الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
44

ثم دخلت سنة سبعين ومائة

الجزء الخامس 6 عنصر صفحة 269
ذكر ما جرى للهادي ف خلع الرشيد ص 269

كان الهادي قد جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر وكان سبب ذلك أن الهادي لما عزم على خلعه ذكره لقواده فأجابه إليه يزيد بن مزيد الشيباني وعبد الله بن مالك وعلي بن عيسى وغيرهم فخلعوا هارون وبايعوا لجعفر ووضعوا الشيعة فتكلموا في ذلك وتنقصوا الرشيد في مجلس الجماعة وقالوا لا نرضى به وصعب أمرهم وأمر الهادي أن لا يسار بين يدي هارون بالحربة فاجتنبه الناس وتركوا السلام عليه

وكان يحيى بن خالد بن برمك يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي فقيل للهادي ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده فبعث إليه وتهدده ورماه بالكفر ثم أن استدعاه ليلة فخاف وأوصى وتحنط وحضر عنده فقال له يا يحيى مالي ولك علي ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته فقال لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي فقال من أنا حتى أدخل بينكما إنما صيرني المهدي معه ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره فانتهيت إلى أمرك فسكن غضبه

وقد كان هارون الرشيد طاب نفسا بالخلع فمنعه يحيى عنه فلما أحضره الهادي وقال له في ذلك قال يحيى يا أمير المؤمنين إنك أن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده كان ذلك أؤكد للبيعة

قال صدقت وسكت عنه

فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع فأحضر يحيى وحبسه فكتب إليه أن عندي نصيحة فأحضره فقال له يا أمير المؤمنين أرأيت أن كان الأمر الذي لا تبلغه ونسأل الله أن يعدمنا قبله يعني موت الهادي أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو لم يبلغ الحنث أو يرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم قال ما أظن ذلك

قال يا أمير المؤمنين أفتأمن أن يسمو إليها أكابر أهلك مثل فلان ويطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أبيك والله لو أن هذا الأمر لم يعقده المهدي لأخيك لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له ولكني أرى أن تقر الأمر على أخيك فإذا بلغ جعفر أتيت بالرشيد فخلع نفسه له وبايعه فقبل قوله وقال نبهتني على أمر لم أتنبه له وأطلقه ثم أن أولئك القواد عاودوا القول فيه فارسل الهادي إلى الرشيد في ذلك وضيق عليه فقال له يحيى استأذنه في الصيد فإذا خرجت فابعد ودافع الأيام ففعل ذلك وأذن له فمضى إلى قصر بني مقاتل فقام أربعين يوما فأنكر الهادي أمره وخافه فكتب إليه بالعود فتعلل عليه فاظهر الهادي شتمه وسط مواليه وقواده فيه ألسنتهم فلما طال الأمر عاد الرشيد

وقد كان الهادي في أول خلافته جلس وعنده نفر من قواده وعنده الرشيد وهو ينظر إليه ثم قال له يا هرون كأني بك وأنت تحدث نفسك بتمام الرؤيا وجون ذلك خرط القتاد

فقال له هارون يا موسى إنك أن تجبرت وضعت وإن تواضعت رفعت وإن ظلمك قتلت وإن أنصفت سلمت وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي فأنصف من ظلمت وأصل من قطعت وأجعل أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما تحب من حق الإمام المهدي فقال له الهادي ذلك الظن بك يا أبا جعفر أدن مني فدنا منه فقبل يده ثم أراد العود إلى مكانه فقال لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني المنصور لا جلست إلا معي فاجلسه في صدر مجلسه ثم أمر أن يحمل إليه ألف ألف دينار وأن يحمل نصف الخراج وقال لإبراهيم الحراني اعرض عليه ما في الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة يعني بني أمية فليأخذ منه ما أراد ففعل ذلك فقام عنه

وسئل الرشيد عن الرؤيا فقال قال المهدي رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا فأورق من قضيب موسى أعلاه وأورق قضيب هارون من أوله إلى آخره فعبرت لهما أنهما يملكان معا فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة وتكون أيامه أحسن أيام ودهره أحسن دهر فكان كذلك

