فيها سير هشام صاحب الأندلس جيشا كثيفا واستعمل عليهم عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث فدخلوا بلاد العدو فبلغوا اربونة وجرندة فبدأ بجرندة وكان بها حامية الفرنج فقتل رجالها وهدم أسوارها وابراجها وأشرف على فتحها فرحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك وأوغل في بلادهم ووطئ أرض شرطانية فاستباح حريمها وقتل مقاتلتها وجاس البلاد شهورا يخرب الحصون ويحرق وينم قد أجفل العدو من بين يديه هاربا وأوغل في بلادهم ورجع سألما معه من الغنائم ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهي من أشهر مغازي المسلمين بالأندلس
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة
وفي هذه السنة وهي سنة سبع وسبعين استعمل الرشيد على أفريقية الفضل بن روح بن حاتم وكان الرشيد لما توفى روح استعمل بعده حبيب بن نصر المهلبي
فسار الفضل إلى باب الرشيد وخطب ولاية أفريقية فولاه فعاد إليها فقدم في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة فاستعمل على مدينة تونس ابن أخيه المغيرة بن بشر بن روح وكان غارا فاستخف بالجند وكان الفضل أيضا قد أوحشهم وأساء السيرة معهم بسبب ميلهم إلى نصر بن حبيب الوالي قبله فاجتمع من بتونس وكتبوا إلى الفضل يستعفون من ابن أخيه فلم يجبهم عن كتابهم فاجتمعوا على ترك طاعته فقال لهم قائد من الخراسانية يقال له محمد بن الفارسي كل جماعة لا رئيس لها فهي إلى الهلاك أقرب فانظروا رجلا يدبر أمركم
قالوا صدقت فاتفقوا على تقديم قائد منهم يقال له عبد الله بن الجارود يعرف بعبدويه الأنباري فقدموه عليهم وبايعوه على السمع والطاعة وأخرجوا المغيرة عنهم وكتبوا إلى الفضل يقولون أنا لم نخرج يدا عن طاعته ولكنه أساء السيرة فأخرجناه فول علينا من نرضاه
فاستعمل عليهم ابن عمه عبد الله بن يزيد بن حاتم وسيره إليهم فلما كان على مرحلة من تونس أرسل إليه ابن الجارود جماعة لينظروا في أي شيئ قدم ولا يحدثوا حدثا إلا بأمر فساروا إليه
وقال بعضهم لبعض أن الفضل يخدعكم بولاية هذا ثم ينتقم منكم بإخراجكم أخاه فعدوا على عبد الله بن يزيد فقتلوه وأخذوا من معه من القواد أسارى
فاضطر حينئذ عبد الله بن الجارود ومن معه إلى القيام والجد في إزالة الفضل
فتلوى ابن الفارسي الأمر وصار يكتب إلى كل قائد بافريقية ومتولي مدينة يقول له أنا نظرنا في صنيع الفضل في بلاد أمير المؤمنين وسوء سيرته فلم يسعنا الأا الخروج علينا لنخرجه عنا ثم نظرنا فلم نجد أحدا أولى بنصيحة أمير المؤمنين لبعد صوته وعطفه على جنده منك فرأسنا أن نجعل نفوسنا دونك فإن ظفرنا جعلناك أميرنا وكتبنا إلى أمير المؤمنين نسأله ولايتك وإن كانت الأخرى لم يعلم أحد أننا أردناك والسلام فأفسد بهذا كافة الجند على الفضل وكثر الجمع عندهم
فسير إليهم الفضل عسكرا كثيرا فخرجوا إليه فقاتلوه فانهزم عسكره وعاد إلى القيروان منهزما وتبعهم أصحاب ابن الجارود فحاصروا القيروان يومهم ذلك
ثم فتح أهل القيروان الأبواب ودخل ابن الجارود وعسكره في جمادى الأخرة سنة ثمان وسبعين ومائة وأخرج الفضل من القيروان ووكل به وبمن معه من أهله أن يوصلهم إلى قابس فساروا يومهم ثم ردهم ابن الجارود وقتل الفضل بن روح بن حاتم
فلمال قتل الفضل غضب جماعة من الجند واجتمعوا على قتل ابن الجارود فسير إليهم عسكرا فانهزم عسكره وعاد إليه بعد قتال شديد واستولى أولئك الجند على القيروان وكان ابن الجارود بمدينة تونس فسار إليهم وقد تفرقوا بعد دخول القيروان
فوصل إليهم ابن الجارود فلقوه واقتتلوا فهزمهم ابن الجارود وقتل جماعة من أعيانهم فانهزموا فلحقوا بالأربس وقدموا عليهم العلاء بن سعيد والي بلد الزاب وساروا إلى القيروان
اتفق وصول يحيى بن موسى من عند الرشيد لما قصد العلاء ومن معه القيروان وكان سبب وصوله أن الرشيد بلغه ما صنع ابن الجارود وإفساده افريقية
