ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بالديلم
ص 290
في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالديلم واشتدت شوكته وكثر جموعه وأتاه الناس من الأمصار
فاغتم الرشيد لذلك فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفا ومعه صناديد القواد وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها وحمل معه الأموال فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به وحذره وأشار عليه وسط أمله
ونزل الفضل بالطالقان بمكان يقال له أشب ووالى كتبه إلى يحيى وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله فاجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم منهم عبد الصمد بن علي فاجابه الرشيد إلى ذلك وسربه وعظمت منزلة الفضل عنده وسير الأمان مع هدايا وتحف فقدم يحيى مع الفضل بغداد فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأجرى له ارزاقا سنية وأنزله منزلا سريا
ثم أن الرشيد حبسه فمات في الحبس وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه وعلى أبي البختري القاضي فقال محمد الأمان صحيح فحاجه الرشيد فقال محمد وما يصنع بالأمان لو كان محاربا ثم ولي وكان آمنا وقال أبو البختري هذا أمان منتقض من وجه كذا فمزقه الرشيد
ذكر ولاية عمر بن مهران مصر
ص 290
وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر ورد أمرها إلى جعفر بن يحيى بن خالد فاستعمل عليها جعفر عمر بن مهران
وكان سبب عزله أن الرشيد بلغه أن موسى عازم على الخلع فقال والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي فأمر جعفر فأحضر عمر بن مهران وكان أحول مشوه الخلق وكان لباسه خسيسا وكان يردف غلامه خلفه فلما قال له الرشيد أتسير إلى مصر أميرا فقال أتولاها على شرائط إحداها أن يكون اذني إلى نفسي إذا أصلحت البلاد انصرفت فأجابه إلى ذلك فسار
فلما وصل إليها أتى جار موسى فجلس في أخريات الناس فلما تفرقوا قال ألك حاجة قال نعم ثم دفع إليه الكتب فلما قرأها قال هل يقدم أبو حفص أبقاه الله قال أنا أبو حفص قال موسى لعن الله فرعون حيث قال أليس لي ملك مصر ثم سلم له العمل فتدقم عمر إلى كاتبه أن لا يقبل هدية إلا ما يدخل في الكيس
فبعث الناس بهداياهم فلم يقبل دابة ولا جارية ولم يقبل إلا المال والثياب فأخذها وكتب عليها اسماء أصحابها وتركها
وكان أهل مصر قد اعتادوا المطل بالخراج وكسره فبدأ عمر برجل منهم فطالبه بالخراج فلواه فأقسم أن لا يؤجيه إلا بمدية السلام فبذل الخراج فلم يقبله منه وحمله إلى بغداد فأدى الخراج بها فلم يمطله أحد فاخذ النجم الأول والنجم الثاني فلما كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل وشكوا الضيق فأحضر تلك الهدايا وحسبها لأربابها وأمرهم بتعجيل الباقي فاسرعوا في ذلك فاستوفى خراج مصر عن آخره ولم يفعل ذلك غيره ثم انصرف إلى بغداد
ذكر فتنة بدمشق
ص 291
وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية
وكان رأس المضرية أبو الهيذام واسمه عأمر بن عمارة بن خزيم الناعم بن عمرو بن الحرث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذيبان بن بغيض بن ريث بن غطفان المري أحد فرسان العرب المشهورين
وكان سبب الفتنة أن عاملا للرشيد بسجستان قتل أخا لأبي الهيذام فخرج أبة الهيذام بالشام وجمع جمعا عظيما وقال رثي أخاه
( سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا % فإن بها ما يدرك الطالب الوترا )
( ولسنا كمن ينعى أخاه بعبرة % يعصرها من ماء مقلته عصرا )
( وإنا أناس ما تفيض دموعنا % على هالك منا وإن قصم الظهرا )
( ولكنني أشفي الفؤاد بغارة % الهب في قطري كتائبها جمرا )