وذكر أن الهادي خرج إلى حديثة الموصل فمرض بها واشتد مرضه فانصرف وكتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم عليه

فلما ثقل أجمع القواد الذين كانوا بايعوا جعفرا وتأمروا في قتل يحيى بن خالد وقالوا أن صار الأمر إليه قتلنا وعزموا على ذلك ثم قالوا لهل الهادي يفيق فما عذرنا عنده فامسكوا

ولما اشتد مرض الهادي أرسلت الخيزران إلى يحيى تأمره بالاستعداد فأحضر يحيى كتابا فكتبوا الكتب من الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي وأنه قد ولاهم ما كان ويكون فلما مات الهادي سيرت الكتب

وقيل أن يحيى كان محبوسا وكان الهادي قد عزم على قتله تلك الليلة وأن هرثمة بن أعين هو الذي أقعد الرشيد على ما سنذكره ولما مات الهادي قالت الخيزران قد كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ويملك خليفة ويولد خليفة فمات الهادي وولي الرشيد وولد المأمون وكانت الخيزران قد أخذت العلم عن الأوزاعي وكان الهادي بعيسأباذ

ذكر وفاة الهادي ص 271

وفي هذه السنة توفي الهادي موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ربيع الأول واختلف في سبب وفاته فقيل كان سببها قرحة كانت في جوفه وقيل مرض بحديثة الموصل وعاد مريضا فتوفي على ما نذكره إن شاء الله تعالى وقيل أن وفاته كانت من قبل جوار لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله

وكان سبب أمرها بذلك أنه لما ولي الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه وتسلك به مسلك المهدي حتى مضى أربعة أشهر فانثال الناس إلى بابها وكانت المواكب تغدو وتروح إلى بابها فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى أجابتها إليه سبيلا فقالت لا بد من أجابتني إليه فإنني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك

فغضب الهادي وقال ويلي على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها والله لاقضيتها لك قالت إذا والله لا أسألك حاجة أبدا قال لا أبالي والله فغضبت وقامت مغضبة فقال مكانك والله والا أنا نفي من قرابتي من رسول الله لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله ما هذه المواكب التي تغدو وتروح غلى بابك أمالك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك إياك وإياك لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي فانصرفت وهي لا تعقل فلم تنطق عنده بعدها ثم انه قال لأصحابه أيما خير أنا أم أنتم وأمي أمهاتكم قالوا بل أنت وأمك خير قال فأيكم يجب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقال فعلت أم فلان وصنعت قالوا لا نحب ذلك قال فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها ثم بعث بأرز وقال قد استطبتها فكلي منها فقيل لها أمسكي حتى تنظري فجاؤوا بكلب فاطمعوه فسقط لحمه لوقته فأرسل إليها كيف رأيت الأرز قالت طيبا قال ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك متى أفلح خليفة له أم وقيل كان سبب أمرها بذلك أن الهادي لما جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر خافت الخيزران على الرشيد فوضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم والجلوس على وجهه فمات فأرسلت إلى يحيى بن خالد تعلمه بموته

ذكر وفاته ومبلغ سنه وصفته وأولاده ص 272

كانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول وقيل لأربع عشرة خلت من ربيع الأول وقيل لست عشرة منه قيل وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وقيل كانت أربعة عشر شهرا وكان عمره ستا وعشرين سنة وقيل ثلاثا وعشرين سنة وصلى عليه الرشيد وكانت كنيته أبا محمد وأمه الخيزران أم ولد

ودفن بعيسأباذ الكبرى في بستانه وكان طويلا جسما أبيض مشربا حمرة وكان بشفته العليا نقص وتقلص وكان المهدي قد وكل به خادما يقول له موسى أطبق فيضم شفته فلقب موسى أطبق

وكان له الأولاد تسعة سبعة ذكور وابنتان فمن الذكور جعفر وهو الذي كان يريد البيعة له والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الأعمى كلهم لامهات أولاد والابنتان أم عيسى كانت عند المأمون وأم العباس وكانت تلقب نوتة

