرمينية فلم يظفر به الرشيد ومضى إلى الرقة فاتخذها وطنا
وفيها عزل هرثمة بن أعين عن افريقية واستقدمه إلى بغداد واستخلفه جعفر بن يحيى على الحرس وفيها كانت بمصر زلزلة عظيمة سقط منها رأس منارة الاسكندرية
وفيها خرج خراشة الشيباني بالجزيرة فقتله مسلم بن بكار العقيلي وفيها خرجت المحمرة بجرجان
وفيها عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان ووليها عبد الله بن خازم وولي سعيد بن سلم الجزيرة وغزا الصائفة محمد بن معاوية بن زفرة بن عاصم وفيها سار الرشيد إلى الحيرة وابتنى بها المنازل فاقطع أصحابه القطائع فثار بهم أهل الكوفة وأساؤوا مجاورته فعاد إلى بغداد
وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي وفيها استعمل الرشيد على الموصل يحيى بن سعيد الحرشي فأساء السيرة في أهلها وظلمهم وطالبهم بخراج سنين مضت فجلا أكثر أهل البلد
وفي هذه السنة توفي المبارك بن سعيد الثوري أخو سفيان وسلمة الأحمر وسعيد بن خيثم وأبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد وعبد العزيز بن أبي حازم وتوفي وهو ساجد وأبو ضمرة أنس بن عياض الليثي المدني وفيها أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربة وحصنها وسير إليها جندا من أهل خراسان وغيرهم فاقطعهم بها المنازل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.