وقيل أن هذه الأبيات لغيره والصحيح أنها له ثم أن الرشيد احتال عليه بأخ له كتب إليه فارغبه ثم شد عليه فكتفه وأتى به اللاشيد فمن عليه وأطلقه وقيل كان أول ما هاجت الفتنة في الشام أن رجلا من بني القين خرج بطعام له يطحنه في الرحى بالبلقاء فمر بحائط رجل من لخم أو جذام وفيه بطيخ وقثاء فتناول منه فشتمه صاحبه وتضاربا وسار القيني فجمع صاحب البطيخ قوما من أهل اليمن ليضربوه إذا عاد فلما عاد ضربوه وأعانه قوم آخرون فقتل رجل من اليمانسة وطلبوا بدمه فاجتمعوا لذلك وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي فلما خاف الناس أن يتفاقم ذلك اجتمع أهل الفضل والرؤساء ليصلحوا بينهم فأتوا بني القين فكلموهم فأجأبوهم إلى ما طلبوا فأتوا اليمانية فكلموهم فقالوا انصرفوا عنا حتى ننظر ثم ساروا فبيتوا بني القين فقتلوا منهم ستمائة وقيل ثلاثملئة فاتسنجد بنو القين قضاعة وسليحا فلم ينجدوهم فاستنجدوا قيسا فأجأبوهم وساروا معهم إلى الصواليك من أرض البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة وكثر القتال بينهم فالتقوا مرات
وعزل عبد الصمد عن دمشق واستعمل عليها إبراهيم بن صالح بن علي فقام ذلك الشر بينهم نحو ستين والتقوا بالبثنية فقتل من اليمانية نحو ثمانمائة ثم اصطلحوا بعد شر طويل ووفد إبراهيم بن صالح على الرشيد وكان ميله مع اليمانية فوقع في قيس عند الرشيد فاعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر النصري من بني نصر فقبل عذرهم ورجعوا واستخلف إبراهيم بن صالح على دمشق ابنه إسحاق وكان ميله أيضا مع اليمانية فأخذ جماعة من قيس فحبسهم وضربهم وحلق لحاهم فنفر الناس ووثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه فجاء أخوه إلى ناس من الزواقيل بحوران فاستنجدهم فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفرا
ثم ثارت اليمانية بكليب بن عمرو بن الجنيد بن عبد الرحمن وعنده ضيف له فقتلوه فجاءت أم الغلام بثيابه إلى أبي الهيذام فألقتها بين يديه فقال انصرفي حتى ننظر فإني لا أخبط خبط العشواء حتى يأتي الأمير ونرفع إليه دماءنا فإن نظر فيها والأ فأمير المؤمنين ينظر فيها
ثم أرسل إسحاق فأحضر أبا الهيذام فحضر فلم يأذن له ثم أن أناسا من الزواقيل قتلوا رجلا من اليمانبة وقتلت اليمانية رجلا من سليم ونهبت أهل تلفياثا وهم جيران محارب فجاءت محارب إلى أبي الهيذام فركب معهم إلى إسحاق في ذلك فوعدهم الجميل فرضي فلما انصرف أرسل إسحاق إلى اليمانية يغريهم بأبي الهيذام فاجتمعوا وأتوا أبا الهيذام من باب الجابية فخرج إليهم في نفر يسير فهزمهم واستولى على دمشق وأخرج أهل السجون عامة ثم أن أهل اليمانية استجمعت واستنجدت كلبا وغيرهم فأمدوهم
وبلغ الخبر أبا الهيذام فأرسل إلى المضرية فأتته الأمداد وهو يقاتل اليمانية عند باب توما فانهزمت اليمانية ثم أن اليمانية أتت قرية لقيس عن دمشق فأرسل أبو الهيذام إليهم الزواقيل فقاتلوهم فانهزمت اليمانية أيضا ثم لقيهم جمع آخر فانهزموا أيضا ثم أتاهم الصريخ أدركوا باب توما فأتوه فقاتلوا اليمانية فانهزمت أيضا فهزموهم في يوم واحد أربع مرات ثم رجعوا إلى أبي الهيذام ثم ارسل إسحاق إلى أبي الهيذام يأمره بالكف ففعل وأرسل إلى اليمانية قد كففته عنكم فدونكم الرجل فهو غار فأتوه من باب شرقي متسللين
فأتى الصريخ أبا الهيذام فركب في فوارس من أهله فقاتلهم فهزمهم ثم بلغه خبر جمع آخر على باب توما فاتاهم فهزمهم أيضا