ذكر بعض سيرته ص 273

الأخر الهادي عن المظالم ثلاثة أيام فقال له الحراني يا أمير المؤمنين أن العامة لا تحتمل هذا فقال لعلي بن صالح ائذن للناس على الجفلى لا النقري فخرج من عنده ولم يفهم قوله ولم يجسر على مراجعته فاحضر إعرابيا فسأله عن ذلك فقال الجفلي أن تأذن لعامة الناس فأذن لهم فدخل الناس عن آخرهم ونظر في أمورهم إلى الليل فلما تقوض المجلس قال له علي بن صالح ما جرى له وسأله مجازاة الأعرابي فأمر له بمائة ألف درهم فقال علي يا أمير المؤمنين إنه أعرابي ويغنيه عشرة آلاف فقال يا علي أجود أنا وتبخل أنت وقيل خرج يوما إلى عيادة أمه الخيزران وكانت مريضة فقال له عمر بن الربيع يا أيمر المؤمنين إلا أدلك على ما هو أنفع لك من هذا تنظر في المظالم

فرجع إلى دار المظالم وأذن للناس وأرسل إلى أممه يتعرف أخبارها

وقيل كان عبد الله بن مالك يتولى شرطة المهدي قال فكان المهدي يأمرني بضرب ندماء الهادي ومغنيه وحبسهم صيانة له عنهم فكنت أفعل وكان الهادي يرسل إلي بالتخفيف عنهم ولا أفعل فلما ولي الهادي أيقنت بالتلف فاستحضرني يوما فدخلت إليه متحنطا متكفنا وهو على كرسي والسيف والنطع بين يديه فسلمت فقال لا سلم الله عليك أتذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وضربه فلم تجبني وفي فلان وفلان فعدد ندماءه فلم تلتفت إلى قولي فقلت نعم أفتأذن في ذكر الحجة قال نعم قلت نشدتك الله أيسرك أنك وليتني ما ولاني المهدي وأمرتني بما أمر فبعث إلى بعض بنيك بما يخالف أمرك فاتبعت أمره وخالفت أمرك قال لا قلت فكذلك أنا لك وكذا كنت لأبيك فاستدناني فقبلت يده ثم أمر لي بالخلع وقال وليتك ما كنت تتولاه فامض راشدا فصرت إلى منزلي مفكرا في أمري وأمره وقلت حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوه عن رأيه قال فإني لجالس وعندي بنية لي والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ واسخنه وأطعم الصبية وآكل وإذا بوقع الحوافر فظننت أن الدنيا قد زلزلت لوقعها ولكثرة الضوضاء فقلت هذا ما كنت أخافه وإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا الهادي في وسطهم على دابته فلما رأيته وثبت عن مجلسي فقبلت يده ورجله وحافر دابته فقال لي يا عبد الله اني فكرت في أمرك فقلت يسبق إلي وهمك إنني إذا شربت وحولي أعداؤك أزالوا حسن رأيي فيك فيقلقك ذلك فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أن ما كان عندي لك من الحقد قد زال

فهات واطعمني مما كنت تأكل لتعلم اني قد تحرمت بطعامك فيزول خوفك فأدنيت إليه من ذلك الرقاق والكامخ فأكل ثم قال هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي فأدخلت إلي أرعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها فقال هذه لك فساتعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك لعلي احتاج إليها لبعض أسفاري ثم انصرف

قيل وكان يعقوب بن داود يقول ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلي بن عيسى بن ماهان فانه دخل إلى الحبس وقال لي أكرني أمير المؤمنين الهادي أن أضربك مائة سوط فأقبل يضع السوط على يدي ومنكبي يمسني به مسا إلى أن عد مائة سوط ثم خرج فقال له الهادي ما صنعت به قال صنعت الذي أمرتني به

وقد مات الرجل فقال الهادي أنا لله وإنا إليه راجعون فضحتني والله عند الناس يقولون قتل يعقوب بن داود فلما رأى شدة جزعه قال هو والله حي يا أمير المؤمنين قال الحمد لله على ذلك