فوجه هرثمة بن أعين ومعه يحيى بن موسى لمحله عند أهل خراسان وأمر أن يتقدم يحيى فيتلطف بابن الجارود ويستميله ليعاود الطاعة قبل وصول هرثمة
فقدم يحيى القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود كلان كثير ودفع إليه كتاب الرشيد فقال أنا على السمع والطاعة وقج قرب مني العلاء بن سعيج ومعه البربر فإن تركت القيروان وثب البربر فملكوها فأكون قد ضيعت بلاد أمير المؤمنين ولكني أخرج إلى العلاء فإن ظفر بي فشأنكم والثغور وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة فأسلم البلاد إليه وأشير إلى أمير المؤمنين وكان قصده المغالطة فإن ظفر بلاعلاء منع هرثمة عن البلاد فعلم يحيى ذلك وخلا بابن الفارسي وعاتبه على ترك الطاعة فاعتذر وحلف أنه عليها وبذل من نفسه المساعدة على ابن الجارود
فسعى ابن الفارسي في افساد حاله واستمال جماعة من اجناده فاجأبوه وكثر جمعه وخرج إلى قتال ابن الجارود
فقال ابن الجارود لرجل من أصحابه اسمه طالب اذا تواقفنا فإنني سأدعو ابن الفارسي لأعاتبه فاقصده أنت وهو غافل فاقتله فأجابه إلى ذلك وتواقف العسكران ودعا ابن الجارود محمد بن الفارسي وكلمه وحمل طالب عليه وهو غافل فقتله وانهزم أصحابه
وتوجه يحيى بن موسى إلى هرثمة بطرابلس وأما العلاء بن سعيد فإنه لما علم الناس بقرب هرثمة منهم كثر جمعه وأقبلوا إليه من كل ناحية وسار إلي ابن الجارود
فعلم ابن الجارود أنه لا قوة له به فكتب إلى يحيى بن موسى يستدعيه ليسلم إليه القيروان فسار إليه في جند طرابلس في المحرم سنة تسع وسبعين ومائة
فلما وصل قابسا تلقاه عامة الجند وخرج ابن الجارود من القيروان مستهل صفر وكانت ولايته سبعة أشهر وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى يستبقان إلى القيروان كا منهما يريد أن يكون الذكر له فسبقه العلاء ودخلها وقتل جماعة من أصحاب ابن الجارود وسار إلى هرثمة فسيره هرثمة إلى الرشيد وكتب إليه يعلمه أن العلاء كان سبب خروجه
فكتب الرشيد يأمره بإرسال العلاء إليه فسيره فلما وصل لقيه صلة كثيرة من الرشيد وخلع فلم يلبث بمصر إلا قليلا حتى توفي وأما ابن الجارود فإنه اعتقل ببغداد
وسار هرثمة إلى القيروان فقدمها في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة فأمن الناس وسكنهم وبنى القصر الكبير بالمنستسر سنة ثمانين ومائة وبنى سور مدينة طرابلس مما يلي البحر
وكان إبراهيم بن الأغلب بولاية الزاب فأكثر الهدية إلى هرثمة ولاطفه فولاه هرثمة ناحية من الزاب فحسن أثره فيها ثم إن عياض بن وهب الهواري وكليب بن جميع الكلبي جمعا جموعا وأرادا قتال هرثمة فسير إليهما يحيى بن موسى في جيش كثير ففرق جموعهما وقتل كثيرا من أصحابهما وعاد إلى القيروان
ولما رأى هرثمة بأفريقية من الاختلاف واصل كتبه إلى الرشيد يستعفي فأمره بالقدوم عليه إلى العراق فسار عن أفريقية في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت ولايته سنتين ونصفا
وفيها خالف العطاف بن سفيان الأزدي على الرشيد وكان من فرسان أهل الموصل واجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج وكان عامل الرشيد على الموصل محمد بن العباس الهاشمي وقيل عبد الملك بن صالح والعطاف غالب على الأمر كله وهو يجب الخراج وأقام على هذا سنتين حتى خرج الرشيد إلى الموصل فهدم سورها بسببه
في هذه السنة عزل الرشيد جعفر بن يحيى عن مصر واستعمل عليها إسحاق بن سليمان وعزل حمزة بن مالك عن خراسان واستعمل عليها الفضل بن يحيى البرمكي مضافا إلى ما كان إليه من الأعمال وهي الري وسجستان وغيرهما وفيها غزا الصائفة عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي وفيها من المحرم هاجت ريح شديدة وظلمة ثم عادت مرة ثانية في صفر وحج بالناس الرشيد وفيها توفي عبد الواحد بن زيد وقيل سنة ثمان وسبعين وفيها توفي شريك بن عبد الله النخعي وجعفر بن سليمان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