ثم جمعت اليمانية أهل الأردن والخولان وكلبا وغيرهم وأتى الخبر أبا الهيذام فأرسل من يأتيه بخبرهم فلم يقف لهم على خبر في ذلك وجاؤوا من جهة أخرى كان آمنا منها لبناء فيها فلما انتصف النهار ولم ير شيئا فرق أصحابه فدخلوا المدينة ودخلها معهم وخلف طليعة فلما رآه إسحاق قد دخل أرسل إلى ذلك البناء فهدمه وأمر اليمانية بالعبور ففعلوا فجاءت الطليعة إلى أبي الهيذام فاخبروه الخبر وهو عند باب الصغير ودخلت اليمانية المدينة وحملوا على أبي الهيذام فلم يبرح وأمر بعض أصحابه أن يأتي اليمانية من ورائهم ففعلوا فلما رأتها اليمانية تنادوا الكمين الكمين وانهزموا وأخذ منهم سلاحا وخيلا
فلما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود فعسكروا عند قصر الحجاج وأعلم أبو الهيذام أصحابه فجاءته بنو القين وغيرهم واجتمهت اليمن إلى إسحاق فالتقى بعض العسكر فاقتتلوا فانهزمت اليمانية وقتل منهم
ونهب أصحاب أبو الهيذام بعض داريا وأحرقوا فيها ورجعوا وأغار هؤلاء فنهبوا وأحرقوا واقتتلوا غير مرة فانهزمت اليمانية أيضا
فأرسلت ابنة الضحاك بن رمل السكسكي وهي يمانية إلى أبو الهيذام تطلب منه الأمان فاجابها وكتب لها ونهب القرى التي لليمانية بنواحي دمشق وأحرقها
فلما رأت اليمانية ذلك أرسل إليه ابن خارجة الحرشي وابن عزة الخشني وأتاه الأوزاع والأوصاب ومقرا وأهل كفر سوسية والحميريون وغيرهم يطلبون الأمان فأمنهم فسكن الناس وأمنوا وفرق أبو الهيذام أصحابه وبقي في نفر يسير من أهل دمشق فطمع فيه إسحاق فبذل الأموال للجنود ليواقع أبا الهيذام فأرسل العذافر الكسكي في جمع إلى أبي الهيذام فقاتلوهم فانزهم العذافر ودامت الحرب بين أبي الهيذام وبين الجنود من الظهر إلى المساء وحمل خيل أبي الهيذام على الجند فجالوا ثم تراجعوا وانصرفوا وقد جرح منهم أربعمائة ولم يقتل منهم أحد وذلك نصف صفر فلما كان الغد لم يقتتلوا إلى المساء فلما كان آخر النهار تقد إسحاق في الجند فقاتلهم عامة الليل وهم بالمدينة واستمد أبو الهيذام أصحابه وأصبحوا من الغد فاقتتلوا والجند في اثني عشر ألفا وجاءتهم اليمانية وخرج أبو الهيذام من المدينة فقال لأصحابه وهم قليلون انزلوا فنزلوا وقاتلوهم على باب الجابية حتى أزالوهم عنه
ثم أن جمعا من أهل حمص أغاروا على قرية لأبي الهيذام فأرسل طائفى من أصحابه إليهم فقاتلوهم فانهزم أهل حمص وقتل منهم بشر كثير وأحرقوا قرى في الغوطة لليمانية وأحرقوا داريا ثم بقوا نيفا وسبعين يوما لم تكن حرب فقدم السندي مستهل ربيع الأخر في الجنود من عند الرشيد فأتته اليمانية تغريه بأبي الهيذام وأرسل أبو الهيذام إليه يخبره أنه على الطاعة فاقبل حتى دخل دمشق وإسحاق بدار الحجاج فلما كان الغد أرسل السندي قائدا في ثلاثة آلاف وأخرج إليهم أبو الهيذام ألفا فلما رآهم القائد رجع إلى السندي فقال أعط هؤلاء ما ارادوا فقد رأيت قوما الموت أحب إليهم من الحياة فصالح أبا الهيذام وأمن أهل دمشق والناس وسار أبو الهيذام إلى حوران وأقام السندي بدمشق ثلاثة أيام وقدم موسى بن عيسى واليا فكبسوا داره فخرج هو وابنه خريم وعبد له فقاتلوهم ونجا منهم وانهزم الجند وسمعت خيل أبي الهيذام فجاءته من كا ناحية وقصد بصرى وقاتل جنود موسى بطرف اللجاة فقتل منهم وانهزموا ومضى أبا الهيذام فلما اصبح أتاه خمسة فوارس فطلموه فاوصى أصحابه بما أراد وتركهم ومضى وذلك لعشر بقين من رمضان سنة سبع وسبعين ومائة وكان أولئك النفر قد أتوه من عند أخيه يأمره بالكف ففعل ومضى معهم وأمر أصحابه بالتفرق وكان آخر الفتنة ومات أبو الهيذام سنة اثنتين وثمانين ومائة هذا ما أردنا ذكره على سبيل الأختصار
( خريم ) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء و ( حارثة ) بالحاء المهملة والثاء المثلثة ( نشبة ) بضم النون وسكون الشين المعجمة وبعده باء موحدة و ( بغيض ) بالباء الموحدة وكسر الغين المعجمة وآخره ضاد معجمة و ( ريث ) بالراء والياء تحتها نقطتان وآخره ثاء مثلثة