وقيل كان إبراهيم بن مسلم بن قتيبة من الهادي بمنزلة عظيمة فمات له ولد فأتاه الهادي يعزيه فقال له يا إبراهيم سرك وهو عدو وفتنة وحزنك وهو صلاة ورحمة فقال يا أمير المؤمنين ما بقي مني جزء فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء

فلما مات إبراهيم صارت منزلته لسعيد بن مسلم

قيل كان علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي يلقب الجزري قد تزوج رقية بنت عمرو العثمانية وكانت قبله تحت المهدي

فبلغ ذلك الهادي فارسل إليه فحمل إليه فقال له أعياك النساء إلا أمرأة أمير المؤمنين فقال ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي فأما غيرهن فلا فشجه بمخصرة كانت في يده وجلده خمسمائة سوط وأراده أن يطلقها فلم يفعل وكان قد غشي عليه من الضرب وكان في يده خاتم نفيس فاهوى بعض الخدم إلى الخاتم ليأخذه فقبض على يده فدقها وأتى الهادي فأراه ده فغضب وقال تفعل هذا بخادمي مع استخفافك بأبي وقولك لي ما قلت فقال سله واستحلفه أن يصدقك ففعل فاخبره الخادم وصدقه فقال أحسن والله أشهد أنه ابن عمي ولو لم ذلك لانتفيت منه وأمر باطلاقه

قيل وكان المهدي قد قال للهادي يوما وقد قدم إليه زنديق فقتله وأمر بصلبه يا بني إذا صار الأمر إليك فتجرد لهذه العصابة يعني أصحاب ماني فانها تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة ثم تخرجها من هذا إلى تحريم اللحوم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجا ثم تخرجها إلى عبادة اثنين أحدهما النور والأخر الظلمة ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق لينقذوهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور فارفع فيها الخشب وجرد السيف فيها وتقرب بأمرها إلى الله فإني رأيت جدي العباس رضي الله عنه في المنام قلدني سيفين لقتل أصحاب الاثنين فلما ولي الهادي قال لأقتلن هذه الفرقة وأمر أن يهيئ له ألف جذع فمات بعد هذا القول بشهرين

قيل وكان عيسى بن دأب من أكثر أهل الحجاز أدبا وأعذبهم ألفاظا وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد قبله وكان يدعو له بما يتكيء عليه في مجلسه وما كان يفعل ذلك بغيره وكان يقول ما استطلت بك يوما ولا ليلا ولا غبت عن عيني إلا تمنيت أن لاألى غريك وأمر له بثلاثين ألف دينار في دفعة واحدة فلما أصبح ابن دأب أرسل قهرمانة إلى الحاجب في قبضها فقال الحاجب هذا ليس إلي فانطلق إلى صاحب التوقيع وإلى الديوان فعاد إلى ابن دأب فأخبره فقال اتركها فبينما الهادي في مستشرف له ببغداد رأى ابن دأب وليس معه إلا غلام واحد فقال للحراني إلا ترى ابن دأب ما غير حاله وقد وصلناه ليرى أثرنا عليه فقال أن أمرتني عرضت له بالحال فقال لا هوز أعلم بحاله ودخل ابن دأب وأخذ في حديثه فعرض له الهادي بشيء وقال أرى ثوبك غسيلا وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد فقالباعي قصير فقال وكيف وقد صرفنا إليك ما فيه صلاح شأنك فقال ما وصل إلي شيء فدعا صاحب بيت مال الخاصة فقال عجل الساعة ثلاثين ألف دينار فأحضرت وحملت بين يديه

ذكر خلافة الرشيد بن المهدي ص 276

وفي هذه السنة بويع للرشيد هارون بم محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي وكان عمره حين ولى اثنتين وعشرين سنة وأمه الخيزران أم ولد يمانية جرشية وكان مولده بالري في آخر ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة وقيل ولد مستهل محرم سنة تسعه واربعين

وكان مولد الفضل بن يحيى البرمكي قبله بسبعة أيام وارضعت أم ابن يحيى الرشيد وارضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد ولما مات الهادي كان يحيى بن خالد البرمكي محبوسا في قول بعضهم وكان الهادي عازما على قتله فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد فاخرجه وأجلسه للخلافة فارسل الرشيد إلى يحيى فاخرجه من الحبس واستوزره وأمر بانشاء الكتب إلى الأطراف بجلوسه للخلافة وموت الهادي

وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم في فراشه فقال له قم يا أمير المؤمنين فقال كم تروعني إعجأبا منك بخلافتي فكيف يكون حالي مع الهادي أن بلغه هذا فأعلمه بموته وأعطاه خاتمه فبينما هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشره بمولود فسماه عبد الله وهو المأمون ولبس ثيابه وخرج فصلى على الهادي بعيسأباذ وقتل أبا عصمة وسار إلى بغداد

وكان سبب قتل أبي عصمة أن الرشيد كان سائرا هو وجعفر بن الهادي فبلغا قنطرة من قناطر عيسأباذ فقال له أبو عصمة مكانك حتى يجوز ولي العهد فقال الرشيد السمع والطاعة للأمير ووقف حاى جاز جعفر فكان هذا سبب قتله ولما وصل الرشيد إلى بغداد وبلغ الجسر دعا الغواصين وقال كان لمهدي قد وهب لي خاتما سراؤه بمئة ألف دينار يسمى الجبل فأتاني رسول الهادي يطلب الخاتم وأنا ههنا فألقيته في الماء فغاصوا عليه وأخرجوه فسر به ولما مات الهادي هجم حزيمة بن خازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه من فراشه وقال له لتخلعنها أو لأضرين عنقك فاجاب إلى الخلع وركب من الغد خزيمة وأظهر جعفرا للناس فاشهدهم بالخلع واقال الناس من بيعتهم فحظي بها خزيمة

ذكر عدة حوادث ص 277

وفيها ولد الأمين واسمه محمد في شوال فكان المأمون أكبر منه وفيها استوزر الرشيد يحيى بن خالد وقال له قد قلدتك أمر الرعية فاحكم فيها بما ترى من الصواب واعزل من رأيت واستعمل من رأيت ودفع إليه خاتمه فقال إبراهيم الموصلي في ذلك

( ألم تر أن الشمس كانت سقيمة % فلما ولي هارون أشرق نورها )

( بيمن أمين الله هارون ذي الندى % فهارون واليها ويحيى وزيرها )

وكان يحيى يصدر عن رأي الخيزران أم الرشيد

وفيها توفي يزيد بن حاتم المهلبي والي الأريقية واستخلف عليها ابنه داود وانتقضت جبال باجة وخرج فيها الأباضية

فسير إليهم داود جيسا فظفر بهم الأباضية وهزموهم فجهز إليهم جيشا آخر فهزمت الأباضية فتبعهم الجيش فقتلوا منهم فاكثروا وبقي داود أميرا إلى أن استعمل الرشيد عمه روح بن حاتم المهلبي أميرا على افريقية وكانت إمارة داود تسعة أشهر

وفيها عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام واستعمل عليها إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وفيها ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وبقي نفر من الزنادقة لم يظهروا منهم يونس بن فروة ويزيد بن الفيض وفيها عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا وسميت العواصم وأمر بعمارة طرسوس على يدي فرج الحاتم التركي ونزلها الناس

وحج بالناس الرشيد وقسم بالحرمين عطاء كثيرا وقيل إنه غزا الصائفة بنفسه وغزا الصائفة سليمان بن عبد الله البكائي وكان على مكة والطائف عبد الله بن قثم وعلى الكوفة موسى بن عيسى وعلى البصرة والبحرين واليمامة وعمان والأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي وكان على خراسان الفضل بن سليمان الطوسي وعلى الموصل عبد الملك وفيها أوقع عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس برابر نفزة فأذلهم وقتل فيهم وفيها أمر عبد الرحمن بناء جامع قرطبة وكان موضعه كنيسة وأخرج عليه مائة ألف دينار

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.